b4b3b2b1
أبو بصير المرادي (رضوان الله عليه) | الشيخ مرتضى كاشف الغطاء (قدس سره) | الشيخ المفيد قدس سره | السيّدة نرجس (عليها السلام) والدة الإمام المهدي المنتظر | جُندَب بن جُنادة-أبو ذر الغفاري (رضوان الله عليه) | عمار بن ياسر (رضوان الله عليه) | السيد محمد بن الإمام علي الهادي عليهما السلام | يعقوب بن إسحاق المعروف بأبن السكيت | ثورة التوابين.. صفحات خالدة في تاريخ الإسلام | كاشف الغطاء | أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا | أبي صلاح الحلبي |

السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي

4751

 

13 رمضان المبارك 1437 - 19/06/2016

لست ببالغ من تعريفك أيها القارئ الكريم بالسيد المؤلف مبلغ تعريف هذا الكتاب (كتاب المراجعات) به، وحسبك منه وانت تقرؤه في هذا الكتاب أن تعرف به بطلا من ابطال العلم، وفارسا من فرسان البيان، تأتيه حين تأتيه مالكا لامرك، مسيطرا على نفسك، فاذا استقر بك المقام عنده، لم تتمالك دون أن تضع قيادك بين يديه، فاذا هو يتملك زمام أمرك، ويدخل إلى قرارة نفسك، فيسيطر عليك بطبيعة قوته وأدبه وعلمه.

وأنت لا تخشى مغبة العاقبة من هذه السيطرة فإنها سيطرة مضمونة الخير، مأمونة الشر، بعيدة عن الكيد والمكروه، بعد الصحة عن الفساد، وكن واثقا أكبر الثقة ـ حين يأخذك بيانه وبرهانه ـ أنه إنما يرد بك مناهل مترعة الضفاف، بنمير ذي سلسبيل، كلما كرعت من فراته جرعة، تحلبت شفتاك لجرعات تحسب أن ليس لظمئك راويا غيرها.

هذا بعض ما يعرفك به الكتاب عن مؤلفه، أفتراني أبلغ من تعريفك به أبعد مما يعرفك هو بنفسه؟ كلا فإن للسيد عبدالحسين في الحياة مناحي وميادين لا أراني موفيا عليها، وانا في هذا السبيل الضيق القصير، ويوشك أن يكون الامر يسيرا لو أن المترجم له غير هذا الرجل، ويهون الامر لو كان من هؤلاء الرجال المحدودة حياتهم وأعمالهم، أما رجل كهذا الرجل الرحب العريض، فمن الصعب جدا أن يتحمل كاتب عب‌ء الحديث عنه، والتوفر عليه، لانه يشعر حين يقف اليه أنه يقف إلى جبل ينبض بألوان من الحياة، متدفقة من كل نواحيه وجوانبه، فلا يكاد يرد كل لون إلى مصدره إلا ببحث عليه مسؤوليات من المنطق والعلم، قد ينوء بها عاتق المؤرخ الامين.

ويكفيك من تعريفه ـ على سبيل الاجمال ـ ما يعرفك به الكتاب من فنه وعلمه، وكنا نود لو يتاح لنا ان نقف وقفة خاصة لهذه الناحية الفنية المتعبة، ولا سيما ونحن منه في سبيل العلم والفن اللذين اجتمعا للمؤلف فصاغا هذا الكتاب متساندين صياغة قدرة وابتداع، قل أن نجد لها ندا في مقدور زملائه من الاعلام ( أمد الله في حياة أحيائهم ).

ولكن إحكام الكتاب على هذا النحو من قوة العارضة في الادب، وبعد النظر في البحث، وسلامة الذوق في الفن وحسن التيسير في ايضاح المشاكل، وتحليل المسائل، أطلق له لسانا من البيان الساحر اغنانا عن الاخذ بالاعناق إلى مواضع جماله، فكل بحث فيه لسان مبين عن سره، يناديك حين تغفل عنه، ويدعوك بصوته حين تمر به سهوان، ولا تقدر لنفسك أن تتملاه أو تعجب به.

وكتاب فيه هذه الحياة لا ينفك عن صاحبه بحال، ولا تحسب ان للكتب حياة خاصة مستقلة، فليست حياة الكتب غير حياة المؤلفين والكتاب نفسها، فاذا سمعت نبأة، وأدركت حسا في كتاب، فانما تسمع جرس الكاتب، وتحس حسه عينه.

وبعد فسأتركك عند هذا القدر من المعرفة بهذا الامام، ولك أن تكتفي به، ولك أن لا تكتفي منه، فبحسبي ان أشعرك بطرف مما عرفت منه، وانا انغمس في هذه ـ المراجعات ـ. وبحسبك مني أن ترى منزلته من نفسي: كعالم يضم إلى علمه فنا من الادب منقطع النظير، ولك أن تثق بي حين تعتبرني دليلا، امينا سليم الاختيار بترجمة هذه الذخيرة، وضمها إلى مؤثلات لغتنا الحية.

