b4b3b2b1
المثلُ القصصي أو التأريخي في خطبِ الإمام علي (عليه السلام) | حمد العلواني.."جفّاص العشيرة" وقائدها الهمام في آخر غزوات داعش والغبراء الوفيرة | الإستماتة في واقعة الطف | نعم للإرهاب دين | الإعلام والمستقبل في فكر الإمام الشيرازي | هيئة النزاهة بين ضرورة الإصلاح والمزاج الفردي | ولاية الفقيه: حقوق الشعب وحرياته | أقوال سماحة المرجع الشيرازي بحق الفقيد الراحل | دعبل في حضرة الإمام الرضا (عليه السلام) | فاطمة المعصومة..صاحبة الكرامات والمنزلة العظيمة | الكبابي والإعلامي وجهان لشيش كباب واحد | يا أيها القمر المعانق نوره |

الميلاد وتأصيل الحقيقة الكونية للرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله

 

17 ربيع الأول 1429 - 25/03/2008

توطئة في التكوين الرسالي:

لاشك انه لا اختلاف في المظاهر التكوينية للإنسان مهما تباين شكله وتعددت ألوانه، أو تنوعت محال وجوده، إلا انه يبقى جزء من الوحدة التكوينية الأولى التي خلق منها، بل انه يصبح مثالا واقعيا لهذه الوحدة والتي هي ذاتها وحدة تكوين الوجود الكلي، حيث ان الإنسان احد مظاهر هذا الوجود. ومن هنا تصبح الولادة اية ولادة، تعني ولادة وجود في حيز من الوجود، هذا بالنسبة للولادات العامة بشكلها المطلق، لكن كيف يكون الأمر بالنسبة لولادة إنسان جعل الوجود الكلي في حوزته، وتحت طاعته، لاشك ان ولادة هذا الإنسان ستتجاوز القيم الانية للوجود، كما انها ستعيد تقييم الزمان والمكان من منطلقات علوية. وفي ضوء هذه الرؤيا الأخيرة جائت ولادة الرسول الخاتم محمد صلوات الله عليه وآله الأطهار, فلم تكن ولادته استنساخا عمليا لولادات بشرية سابقة، بل كانت تحولا تكوينيا يطرح مشروعا مستقبليا للإنسان. لقد جائت ولادة النبي الخاتم لتضع الإنسانية أمام حقبة تاريخية غير مسبوقة، لاعتبارات خاتميتها من جهة ولكونها خلاصة الكمال الوجودي من جهة أخرى. لاشك ان ولادته شكلت أصلا في فيض البارئ في وصول الإنسانية إلى غاية مراحل كمالاتها الوجودية والنفسية، لاشك ان الرسول الخاتم كان انسانا بكل معايير الإنسانية لكنه في ذات الوقت كان معيارا للكمالات التي يفترض بالانسان الارتقاء اليها، ومن هنا كان الانتخاب والاختيار من الله تعالى شأنه ان يختار محمدا صلوات الله عليه وآله ليكون خاتم انبيائه ورسله، فلم يكن الاختيار عشوائيا او عبثيا، إذ لا عبثية في الوجود " افحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لاترجعون " المؤمنون/115. وهذه اللاعبثية سنة ثابتة ترسخ قيمة الخلق وبالتالي قيمة الولادة، وهي من جانب أخر تنحو منحا ارتقائيا تتكامل فيه المكونات لتصل تقصى درجاتها التكوينية، ولهذا فان ولادة نبي تكون مصحوبة على الدوام بتفاعلات تكوينية ووجودية فوق العادة، اشبه بالتفاعلات الكيمائية في الكيمياء الفيزيائية التي تؤشر لإنتاج عناصر راقية، ومن هنا كانت تلك الظواهر والخوارق الفلكية والكونية التي تؤكد حدوث هذا الحدث الجبار.

الرسول يمثل حقيقة كمال الوجود وكمال النعم:

قال بعض الفلاسفة: " ان الله تعالى شأنه قد جعل لكل كمالا ينساق إليه بطبعه وقد هداه إلى هذا التخصيص به تسخيرا " كما جاء في قوله عز وجل: " أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " طه/50. وقد كان من لطفه تعالى ان وهب الإنسان نعما لا تحصى: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ان الإنسان لظلوم كفار" [سورة إبراهيم/34].

فقد جعل الله ضربا من التعم دائم لايبيد ولا يحول وهي النعم الأخروية، وجعل ضربا آخر يبيد ويحول وهي النعم الدنيوية، ولاشك ان الرسول الخاتم كان صلوات الله عليه وسلامه كان نعمة كبرى بل هي أفضل النعم الني وهبها الله عز وجل للإنسانية بل للتكوين والوجود الكليين، فكان وجوده الشريف نعمة لا متناهية تؤتي آثارها في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهي بالتالي من النعم الباقية والتي لا تبيد، لقد شهد الوجود الكلي على حقيقة هذه النعمة منذ الولادة المباركة، بل انها كحقيقة ثابتة كانت منذ الخلق الأول. يبدو انه ثمة تلازم بين التكامل الوجودي وتكامل النعم، فكلما كان الوجود وجودا راقيا كلما كانت النعمة تحتل منزلة أعلى في سلم النعم. لقد جاءت ولادة النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله لتربط الماضي بالحاضر ولتؤسس لمستقبل الإنسانية، فقد سارت عملية التكامل الوجودي عبر حركة التاريخ لترتقي في ذروات مثلت الرسالات والنبوات المباركة أعلى مراتبها، فولادة كل نبي ورسول ووصي كانت تمثل ذروة عالية، لكن ولادة النبي الخاتم مثلت منتهى ذروات الإنسانية في تطلعها نحو الكمال المطلق.

