b4b3b2b1
العفو العام نتيجة أم احتياج؟ | الامام العسكري عليه السلام شاهد وشهيد | ظاهرة الشهادات الجامعية.. التزوير والتصدير | الصحوة الإسلامية وضرورات إدامة النهوض بواقع الأمة | الدولة الدستورية وسلطة القضاء | العملية التربوية بين خراب الأمس وتخريب اليوم | ظاهرة وأد العقول: لكي لا نكون أمة أموات | نهوض (إمبراطوريةِ الشيعة) | الفقيه الراحل... سليل العلم والاجتهاد | العراق في موسم انتخابات مقبل | مجلس النواب العراقي في الميزان | شيعة أهل البيت عليهم السلام والاهتمام البالغ بالقرآن الكريم |

ديموقراطية الادارة وأعادة تأهيل المؤسسات العراقية

 

9 ربيع الثاني 1429 - 16/04/2008

بعد انهيار النظام العراقي السابق (نظام البعث) انكشفت كثير من العورات التي حاول ذلك النظام اخفائها عن الرأي العام -المحلي والدولي- او كابر في عدم الاعتراف بها، وهي عورات تكشف حجم الدمار والخراب الذي يمكن لنظام مستبد الحاقها بالشعب الذي يتسلط عليه، ولايسعنا في هذا المقال التطرق اليها جميعا، بل سنتحدث فقط عن حال المؤسسات العراقية وماوصلت اليه هذه المؤسسات من انهيار لسلوكيات العمل.

فقد سادت الرشوة الظاهرة والخفية فيها، وانتشرت الوساطة بأشكالهاالمقززة التي جعلت المواطن وهو يتوجه الى اي مؤسسة يتندر مع نفسه ويقول من اين لي بفيتامين (و) وماهذا الفيتامين الا الوساطة وما تنطوي عليه من احباط ويأس لدى المواطن المسكين المحروم منها، والى جانب الرشوة والوساطة هناك معضلة التسيس في المؤسسات، والتي تعني التعامل مع المواطن انطلاقا من انتماءه السياسي دون اعتبار لمواطنيته وحقه في البلد الذي ولد وترعرع وكبر وخدم فيه.

بل قد يجر السؤال عن الانتماء السياسي سؤالا اكثر سوءا وهو السؤال عن الانتماء الطائفي والقبلي والعشائري وحتى المناطقي، فلا تسهل معاملة المواطن الا اذا كان من طائفة معينة او قبيلة معينة او.... ثم يضاف الى ماسبق مشكلة اخرى خطيرة وخطيرة جدا تلك هي النفس الدكتاتوري للقيادات الادارية في كافة المؤسسات العراقية من رأس الهرم وحتى القاعدة، وكأن الدكتاتور الحاكم قد انجب اولادا واحفادا و اقزاما في كل مكان يحملون مشعل الدكتاتورية ويفاخرون ويتنمرون به على مرؤسيهم، فساهم هذا وما ارتبط به في قتل الحافز والشعور بالمسؤولية لدى الموظفين والعاملين في هذه المؤسسات، فكانت هذه المؤسسات عبارة عن هياكل كارتونية عديمة الفاعلية والحيوية، وتراكم لاجساد همها قتل الوقت للرجوع الى البيوت بعد انتهاء يوم العمل، وقد ضاعت نتيجة الى ذلك الكفاءة والمهنية ومعها الوطنية.

ولكن بعد سقوط النظام الدكتاتوري هل تغير الحال في هذه المؤسسات ؟.

