عام 1958 وتبركا بانتصار ثورة الرابع عشر من تموز أقدمت قيادة الثورة التي بلي بها العراق المظلوم بيديه على منح الطلبة العراقيين ما اعتقدته مكرمة تجلب الفرحة والسعادة لقلوبهم وتجعلهم وأهاليهم يستبشرون خيرا مع قدوم العهد الجديد.لذا قررت قيادة الثورة ووزارة التربية آنذاك عدم اعتبار السنة الدراسية لعام 58 سنة رسوب.
أي أن المتخلفين والراسبين من الطلبة في الامتحانات النهائية رحلوا إلى صفوف متقدمة دون الأخذ بنتائج الاختبار الدراسي النهائي.
وبالرغم من تحذيرات البعض من التربويين والمختصين في مجال العملية التربوية والأكاديمية، حول الأضرار التي سوف تلحق بالعملية التربوية من جراء القرار الذي أطلق عليه حينذاك تسمية (الزحف)، فقد نفذت سلطة ثورة 14 تموز وعدها وكانت الفرحة كبيرة وشاملة لدى من كان متخلفا عن أقرانه من الطلبة. لم تمض غير سنوات قليلة حين ظهر خطر ومضار ذلك القرار على مجمل العملية التربوية وظهرت نتائجه السلبية في الكثير من مجالات التدريس والبحث وبالذات في المدارس الثانوية والمعاهد والجامعات العراقية، وبدأ التشكيك برصانة العملية التربوية في العراق يأتي ليس فقط من بين أوساط الباحثين والتربويين العراقيين وإنما بادرت الكثير من الهيئات التعليمية والجامعات في أغلب دول العالم والتي كانت لها علاقة جيدة بالعملية التدريسية العراقية،بدأت تشكك بقدرة الطلبة العراقيين وتحصيلهم الدراسي.وبالرغم من أن العملية التربوية اتجهت نحو علاقات أكاديمية وتربوية جديدة مع بلدان المنظومة الاشتراكية تعويضا عما أصابها من خسائر من جراء العلاقات المتوترة مع الغرب على مختلف الأصعدة ومنها العلاقات في جانب العملية التربوية والمنح والزمالات، فأن الأمر أحتاج للعديد من السنوات للتعويض وتجاوز الخسائر والأضرار واستعادة العملية التربوية العراقية عافيتها ومنهجيتها الرصينة. ما ترتب ونتج من أضرار عن ذلك الأجراء كان من الموجب أن يكون درسا وإنذارا لتنبيه من يريد للعملية التربوية أن تكون أكثر رصانة وقوة وشفافية وفاعلية.وأن توضع قواعد صارمة توقف أية قرارات غير مدروسة ممكن لها المساس بالعملية التربوية لما لذلك من تأثير على الحياة العلمية والعملية للعراق برمته.
من الجائز القول أن بداية سنوات السبعينات كان باستطاعة المرء وببساطة ملاحظة التحولات النوعية في مختلف مناح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق.وكانت تلك النقلات النوعية السريعة التي حدثت تضفي جانبا إيجابيا وتدلل على رغبة عارمة لدى المجتمع العراق لاكتساب المعرفة والحصول على أحدث التقنيات والخبرات.ولكن تلك المكاسب والمنجزات أصيبت بانتكاسة خطيرة ولم تستمر بذات الوتائر من التسريع لاكتساب المزيد وإنما قننت لصالح مشروع عسكري سلطوي. فقد تم تحويل تلك المعارف والخبرات والتقنيات لغرض بناء مشروع عسكري وترسانة سلاح هائلة، وترافق ذلك مع عسكرة واسعة للمجتمع ومن ثم كانت النتيجة النهائية لتلك الإجراءات، حروب داخلية واعتداء على الجيران في غزوات بربرية عممت الخراب والكوارث.
وقد وقع العراق من جراء ذلك الاستغلال المشوه للعلوم والتقنيات الحديثة في مطب خطر قاد في نهاية الأمر نحو تدمير الحياة الثقافية والعلمية والاقتصادية. لقد وضع المتخلفين من رجال البعث جميع موارد الدولة ومرافقها وبالذات العلمية منها طوع هوسهم ورغباتهم الإجرامية.