مولده ونشأته:

على اني لا أرى لك ان تقتصر من معرفته على هذا المقدار، كما لا أرى لك ان تجتزئ بطائر اسمه، وسعة شهرته في العالم الاسلامي، وانما أرى ان تتجاوز ذلك إلى الاحاطة بشيء من حياته ؛ وبشيء من ظروفه التي قدرت له هذه الحياة.

ولد السيد عبدالحسين شرف الدين ـ أورف الله ظله ـ في الكاظمية سنة 1290 هـ. من أبوين كريمين تربط بينهما أواصر القربى، ويوحد نسبهما كرم العرق، فابوه الشريف يوسف بن الشريف جواد بن الشريف اسماعيل، وامه البرة ( الزهراء ) بنت السيد هادي بن السيد محمد علي، منتهيين بنسب قصير إلى شرف الدين أحد أعلام هذه الاسرة الكريمة.

ثم درج في بيت مهدت له اسباب الزعامة العلمية ؛ ورفعت دعائمه على أعلام لهم في دنيا الاسلام، ذكر محمود، وفضل مشهود، وخدمات مشكورة، فكانت طبيعة الارث الاثيل، تحفزه للنهوض من جهة اخرى، وتربيته الصالحة ـ كانت قبل ذلك ـ تصوغه على خير مثال يصاغ عليه الناشئ الموهوب، فهو أنى التفت من نواحي منشئه الكريم، استقى النشاط والتوفر على ما بين يديه من حياة: مؤملة لخيره ولخير من وراء‌ه من الناس.

ثم شبل في هذا البيت الرفيع؛ يرتع في رياض العلم والاخلاق، ويتوقل في معارج الكرامة، فلما بلغ مبلغ الشباب الغض اصطلحت عليه عوامل الخير، وجعلت منه صورة للفضيلة، ثم كان لهذه الصورة التي انتزعها من بيته وبيئته وتربيته أثر واضح في نشأته العلمية، ثم في مكانته الدينية بعدئذ. فلم يكد يخطو الخطوة الاولى في حياته العلمية حتى دلت عليه كفايته، فعكف عليه طلابه وتلامذته، وكان له في منتديات العلم في سامراء والنجف الاشرف صوت يدوي، وشخص يومأ اليه بالبنان.

ومنذ ذلك اليوم بدأ يلتمح نجمه في الاوساط العلمية، ويتسع اشراقه كلما توسع هو في دراسته، وتقدم في مراحله حتى ارتاضت له الحياة العلمية، على يد الفحول من اقطاب العلم في النجف الاشرف وسامراء، كالطباطبائي، والخراساني، وفتح الله الاصفهاني، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ حسن الكربلائي، وغيرهم من اعلام الدين وأئمة العلم.

ولما استوفى حظه العلمي من الثقافة الاسلامية العالية، كان هو قد صاغ لنفسه ذوقا عاليا، ساعدته على انشائه ملكاته القوية، وسليقته المطبوعة على حسن الاداء، وتخير الالفاظ، وقوة البيان، وذرابة اللسان، وسعة الذهن، فكان بتوفيقه بين العلم والفن ممتازا في المدرسة، مضافا إلى ما كان له من الميزة الفطرية في ناحيتي الفكر والعقل.

على انه لم يكتف من مدرسته بتلقي الدروس واكتناز المعارف فقط، بل استفاد من ملابسات الحياة العامة التي كانت تزدحم على ابواب المراجع من اساتذته، وانتفع من الاحداث المؤتلفة، والحوادث المختلفة التي كانت تولدها ظروف تلك الحياة، فكان يضع لما اختلف منها، ولما ائتلف حسابا، ويستخرج منه نفعا ويقدر له قيمة، وينظر اليه نظرة اعتبار، ليجمع بين العلم والعمل، وبين النظريات والتطبيق.

اذن فقد كانت مدرسته ـ بالقياس اليه ـ مدرستين: يعاني في إحداهما المسائل العلمية، ويعاني في الثانية المسائل الاجتماعية، ثم تتزاوج في نفسه آثار هذه وآثار تلك مصطلحة على انتاج بطولته.

في عاملة:

وحين استعلن نضجه، ولمع فضله في دورات البحث ومجالس المذاكرة والتحصيل ؛ عاد في الثانية والثلاثين من عمره ـ إلى جبل عامل ـ جنوب لبنان، موقورا مشهورا مملوء الحقائب، ريان النفس، وريق العود، ندي اللسان، مشبوب الفكر، وكان يوم وصوله يوما مشهودا، قذفت فيه عاملة بابنائها لتستهل مقدمه مشرقا في ذراها واجوائها، واستقبلته مواكب العلماء والزعماء والعامة، إلى حدود الجبل من طريق الشام في مباهج كمباهج العيد.