لاينخدع صانع القرار النزيه والمواطن الوطني والموظف الكفوء بالاعتقاد ان سقوط الدكتاتور يعني زوال الدكتاتورية، اذ ان الدكتاتورية ليست مرتبطة بالاشخاص - وا ن ساهم الاشخاص في تضخيمها - بل هي ثقافة وقيم وما تعكسه هذه من انماط سلوك، فأذا تغلغلت الدكتاتورية في اعماق ثقافة المجتمع وقيمه المحركة، فانها تستمر في الحياة حتى بعد زوال رموزها البشرية وتبقى كشيطان خفي يتحين الفرص لفرض وجوده وقيمه على البشر، لذا فأن ماتعاني منه المؤسسات العراقية الحالية هو انه حقا زال الرمز البشري للدكتاتور، لكن ابناءه واحفاده واقزامه لازالوا موجودين يتناسلون ويتوالدون كل يوم واحيانا بلا وعي منهم، وذلك من خلال ماتركته الدكتاتورية من ثقافة شيطانية متجذرة في نفوس وعقول قياداتنا الادارية، اذ ان سلوك هذه القيادات مفعم بالنفس الدكتاتوري، فلم تخترقه الديمقراطية، التي وصلت ثقافتها الى ابواب المؤسسات ولم تجرأ على طرقها لما جابهها من موانع وعقبات.

ولايتصور المسؤول والقارئ ان مراد هذا المقال الدعوة الى تغيير القيادات الادارية فهذا هدف ثانوي، اما الهدف الاساس فهو تغيير الثقافة التي تحرك هذه القيادات وماينضح عنها من سلوك محبط، وهذا الامر مطلب اساس لتأهيل المؤسسات العراقية بكافة اشكالها - الرسمية والاهلية - اذ يجب ان يدرك كل مسؤول اداري، وقبله كل مسؤول سياسي ان التشبه بالدكتاتور والتعالي على افراد المؤسسة والمواطنين من شانه ان يهوي بهذه المؤسسة الى الاسفل فتفشل في تحقيق اهدافها، حيث تكثر الخصومة والنفور بين الافراد وبين قيادتهم الادارية و يقل الحافز للعمل، ويموت الابداع، وتقل الكفاءة، وتفقد الادارة بريقها، والمؤسسة احترامها فتشيخ مبكرا وتقبر في اقرب فرصة، وهذا هو حال الكثير من المؤسسات العراقية اليوم.

اذا ماهو الحل ؟.

كما قلت انفا ان المطلوب لكي تستعيد المؤسسات العراقية عافيتها يكمن في انتشار ثقافة الديمقراطية في هذه المؤسسات على المستوى الافقي والعمودي، اذ لاجدوى من وضع الحواجز التي تخنق الابداع وتقضي على الحيوية المهنية بين الرئيس والمرؤوس، نعم قد يتطلب الحزم الاداري بعض السلوكيات لكنها ليست تلك التي يتصورها الكثير من القادة الاداريين لدينا، فهم لازالوا يتحركون في انماط سلوكية عفا عليها الزمن وتجاوزتها الحضارة الحديثة، وتكفي مراجعة دقيقة لكتب الادارة المعاصرة وانماط السلوك الديمقراطي في المؤسسات وما تنطوي عليه من قواعد سلوك تساعد على تطوير الحوافز الايجابية بين الافراد ليكتشف كل مسؤول مقدار الخطأ الجسيم الذي يرتكبه بحق مؤسسته، كما ان تحرير السلوك المهني من الدوافع السياسية والانتماءات الثانوية وجعله خدمة عامة تقدم للمواطن العراقي بصرف النظر عن هويته يعد من القواعد الاساسية التي يجب على كل مسؤول اداري ترسيخها في مؤسسته.

ان الايمان بالهدف الذي يدعو اليه هذا المقال هو الخطوة الاولى والصحيحة للقيام بالثورة الادارية العراقية القادمة للقضاء على الفساد والانحراف المالي والاداري في المؤسسات العراقية كافة، واذا لم تتخذ هذه الخطوة يكون صانع القرار والمدافع عن الاصلاح ومحاربة الفساد الاداري كمن يروم تطهير ذيل السمكة من الفساد على الرغم من ان الفساد الحقيقي هو في رأس هذه السمكة، نعم قد تكون العقبات جسيمة والحركة بطيئة لكن السير البطئ الصحيح الذي ينتهي الى النجاح خير من الهرولة الخاطئة التي مصيرها الفشل والخراب.