وكانت في مقدمة أهدافهم الحرص على ربط التغيرات الاقتصادية والعلمية والثقافية بالتدابير السياسية التي تصب جميعها في الرغبة لإعادة ترتيب البيت العراقي وفق النموذج الشمولي ألبعثي وتحت شعار ((كل شيء من أجل المعركة.)).ولم تمثل تلك النداءات المستمرة عن المعركة الموعودة المفتوحة الاتجاهات والمتعددة الأغراض والأهداف لدى حزب البعث الفاشي سوى مفهومين متوازيين تغلق داخلهما باقي المهام والتطلعات ويبقيان دائما في طليعة الأهداف التي تؤطر المساعي الأخرى، أو أن المهمات الأخرى يجب أن تستنبط منهما وتصب في خدمتهما في مختلف المراحل.
وهذان المفهومان هما إخضاع وترويض أو تدمير مخالفي الرأي ومن ثم عسكرة المجتمع. إخضاع أو ترويض الخصوم ومخالفي الرأي أعتبر جزأ مهما من البناء المرحلي التصاعدي لأسس المعركة التي أريد أن يسخر لها كل شيء.وهذا الجانب يحتاج الى طرق واختبارات عديدة لتنفيذه.ومن تلك الطرق أسلوب الدوائر المغلقة أو تنقية المراكز باتجاه الأطراف.حيث تكون بعض مرافق الدولة أو مؤسساتها حكرا على منتسبي حزب البعث ولا يقبل فيها سواهم مهما كانت الحاجة أو الضرورات.ولذا اعتبرت المؤسسة العسكرية مغلقة ولا يقبل التطوع فيها لغير البعثيين.ومثلها مؤسسات الأمن والشرطة وبعض الدوائر الحكومية القريبة أو التي تصب خدماتها في صالح الجيش وأجهزة الأمن وكانت تلك المهمة سهلة الإنجاز.ولكن للسيطرة على وإغلاق المؤسسات التربوية فقد أحتاج الأمر لفترة زمنية طويلة بعض الشيء وبدأ تنفيذه بآليات منهجية محكمة وشمل كامل هيكل مؤسسات الدولة التربوية والأكاديمية وبالذات منها التعليمية حيث أقتصر القبول في الكليات والمعاهد التي تخرج المدرسين والمعلمين على غالبية من الطلبة البعثين وتطور الأمر مع مرور الوقت لتقفل تلك المؤسسات الأكاديمية بوجه من لم يحصل على تزكية حزبية ثم تبعه تأطير كليات ومعاهد محددة واقتصارها القبول فيها على الطلبة من البعثيين، مثل كلية التربية والهندسة وأكاديمية الفنون والجامعة التكنولوجية وكليات عديدة أخرى.
مثلت الحرب العراقية الإيرانية منعطفا جديدا أضفى تداعيات خطيرة على العملية التربوية ليس فقط على مستوى المناهج وإنما تعداه نحو عموم الجو الدراسي وحجم الملاك التدريسي مما أضطر السلطة لدمج المدارس واختزال التعليم الى أدنى مستوياته تلبية لما سمي باحتياجات المعركة. فقد كانت أعداد كبيرة من خريجي الدراسات الجامعية والمعاهد يستدعون الى الخدمة العسكرية أو يساقون في فصائل الجيش الشعبي التي تتوجه شهريا نحو جبهات القتال حيث تذهب منهم أعداد لا يستهان بها كضحايا لتلك الحرب المجرمة، يضاف لذلك هروب البعض أو تهربه من الخدمة العسكرية،مما سبب شح فعلي في عدد الكادر التدريسي في عموم العراق.