ولم تكن عاملة ـ وهي منبت اسرته ـ مغالية أو مبالغة بمظاهر الحفاوة به، أو بتعليق أكبر الآمال عليه، فانها علمت ـ ولما يمض عليه فيها غير زمن يسير ـ أنه زعيمها الذي ترجوه لدينها ودنياها معا، فتنيط به الامل عن « عين » بعد ان اناطته به عن « اذن »، وتتعلق به عن خبرة، بعدما تعلقت به عن سماع، وتعرف به الرجل الذي يضيف عيانه إلى اخباره، أمورا لم تدخل في الظن عند الخبر.

اصلاحه:

وابتدأت في عاملة حياة جديدة، شأنها الشدة في الدين، واللين في الاخلاق، والقوة في الحق، والهوادة مع الضعفاء، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتطامن لاهل الدين، والتواضع للعلماء، وكانت يومئذ اقطاعيات منكرة، لا تملك العامة معها من امر نفسها شيئا، ولا تفهم من الحياة في ظلها غير معناها المرادف للرق والعبودية، أو لا يفسح لها ان تفهم غير ذلك من حياتها الهينة المسخرة للاقوياء من جبابرة الناس وطواغيتهم، فلما استقر به المقام في عاملة، لم يستطع اقرار هذا النظام الجائح المستبد بحقوق الجماعة، ولم يجد من نفسه، ولا من ايمانه، ولا من بره، مساغا للصبر على الاقطاعية هذه، وإن ظاهرها الاقوياء، والمتزعمون، والمستعمرون، وكل من يتحلب ضرعها المادي الحلوب، لذلك ثار بها وبهم، وأنكر عليها وعليهم، واستغلظ الشر بينه وبينهم، فجمعوا له وأجلبوا عليه، وسعوا فيه، وكان كل سعيهم بورا.

اثر بلاغته:

وكان لمنابره البليغة، ولاساليب ارشاداته البارعة، اكبر الاثر في تحقيق اصلاحه المنشود، ولا غرو فان للسيد المؤلف مقاما خطابيا يغبطه عليه خطباء العرب، ويعتز به الدين والعلم والادب.

وخطابته ككتابته تستمد معانيها وقوتها وغزارتها من ثقافته كلها، وترتضع في الموضوع الخاص اثداء شتى من معلوماته الواسعة، فاذا قرأته أو سمعته رأيت مصادر ثقافته كلها منهلة متفتحة الافواه كشرايين الثدي وعروقه، ترفده من كل موضع وعاه في حياته ما ينسجم وموضوعه الذي هو بسبيله، وعلى ذوقه الممتاز ان يضع اطراف ما يتدفق اليه في هيكل الموضوع الذي بين يديه، ويركزه في مكانه، حتى اذا انتهى انهى اذن بحثا نافعا كله غذاء ومتاع.

واعظم به ـ إلى جانب هذه البلاغة ـ متخيرا لآلئ معانيه، وازياء افكاره يقدرها تقديرا، ويرصفها رصفا، ويبعث فيها حياة تنبضها بما يريد لها من دلالة في مفهوم أو من منطوق باوصافه، واضافاته، وبكل تآليفه المنسوقة المنسجمة.

ثم اعظم به محدثا اذا تشاجن الحديث وتشقق وانساب على سفينة، يمخر العباب، فهناك النكتة البارعة، والطرفة اللامعة، والنادرة الحلوة، والخبر النافع.

من هذا وذاك علقت به النفوس ؛ واجتمع عليه الرأي، فقاد للخير وابتغى المصلحة. وتكاملت له زعامة عامة، يحل منها في شغاف الافئدة والقلوب، ولم تكن هذه الزعامة مرتجلة مفاجئة، بل كانت عروقها واشجة الاصول، عميقة الجذور، تتصل بالاعلام من آبائه، والغر من اعمامه واخواله، ثم صرفت هذا الميراث الضخم يده البانية، فأعلت اركانه ومدت شطآنه وخلجانه.

بيته:

فبيته في ذرى عاملة، مطنب مضروب، للقرى والضيفان، تزدحم فيه الوفود، وتهدى اليه الحشود اثر الحشود، ويصدر عنه الكروب بالرفد المحمود، وهو قائم في تيار الموجتين المتعاكستين بالورد والصدر، هشاشا طلق المحيا لا يشغله تشييع الصادر، عن استقبال الوارد، ولا يلهيه حق القائم عن حقوق القاعد، ولكنه يجمع الحقوق جميعا ويوفق بينها، فيوزعها عادلة متناسبة.

