b4b3b2b1
الأفكار والإتجاهات التعصبية ... مساوئ وعيوب | رؤية في حيثيات المقال الصحفي | أخلاقيات الإمام علي في السلم والحرب | الحكومة العراقية ومنتقدوها والحقائق المصيرية | دعاة الوطنية واللحمة النية | الإمام الحسن المجتبى وجدل القيادة | قبسات مضيئة من زيارة الأربعين | الإمام علي بن الحسين السجاد رجل السياسة والموقف | قراءات في ملحمة الطف | الأمة الإسلامية في عصر إمامة الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام) | مواقف خالدة للبتول الطاهرة | كربلاء وفلسفة الشهادة |

الصحيفة السجادية.. سلاح الدعاء والمواجهة السياسية

 

27 ذي الحجة 1428 - 07/01/2008

في ظل سلطة الحكم الأموي الجائزة، كان الظلم والاضطهاد وكذلك الانحراف والفساد بكل مظاهره وأشكاله قد تفشى بشكل فاضح وذريع، لينال من طبقات الأمة المسلمة بواسع الضرر، وقد بدأ معه التذمر والانهيار يدب في أوصال المجتمع بأسره، وأيضا فإنه مع عصر الإمام علي السجاد بن الإمام الحسين (عليهما السلام)، كان الحكام الأمويين قد وضعوا حداً خطراً من الاستبداد والقهر والتعسف ضد شيعة أهل البيت المحمدي العلوي الشريف، وذلك إثر الهجوم الشرس والواسع النطاق الذي نال من مقدسات الإسلام على يد الطواغيت من آل بني أمية وقتذاك، فقد بدأ أولئك يشيعون ويروجون الأفكار الهدامة، ويشجعون ألوان المجون والتحلل الأخلاقي، ويخترعون كل وسيلة لتدمير وتفكيك البنى الاجتماعية والأسرية، ويدلنا على ذلك ويشهد عليه نا نقله أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني) وما أورده المسعودي في كتابه (مروج الذهب)، وكذلك عمليات الإفساد الرسمي، والحفلات الماجنة وانتهاك الحرمات نهاراً جهاراً، مما ينبئ بعملية إفساد منظم تقف وراءها مؤسسات الدولة، وإن من يطلع على مثل تلك الصور والأرقام يدرك ما كان يجري من فساد وإفساد،وعلى مختلف الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والأخلاقية وإزاء ذلك ماذا يمكن أن يفعل الإمام السجاد (عليه السلام)، في وضع كانت ترصد فيه أية حركة أو تحرك؟

وكيف يستطيع عليه السلام أن يقوم بدوره بصفته إمام الأمة والمسؤول الأول عن حماية الشريعة، وأمن المجتمع المسلم؟ وقد فرضت عليه العزلة التامة، وأحيط (عليه السلام) بأجواء تحصى فيه الأنفاس ويضطهد فيها الناس، ويوخذون بالظنة والتهمة كما شدد الرقباء وراحت عيونهم تبحث عن كل من يتصل بالإمام عليه السلام من قريب أو بعيد، فالوعي العميق بمثل هذه الظروف من جهة، وأهمية القيام بدور شجاع فاعل ولأبدية النهوض بمبادرة خلاقة، فضلا عن المسؤولية الرسالية، كل ذلك دفع الإمام السجاد (عليه السلام) إلى التحرك الجاد والمناسب، فشهر سلاح الدعاء في وجه الخصوم والأعداء، ليكون بادئ ذي بدء، والفصل المضاد، والتحصين الضروري، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ثم ينطلق منه وبه لشن الهجوم للضاد، لقد كان هذا الاختيار مؤقتاً جداً.

إن الإمام السجاد (عليه السلام) ينطق في ذلك من وعي تام بأن التوعية الفكرية تبقى باردة ولا تؤدي إلى تفعيل الحياة الثقافية والسياسية للأمة، وتحصين المسلمين ضد عوامل الهدم الفكري والإفساد السياسي والأخلاقي، وما لم تمتزج بالندواة الروحية وتنفعل الحرارة العاطفية، من هنا رأي (عليه السلام) أن يتلقى المسلم التوعية الفكرية من خلال المناجاة، حيث يكون وجدان المسلم عادة في سخونة كافية، فتكون قادرة حينئذٍ على أن تأخذ مادها الكامل، وتترسخ في أعماق النفس، وتستقر في صفحة الذهن، ويتحقق عملية الانفعال تلك تتم عملية التحصين.

الأدعية السجادية لها عشرات الشواهد التي تدلنا على كونها صارت سبيلاً شافياً ووسيلة معشوقة، ومتبناة من قبل قطاعات واسعة في الأمة، ونظرة عجلى على أسانيد الصحيفة السجادية ورواتها وحفظتها، وتناقلها بأمانة ودقة، وبما لم يتوفر مثله للكثير من المأثورات تشير لنا تلك الحقيقة بوضوح وتؤكد مدى النجاح والظفر، ويظهر لنا وجه آخر في هذه القضية المهمة، وهو أن الإمام السجاد (عليه السلام) بحكم مسؤوليته الرسالية، ولكونه المسؤول الأول في تلك الفترة عن الحفاظ على أصالة الفكر الإسلامي ونقائه، ثم إيصاله إلى الأجيال اللاحقة، سليماً معافى من التشويش والحريف، وبعيداً عن أباطيل الخصوم وتشويهها تهم، سواء منهم من كان يكيد للإسلام كالمنافقين، بدءاً من محمد الباقر ومروراً لعفر الصادق والكاظم والرضا والجواد والعسكريين ثم الحجة المهدي (عليهم السلام) حرصوا بدورهم على نقل بها وذلك لتبقى دائماً غذاءً روحياً وسلاحاً معنوياً في كل عصر ومكان، إذ إن الرجوع لتلك الصحيفة يعد رجوعا إى الينابيع الأصيلة والنقية للرسالة الإلهية والشريعة المحمدية، عن الخلق والذلة لهم فيقول الإمام السجاد (عليه السلام):

(اللهم إني أعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلن انصرهن ومن معروف أسدى إليّ فلم أشكره، ومن مسيء اعتذر إليّ فلم أعذره، ومن ذي فاقة سلني فلم أوثره، ومن حق ذي حق لزمني لمؤمن أوفره، ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره، ومن كل إثم عرض لي فلم أهجره).