يمكن القول أن من أكثر مسببات الخراب العام الذي طال العملية التربوية يقع في وجهين متلازمين وهما السببان الرئيسيان اللذان نشرا السوس الذي نخر العملية التربوية برمتها،
الأول: مشاركة الطلبة في العمل الحزبي وقواطع الجيش الشعبي.فالطالب يمنح درجات أضافية تفوقيه حسب عدد مشاركاته في قواطع الجيش الشعبي أو مقدار الخدمة الحزبية في منطقته.هذه الدرجات الإضافية تسمح له التفوق على باقي أقرانه ممن لم يؤدوا ذات العمل العسكري والسياسي.ويمكن للطالب الحصول على درجات أضافية إذا كان أحد أقاربه من الدرجة الأولى قد قتل في جبهات القتال أو نال أحد أنواط الشجاعة. ومن خلال هذا الأمر أستطاع الكثير من الطلبة وبالذات طلبة الإعدادات والثانويات الحصول على معدلات تفوق كبيرة ساعدتهم في الدخول الى كليات لم تكن معدلاتهم الحقيقية تسمح بأن يجلسوا على مقاعدها الدراسية أو حتى الحلم بمثل هذا الأمر أو حتى الحصول على فرصة الدراسة في المعاهد التأهيلية. فطالب المرحلة الإعدادية بمعدل درجات تخرج 55% يحصل على 10 درجة لمشاركته في الجيش الشعبي في جبهات القتال لمرة واحدة و 10 درجات لحصوله على نوط شجاعة و 10 درجات لمشاركته في الواجبات الحزبية في مقرات حزب البعث في منطقة سكناه و10 % لتبرع عائلته بالمال لدعم المعركة و15 درجة لكونه من عائلة قتل أحد أفرادها في المعركة وربما نال درجات أخرى لأسباب عديدة يتم تصنيفها وترتيبها في المؤسسة العسكرية والأمنية التي باتت تشرف على كل شيء في أرض العراق.أذن فأن هذا الطالب قد حصل على معدل درجات 100 % أو لربما أكثر ولن يستطيع أن ينافسه أي معدل أخر، ومع هذا المعدل أصبح بوسعه الدخول في أي كلية يختارها دون اعتراض أو عوائق. الوجه الأخر تمثل في قوة وسطوة القرار التسلطي الذي فرض في المدارس والجامعات من قبل الجهاز الحزبي الذي مثله الاتحاد الوطني لطلبة العراق. فتلك المؤسسة الحزبية الأمنية مثلت عند نهاية السبعينات سلطة القرار الفعلي الذي يفرض شروطه وإرادته ليس فقط على الطلاب وإنما بات يتحكم بالعملية التربوية بالكامل ويملي قراراته على الهيئات التدريسية. ومن خلال التقارير التي ترفع الى الجهاز الحزبي والمؤسسات الأمنية يتم التدخل لا بل إدارة العملية التربوية.
وكانت تلك التقارير في أغلبها عبارة عن مديح للمتعاونين من الأساتذة أسهمت في تقدمهم عبر السلم الوظيفي وفي التنظيم الحزبي، أو كانت التقارير وشايات وأكاذيب يراد بها تطويع من يرفض الوصاية أو يخالف القرارات الحزبية. وراح ضحية تلك التقارير الملفقة الكثير من التدريسين الذين شملتهم عقوبات شتى مثل الحبس أو الفصل أو النقل وحتى الإعدام للبعض منهم، ومثلَ السوق لقواطع الجيش الشعبي الذاهبة لجبهات القتال واحدة من أكثر التهديدات شيوعا.وبسبب تلك التهديدات والوضع الاقتصادي فقد بدأت هجرة منظمة للتدريسيين الى خارج العراق.ولذات الأسباب أنصاع الكثير من التربويين وقدموا خدماتهم الطوعية وفق ما تمليه عليهم إرادة الحزب وذراعه الاتحاد الوطني.فمنهم من تطوع ليعطي الطلبة أسئلة الامتحانات أو يتغاضى عن الغش أو يرفع من الدرجة الممنوحة للطالب. وحدثت تجاوزات مفزعة وصلت في بعضها أن يقوم الأساتذة بكتابة الأطروحة التي يريد الطلاب من المتنفذين في الحزب تقديمها لنيل شهادتي الماجستير أو الدكتوراه.