ولاريحيته الكريمة جوانب انفع من هذا الجانب، وابعد اثر، فهو مفزع يأوي اليه المحتاجون والمكروبون، وملجأ يلوذون به في الملمات يستدفعون به المكاره، حين تضيق بها صدور الناس، وتشتد بهم آلامها، فاذا طفت بيته، رأيت ألوان الغايات، تدفع بألوان من المحتاجين اليه، المعولين عليه في مختلف احوالهم، وأوضاعهم الخاصة والعامة، مما يتصل بدينهم أو دنياهم، وتراه قائما بين هؤلاء وهؤلاء، يجودهم بنفحاته العلوية، ويغدق عليهم من اريحيته الهاشمية ؛ ويبذل لهم من روحه وراحته ما يملأ به نفوسهم مرحا وسرورا، ثم لا يسألهم على ذلك جزاء ولا شكورا.

وها هو لا يزال، مد الله في حياته، يملي على تاريخه من احداثه الجسام، ومآتيه الغر في خدمة الله والمؤمنين والوطنية الصحيحة، ما تضيق عنه هذه العجالة.

خدماته:

أما خدماته المناضلة ضد الاستعمار الاجنبي فحدث عنها ولا حرج ولا يتسع مجالنا هذا لتفصيل القول في ذلك النضال، ولكن بوسعي ان اقول لك بكلمة مجملة: إن خدماته العظيمة في العهد التركي، ثم في العهد الفرنسي، ثم في ايام الاستقلال، كانت امتدادا لحركات التحرير، وارتقاء بها نحو كل ما يحقق العدل ويوطد الامن، وينعش الكافة على أن السلطات في العهود كلها لم تأل جهدا في مقاومته، ومناوأة مشاريعه بما تقاوم به السلطات الجائرة من الدس والاضطهاد وقتل المصالح، ولعل المحن التي كابدها هذا الامام الجليل في سبيل إسعاد قومه، لم يكابد نارها إلا أفذاذ من زعماء العرب وقادتهم، ممن ابلوا بلاء‌ه وعانوا عناء‌ه.

وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعا، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله. واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة، وهو بين اهله وعياله، دون ان يكون لديه احد من اعوانه ورجاله، ولكن الله سبحانه وتعالى اراد له غير ما ارادوا، فكف ايديهم عنه، ثم تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون باذيال الفشل والهوان، وما يكاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في عاملة، حتى خفت جماهيرهم إلى صور، تزحف اليها من كل صوب وحدب، لتأتمر مع سيدها فيما يجب اتخاذه من التدابير ازاء هذا الحدث، غير ان السيد صرفهم بعد ان شكرهم، واجزل شكرهم، وارتأى لهم ان يمروا بالحادث كراما.

ثم تلا هذا الحادث احداث واحداث اتسع فيها الخرق، وانفجرت فيها شقة الخلاف، حتى ادت إلى تشريد السيد باهله ومن اليه من زعماء عاملة إلى دمشق، وقد وصل اليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه وبين الوصول إلى دمشق، وحين يئست من القبض عليه، عادت فسلطت النار على داره في ( شحور ) فتركتها هشيما تذوره الرياح، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في ( صور ) بعد ان أباحتها للايدي الاثيمة، تعيث بها سلبا ونهبا، حتى لم تترك فيها غاليا ولا رخيصا، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكل ما فيها من نفائس الكتب واعلاقها، ومنها تسعة عشر مؤلفا من مؤلفاته، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ.

في دمشق:

وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم وتحيط به المكرمات، في ابهة من نفسه، ومن جهاده، ومن ايمانه، وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية، واجتماعات سياسية، وحفلات وطنية، تتبعها اتصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب، كان السيد في جميعها زعيما من زعماء الفكر، وقائدا من قادة الرأي، ومعقدا من معاقد الامل في النجاح.

وله في هذه الميادين مواقف مذكورة، وخطابات محفوظة، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر والاعجاب.

ولم يكن بد من اصطدام العرب بجيش الاحتلال، فقد كانت الاسباب كلها مهيأة لهذا الاصطدام ؛ حتى اذا التقى الجمعان في «ميسلون» واشتبكا في حرب لم يطل امدها، ودارت الدائرة على العرب لاسباب نعرض عنها.

غادر السيد دمشق إلى فلسطين ومنها إلى مصر بنفر من اهله، بعد أن وزع اسرته في فلسطين بين الشام ؛ وبين انحاء من جبل عامل، في مأساة تضيف أدلة إلى الادلة على لؤم، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا إلى «عاملة» ليالي وأياما لا يجدون بلغة من العيش يحشون بها معد صغارهم الفارغة، على أنهم يبذلون من المال اضعاف القيمة، ويبسطون أكفهم بسخاء نادر، وأخيرا لم يجدوا حلا بغير توزيع قافلتهم في الاطراف المتباعدة، بين من بقي من اوليائهم واصدقائهم على شيء من الوفاء أو الشجاعة.