ولادة كمال العناصر الأرضية:

قد لا يكون التفاضل بين البشر نتاجا للتمايز العقلي فقط، بل هو نتاج للطبيعة التكوينية التي جبل منها الإنسان، فالجبلة الأولى لها تأثير كبير في تحديد النفسيات والسلوكيات، ومن هنا قال الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله " إنني وعلي خلقنا من طينة واحدة " فلا شك ان العناصر الكيميائية التي تكون المادة الجسمية للإنسان تكاد تكون نفسها لكل بني آدم، لكن هناك على الدوام تخصيص وتفضيل يحدد التباين، فالعناصر الطبيعية التي جبلت منها طينة الرسول الخاتم وأمير المؤمنين علي صلوات الله عليهما وآلهما بالتأكيد تختلف عن بقية العناصر في طهارتها ودرجة نقاوتها، ففي هذه الطينة المباركة لا توجد شوائب كيميائية او فيزيائية، بل انها الكمال العنصري الذي تتميز به طينة الأنبياء والرسل والأوصياء، فاختيار الله عز وجل لهذه الشخصيات لتكون شخصيات قيادية ليس اختيارا عشوائيا، بل اختيارا انتقائيا، فالعنصر الرسالي هو عنصر تتوحد فيها لكمالات المادية والنفسية و لكن هذا التوحد لا يخرج الرسول أو النبي والوصي من إنسانيته وبشريته، فهو يبقى إنسانا وبشرا يحس ويتألم، يجوع ويعطش، بتعب ويستشعر النشاط، لكنه يروض نفسه للحفاظ على هذه الكمالات والارتقاء بها نحو التسامي والتعالي ( نحو ما هو الهي)، من هنا تصبح ولادة الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله ولادة كمال العناصر الارضية في عالم حقيقة الوجود ( باعتبار وجود اطلق عليه اسم عالم حقيقة الخفاء او الغيب) / من دراسة لعلم الحقائق للبياتي.

وفي هذا الباب وفي تصنيف من يدخلون الجنة يقول صدر المتالهين الشيرازي (قدس سره) : " منهم المقربون الكاملون في المعرفة والتجرد " فهذا التكامل النفسي هو نتاج لرياضة النفس ودفعها نحو الطاعة والتجرد عن الماديات وبالتالي سيعني الخلو لله عز وجل والذوبان في طاعته، والنظر إلى الدنيا والأخر بعين البصيرة استجلاء لما هو آتي وتنزيها للنفس عن ما هو حاضر في الحياة الدنيا من شهوات ورغبات.

لقد استطاع الرسول الخاتم هو آل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ان يحقق المعادلة المستحيلة نسبيا بين المادي والإلهي، بين الأرضي والكوني، فكانت ولادته تعني ارتقاء بالوجود المادي وتجليا للحقيقة الأخروية على سطح الأرض، فعلى الرغم من أرضية العناصر التي ولد منها الا انه تجلت فيه الأنوار الإلهية التي جعلها الله له منذ التكوين الأول فتركبت فيه عناصر النور وعناصر الأرض، فسما حتى على أملاك السماء، بخلقة ورأفته فكان حقا رحمة للعالمين كما ارادها الخالق تعالى شأنه، فهذا الازدواج بين الأرض والكوني لا تعني تناسخا لما هو كوني على الأرض، ولكنه يعني الارتقاء بالأرضي إلى ما هو كوني عبر الطاعة ورياضة النفوس والخضوع الكلي لا رادته تعالى شأنه وجلت قدرته، فالناس متوجهون نحو المبدأ الأعلى حسب ما اودعه الخالق في غرائزهم، فما من إنسان إلا وفيه الحركة المعنوية نحو التكامل الدنيوي في مسيرته الدائبة نحو الآخرة، غير ان الحركة المعنوية تتفاوت بين إنسان وآخر، هذا في حدود الإنسان غير المكلف برسالة سماوية فما بالك بالأنبياء والرسل عليهم ألاف التحايا المكلفون بحمل رسالة الله وتبليغها للبشر. وحتى في هؤلاء المكرمون مراتب تفضيل: "ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض" [سورة الإسراء/55].

وهو تفضيل يتناسب طرديا ودرجة التكليف، ليتكامل التكليف بالرسالة الخاتم وصاحبها محمد صلوات الله عليه وآله.

من هنا نجد ان هذه الولادة المباركة قد حققت للإنسانية أقصى غاياتها في التكامل على كافة المستويات الماديوة والنفسية والعقلية وقبلها كلها على المستوى الإلهي باعتبارها تكريسا لحياة الإنسان باتجاه الآخرة في عملية تفاعل ايجابي، بل انه في المفهوم التاريخي والحضاري تمثل أعلى مفاهيم الحضارة الإنسانية الساعية إلى بلوغ قيم عليا يحققها النهج الرسالي.

هذا هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي المكي المدني الهاشمي صلوات الله عليه وآله. هذا محمد ليس في سلسلته من آدم عليه السلام إلى يوم مولده ألا نبي او رسول او وصي، هذا محمد نبي خاتم الأنبياء ورسول خاتم الرسل ابا الزهراء البتول سيدة نساء العالمين، هذا محمد سيد المخلوقات وسيد بني أدم فالسلام عليك يا سيدي يا رسول الله يوم ولدت والسلام عليك يوم أرسلت شاهدا ومبشرا ونذيرا، السلام عليك يوم بلغت رسالة ربك فجاهدت في الله حق الجهاد، وصبرت في جنب الله وعبدت الله عبادة هي حق اليقين، والسلام عليك يوم استشهدت والسلام عليك يوم تبعث حيا. وعليك يوم تبعث حيا.