هذا الأمر ساعد على ضخ أعداد هائلة من التدريسيين الفاشلين بين أروقة وزارة التربية ووزارة التعليم العالي وفي المدارس والمعاهد والجامعات وسبب في حدوث كارثة وطنية شاملة تتمثل في سوء الإدارات لقطاع التعليم ومناهج تعليمية ضيقة الأفق حزبية التوجه ذات معلومات سطحية متخلفة وتقدم بأساليب وطرق تدريس بائسة ومملة تعاني من الفقر المعرفي وغياب المنهجية. أن دمار مؤسسات التعليم ينظر اليه ضمن الكوارث الناجمة عن الحروب، لكنه يشكل أيضا إحدى أسوأ عواقب العقوبات الاقتصادية والفوضى المستمرة.فقد شكلت سنوات العقوبات الاقتصادية القشة التي قصمت ظهر البعير.
فعلى امتداد سنوات الحصار التي أستغلها نظام حزب البعث لصالحه الى أقصى المديات وحول الحصار الاقتصادي لتجارة درت عليه الأموال الطائلة، عانت المؤسسات التعليمية والعملية التربوية برمتها من الفوضى والنقص في الموارد المالية والمعرفية وعاش العراق انقطاع شبه كامل عن العالم ولم يكن ذلك ليقتصر على شح الموارد المخصصة لهذا القطاع أو النقص في المصادر المعرفية والكتب ومواد القرطاسية فقط وإنما أصبح قطاع التدريسين وكذلك الطلبة عرضة للإفقار والجوع مما أضطرهم للبحث عن مصادر رزق أخرى لهم ولعوائلهم وصار التدريس والتعلم يمثل الدرجة الدنيا في سلم أولوياتهم،وهجر الكثير منهم مقاعد الدراسة أو الأستاذية ليبحث عما يسد به الرمق ويبعد غائلة الجوع الذي بدا ينهش الجميع دون السلطة الحاكمة.ومن أجل سد العوز باع الأساتذة جهودهم ومعارفهم بأبخس الأثمان حيث نشأة تجارة بيع وشراء واسعة تبدأ من المراحل الدراسية الأولى حتى الدراسة الأكاديمية وبرزت بحدة ظاهرة الدروس الخصوصية التي كانت تقتصر على الطلبة من ميسوري الحال، وفي تلك الدروس الخصوصية كانت تحدث مساومات لبيع الجهود والمعلومة ويعتمد ذلك على مقدار المبالغ المدفوعة للأستاذ في الحصول على النتائج الإيجابية بالنسبة للطالب. ومنذ أواسط الثمانينات بدأ بتعيين وإشراك الخريجين في مجال التدريس وهم أغلبية ممن كانوا قد حصلوا على شهاداتهم الدراسية عن غير جدارة وعبر الشراء بالمال أو مساهمة روابطهم الحزبية بشكل حاسم لمنحهم تلك الشهادة. لقد تعرضت العملية التربوية في العراق على يد حزب البعث ومرتزقته لعملية تدمير وتخريب منهجي سعى فيها حزب البعث الى وضعها في أقصى حالات التردي عبر حصرها في وجهة واحدة تمثل أهدافه السياسية فكانت حصيلة كل ذلك فقر وتخلف ثقافي ومعرفي يلف أغلب الهيئات التدريسية التي تقود العملية التربوية وهذا ما أفصحت عنه الوقائع بشكل جلي بعيد سقوط حكم حزب البعث.
واليوم فأن أغلب هؤلاء الأساتذة أحوج من غيرهم لإعادة تأهيل كاملة.فمثلما هناك اليوم عملية جادة لتغيير المناهج الدراسية فمن الضروري أيضا الأخذ بعين الاعتبار مهمة مستعجلة وفي غاية الأهمية ترافق ذلك التغيير، ألا وهي إعادة تأهيل جميع التربويين من تدريسيين وإداريين من العاملين في مختلف مجالات العملية التربوية.ويتم ذلك عبر إشراكهم في دورات تربوية علمية مركزة تشرف عليها لجنة عليا ترتبط برئاسة الجمهورية ويشارك فيها خبراء من الأمم المتحدة تكون مهمتها إعادة تقييم خبراتهم في مجال الاختصاص ومن ثم إدخالهم في دورات تأهيلية في ذات الاختصاص مع إعطائهم دروس في طرق التدريس الحديثة والبحث عن المعلومة.