في مصر:

حين وصل مصر احتفلت به، وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية وعقال، في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم ؛ وكانت له مواقف في مصر وجهت اليه نظر الخاصة من شيوخ العلم، واقطاب الادب، ورجال السياسة، على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة.

ولم يكن هذا اول عهده بمصر فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين، حين زارها في اواخر سنة تسع وعشرين، ودخلت عليه فيها سنة ثلاثين وثلاثمائة والف هجرية، في رحلة علمية جمعته باهل البحث، وجمعت به قادة الرأي من علماء مصر، وعقدت فيها بينه وبين شيخ الازهر يومئذ ـ الشيخ سليم البشري ـ اجتماعات متوالية تجاذبا فيها اطراف الحديث وتداولا جوانب النظر في امهات المسائل الكلامية والاصولية، ثم كان من نتاج تلك الاجتماعات الكريمة هذه (المراجعات ) التي نحن بصددها.

في فلسطين:

وحدثت ظروف دعته إلى أن يكون قريبا من عاملة، فغادر مصر في اواخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة والف هجرية إلى قرية من فلسطين تسمى ( علما ) تقع على حدود جبل عامل، وفي هذه القرية هوى اليه اهله وعشيرته، ولحق به اولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني، فكانوا حوله في القرى المجاورة. وكان في ( علما ) كما يكون في جبل عامل من غير فرق كأنه غير مبعد عن داره وبلده، يتوافد اليه الناس من قريب ومن بعيد، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس، فيهم الضيوف، وفيهم طلاب الحاجات، وفيهم رواد القضاء، والفقه، وفيهم من تستدعه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيد من وجه الرأي.

وانسلخت شهور في ( علما ) تصرفت فيها الامور تصرفا يرضي السيد بعض الرضا، وأبيح للسيد ان يعود إلى عاملة بعد مفاوضات ادت إلى العفو عن المجاهدين عفوا عاما، والى وعد من السلطة بانصاف جبل عامل، وانهاضه، واعطائه حقوقه كاملة.

العودة:

وحين اطمأنت نفسه بما وعدته به السلطة، عاد إلى جبل عامل، ولم تسمح نفسه بأن يعود والمجاهدون مبعدون، لذلك جعل بيروت طريق عودته ـ وطريقه بعيدة عنها ـ ليستنجز العفو العام عن المجاهدين، وكذلك كان، فانه لم يخرج من بيروت حتى كان المجاهدون في حل من الرجوع إلى وطنهم واهليهم.

ولعل جبل عامل لم يشهد يوما ابهج ولا احشد من يوم عودته، ولعله لن يشهد يوما كهذا اليوم، يحشر فيه الجبل من جبله وساحله، في بحر من الناس يموج بعضه فوق بعض، وتطفوا فوقه الاعلام رفافة بالبشر، منحنية بالتحية، والهتاف، مجلجلة كجلجة الرعد في اذن الجوزاء.

ويبدأ من ذلك اليوم موسم للشعر، تفتقت فيه القرائح العاملية عن ذخائر ممتعة من الادب العالي، وتفتحت سلائقهم عن اصدق العواطف، واسمى المشاعر تنبض بها قوافيهم تهز المحافل في إبداع وتجويد، صباح، مساء، ولقد امتد هذا الموسم الادبي زمنا طويلا اجتمع في ايامه ولياليه ضخم القيمة، ضخم الحجم، يمكن اعتباره مصدرا لتاريخ الفكر والسياسة في جبل عامل خلال هذه الفترة.

منزلته في العالم الاسلامي:

ترتسم على كل افق من آفاق هذا العالم الاسلامي، اسماء معدودة لرجال معدودين، امتازوا بمواهب وعبقريات، رفعتهم إلى الاوج الاعلى من آفاقهم، فاذا اسماؤهم كالنجوم اللامعة تتلألأ في كبد السماء.

أما الذين ترتسم اسماؤهم في كل افق من تلك الآفاق، فقليل، وقليل هم، وليسوا إلا اولئك الذين علت بهم الطبيعة، فكان لهم من نبوغهم النادر ما يجعلهم افذاذاً في دنيا الإسلام كلها، ومن هؤلاء الافذاذ سيدنا المؤلف « اطال الله عمره » فقد شاء‌ت الإرادة العليا أن تبارك علمه وقلمه، فتخرج منهما للناس نتاجا من افضل النتاج، وقد لا أكون مبالغا حين استبيح لقلمي ان يسجل: أن السيد المؤلف يتقدم بما انتج إلى الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال اعمارهم لخدمة الدين والمذهب. وبهذا استحق ان يتصدر مجلس الخاصة في العالم الاسلامي اليوم.

حياته العلمية:

وقد يلوح مما قدمنا أن المشاكل الاجتماعية المتراكمة من حوله، تصرفه عن النظر في حياته العلمية، وتزحزحه عن عمله الفني. والواقع ان رجلا يمنى بما مني به « سيدنا » ينصرف عادة عما خلق له من علم وتأليف، فإن ما يحيط به من المشكلات يضيق بالنظر في امر المكتبة، والكتابة، لولا بركة وقته، وسعة نفسه، وقدرة ذهنه.

فهو ـ على حين انه يوفي حق تلك المشكلات الشاغلة ـ يوفي حق علمه فيبلغ من المكتبة نصيب الذي تحتاجه حياته العلمية، وهو منذ ترك النجف الاشرف على اتصال مستمر بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة. يخلو كل يوم في فتراته إلى مكتبته يستريح إلى ما فيها من موضوعات، وينسى من وراء‌ها من حياة مرهقة لاغبة.

مؤلفاته

وليس أدل على هذا من انتاجه، هذا الانتاج الغزير الثري النبيل. وإن مؤلفاته لتشهد بأنه من الحياة العلمية ؛ كمن ينصرف اليها، ولا يشغل بغيرها، وأدل ما يدل منها على ذلك، كيفية مؤلفاته لا كميتها ؛ فهي وإن كانت كثيرة حتى بالقياس إلى رجل يتفرغ اليها، فإنها من الاصالة، والعمق، والاستيعاب، حيث لا تدل على ان مؤلفها رجل يمتحنه الناس بتلك المشاغل، ويبتلونه بما عندهم من مشاكل، فهي بما فيها من قوة، ومتانة، وغور، ونحت وتفكير، أدل على اتصاله الدائم بحياته العلمية من جهة، وادل على فضله وخصوبة سليقته، من جهة اخرى.

بهذا الميزان يرجح علم الرجل وفضله، ثم يرجح به امتياز ما كتب، وهو امتياز قليل النظير، فإن المؤلفين المكثرين، كثيرا ما تظهر عليهم السطحية، ويميز كتبهم الحشو، أما المؤلف فليس فيما قرأنا من مؤلفاته مبتذل سطحي، ولا رخيص سوقي، بل كل ما كتب انيق رقيق، رفيع عميق، يجمع بين سمو الفكر وترف اللفظ، وهو ما أشرنا اليه في صدر كلامنا من كونه حريصا على المزاوجة بين علمه وفنه، فاذا قرأت فصلا علميا خالصا خلت ـ لقوة اسلوبه ونصاعته ـ أنك تقرأ فصلا ادبيا يروعك جماله المستجمع لكل العناصر الادبية.

على أنا حين نتجاوز هذه النقطة، فمؤلفاته كثيرة من حيث الكمية أيضا، وهذا يضاعف القيمة.إنه يدل على ملكة خصبة اصيلة لا يؤخرها أشد العوائق عن الاتقان، وانها لتثبت له بطولة فكر، واليك ثبتا بآثار هذه البطولة.

لآلئه المنضودة:

1 ـ المراجعات هذا نموذج صادق لما كتب، ولا اريد ان احدثك عنه فان لسانه أبين من حديثي وانطق.طبع في مطبعة العرفان بصيداء سنة 1355 ونفدت نسخه، وترجم إلى اللغة الفارسية، وبلغني انه ترجم إلى اللغة الانكليزية، ترجمه السيد زيد الهندي.وانه ترجم إلى اللغة الاوردية ايضا.

2 ـ الفصول المهمة في تأليف الامة: كتاب من أجل الكتب الاسلامية، يبحث مسائل الخلاف بين السنة والشيعة على ضوء ( الكلام ) والعقل والاستنتاج والتحليل. تم تأليفه سنة 1327 هـ، وطبع مرتين بصيداء ـ جبل عامل ـ زاد فيه بالطبعة الثانية سنة 1347 هـ، والفصول المهمة يغنيك عن مكتبة كاملة في موضوعه. يقع في 192 صفحة قطع النصف.

3ـ اجوبة مسائل موسى جار الله: كتاب على صغر حجمه، عظيم الاحاطة واسع المعلومات، وهو كما يدل عليه اسمه، أجوبة عن عشرين مسألة سأل بها موسى جار الله علماء الشيعة، وهو يظن ان فيها شيئا من الاحراج، كتكفير الشيعة، لبعض الصحابة، ولعنهم، وكنسبة القول بتحريف القرآن للشيعة، ونسبة تحريم الجهاد اليهم أيضا، وكمسائل البداء والمتعة والبراء‌ة والعول وما إلى ذلك، فكانت أجوبة من أشدّ ما يكون، تستقي من العلم والتوفر، وتقوم على البرهان والمنطق فلا تترك أثرا للشك، ولها مقدمة في الدعوة إلى الوحدة، وخاتمة في جهل السائل بكتب الشيعة، وفي بعض ما في كتب السنة من أخلاط.يقع في 152 صفحة من القطع الصغير، طبع في مطبعة العرفان بصيداء سنة 1355 هـ 1936 م.

4 ـ الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، تقع في 40 صفحة من قطع النصف طبعت مع الفصول المهمة في الطبعة الثانية، وهي من اعمق الدراسات واصحها منهجا واستنتاجا وأدلها على تدفق القلم: الينبوع.

5 ـ المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة: طبع منها المقدمة وتقع في اثنين وسبعين صفحة بقطع النصف يشرح فيها فلسفة المآتم الحسينية واسرار شهادة الطف شرحا دقيقا رائعا.

6 ـ ابوهريرة: طبع سنة 1365 هـ، بمطبعة العرفان في صيداء وهو نسق جديد في التأليف وفتح في أدب التراجم بطراز المستوعب المحلل، ولعله من اجل ما تخرجه المطابع الحديثة بحثا وعمقا وأسلوبا. يبحث حياة ابي هريرة وعصره وظروفه وعلاقاته واحاديثه وعناية الصحاح الست بروايته على ضوء العلم والعقل.

7 ـ بغية الراغبين: « مخطوط » كتاب عائلي خاص يؤرخ لشجرة (شرف الدين ) ومن يتصل بهم من قريب، وهو كتاب ضخم جليل ممتاز في ادب التراجم بطريقته الخاصة، وتنسيقه المتقن، وربما ترجم بعض الاعلام من اساتذة المترجمين في الكتاب وتلامذتهم وقد يترجم عصورهم وظروفهم، وبهذا تقف منه على كتاب ادبي ممتع رائع، بل انه تاريخ أجيال، بتاريخ رجال.

8 ـ فلسفة الميثاق والولاية: وهي رسالة فذة في موضوعها. طبعت في صيداء سنة 1360 هـ.

9 ـ ثبت الاثبات في سلسلة الرواة: ذكر فيه شيوخه من اعلام اهل المذاهب الاسلامية بكل متصل الاسناد بالنبي ( ص ) وبالائمة ( ع ) وبالمؤلفات ومؤلفيها من طرق كثيرة متعددة يروي فيها قراء‌ة وسماعا واجازة من اعلام الشيعة الامامية والزيدية، وعن اعلام السنة، واستيعاب طرقه كلها طويل، اقتصر منه على ما جاء في الثبت وقد طبع في صيداء مرتين.

نفائسه المفقودة:

وله غير هذه الروائع الخالدة نفائس، لولا عدوان سنة العشرين عليها بالحرق والتمزيق ؛ لكانت من الذخائر المعدودة في كنوز العقل والفكر، ولكنها فقدت في تلك الاحداث المؤلمة، فمني بفقدانها العلم بخسارة عسى ان يتسع وقت سيدنا للتعويض عنها باحيائها من جديد، ونسردها فيما يلي كما يذكرها المؤلف في آخر تعليقته على ـ الكلمة الغراء

1 ـ شرح التبصرة في الفقه على سبيل الاستدلال خرج منه ثلاثة مجلدات تتضمن كتب الطهارة والقضاء والشهادات والمواريث.

2ـ تعليقة على الاستصحاب من رسائل الشيخ ـ في الاصول ـ في مجلد واحد.

3 ـ رسالة في منجزات المريض استلالية.

4ـ سبيل المؤمنين ـ في الامامة ـ يقع في ثلاثة مجلدات.

5 ـ النصوص الجلية في الامامة ايضا فيه اربعون نصا اجمع على صحتها المسلمون كافة، واربعون من طرق الشيعة مجلوة بالتحليل والفلسفة.

6 ـ تنزيل الآيات الباهرة في الامامة ايضا، وهو مجلد واحد يبتني على مائة آية من الكتاب نزلت في الائمة بحكم الصحاح.

7 ـ تحفة المحدثين فيما اخرج عنه الستة من المضعفين. وهو كتاب بكر في الحديث لم يكتب مثله من قبل.

8 ـ تحفة الاصحاب في حكم اهل الكتاب.

9 ـ الذريعة رد على بديعة النبهاني.

10ـ المجالس الفاخرة اربعة مجلدات، الاول في السيرة النبوية، والثاني في سيرة أمير المؤمنين والزهراء والحسن، والثالث في الحسين ؛ والرابع في الائمة التسعة عليهم السلام.

11ـ مؤلفو الشيعة في صدر الاسلام، نشر بعض فصوله في مجلة العرفان بصيدا ( راجع العرفان في مجلداته الاول والثاني ).

12ـ بغية الفائز في نقل الجنائز، نشر اكثرها في العرفان.

13 ـ بغية السائل عن لثم الايدي والانامل، رسالة علمية ادبية، فكاهية، فيها ثمانون حديثا من طريقنا وطريق غيرنا.

14 ـ زكاة الاخلاق، نشرت العرفان بعض فصوله.

15 ـ الفوائد والفرائد كتاب جامع نافع.

16 ـ تعليقة على صحيح البخاري.

17 ـ تعليقة على صحيح مسلم.

18 ـ الاساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة يبتني على الادلة العقلية والنقلية وهو في بابه بكر جديد.

وله بدايات ـ وراء ذلك ـ في مواضيع شتى، بعضها ذهب في المفقودات وبعضها أعيد ولا يزال في سبيل الاتمام.

ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة، وسعة التتبع وشمول الاستقصاء وصحة الاستنتاج، وشدة الصقل، وامانة النقل وترابط الجزاء. في خصال تتعب الناقد وتحفظ الحاقد.

ثقافته:

ولعلك ألممت بنواحي ثقافته من مؤلفاته، ومما حدثناك عنه في هذه الكلمة، فهو ـ كما علمت ـ أسس، وقام بناؤه في النجف الاشرف، فكان إماما في اللغة وعلوم العربية وآدابها، والمنطق، والتاريخ، والحديث، والتفسير، والرجال، والرواية والانساب، والفقه والاصول، والكلام ؛ وما يتصل بهذه العلوم من روافد.

هو بالعلوم الاسلامية وما اليها فارس معلم، لا يجارى في حلباتها، ولا يلحق في مضاميرها، ويمتاز بالاضافة إلى ذلك بأدبه القوي الحافل، وبما يتصل به من الاسرار النفسية والاجتماعية والنقد. له في ذلك سليقة ملهمة وملكة قوية ترافقان حديثه وقلمه، محاضرة وخطابة، تأليفا وكتابة، أنه على الاجمال افضل صورة للعالم الاسلامي الضليع الجامع.

اخلاقه ومواهبه:

هو طويل الاناة، ثقيل الحصاة، واسع الصدر لين الطبع، قوي القلب مهاب، له روعة في النفس، وتأثير يدفعانك لاحترامه وحبه وإن جهلته.

وهو شديد الشكيمة في الحق متوقد الحماسة للدين، لا يعرف هوادة ولا لينا حين تهب بادرة للبغي أو الباطل، على انه متواضع كريم هش.

وللإنصاف في نفسه موضع يسوي بين القريب والبعيد، الحق رائده. فلا يمنعه حبه لاحبائه من اقامتهم على العدل، ولا يمنعه انصافه ـ وهو يحكم ـ من الاحتفاظ بالحب في زوايا نفسه لمن يحب، ومن هنا كان العدو والصديق عنده سيان في الحكم على ما يأتيان من حسن أو قبح، في آثارهما وافعالهما.

ومن هنا أيضا كان قدوة: في الورع وصفاء النفس، ونقاء الضمير، وقول الحق، وإلى جانب هذا كله له رأي حصيف، ونظر بعيد، يسبر اغوار الناس ويصل إلى حقائق الامور وأعماقها ؛ فلا يخدع من حال، ولا يغش في ظاهر، ولا يفتل عن صواب ولا يغر في رياء.

يعنى باقدار الناس، ويوفيهم فوق ما يستحقون، ويشجعهم على إيتاء الخير، ويرهف الناشئة العلمية للاتقان والتجويد، فيبالغ لهم في الاستحسان، ويكيل لهم من الكلم الطيب، والنوال الكريم ؛ ما يدفعهم إلى ما يرمي اليه من تقدمهم.

ولعله لهذه الخلال الكريمة اثرا في صفاء مواهبه، وقوة تأثيره، وصدق كفاياته ؛ فهو من أفصح الناطقين بالضاد حين يتحدث، وأبلهم ريقا حين يخطب، ومن انفذ الناس للنفس حين يعظ، واحكمهم بالقضاء وأعدلهم بالحكم وابينهم بالحجة، وأفقههم بالحياة.

اسفاره:

في سنة الف وتسع وعشرين وثلاثمئة وألف هجرية زار مصر زيارة علمية، كما حدثناك، اجتمع فيها بأفذاذ الحياة العقلية في مصر، وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الازهر في عصره، وانتجت اجتماعاته به، ومراسلاته له هذا الكتاب، وحسبه فائدة من هذه الزيارة ( المراجعات ).

وفي حوالي سنة 1328 هـ. زار المدينة المنورة، وتشرف باعتاب النبي (ص ) وضرائح أئمة البقيع ( ع ).

وفي ثمان وثلاثين كانت الهجرة الدينية السياسية التي عرفت شيئا من حديثها وفيها زار دمشق ومصر وفلسطين، وفي كل هذه البلاد كانت له فوائد علمية ومحاضرات قيمة، كما تلمح ذلك فيما حدثناك به في مشايخه في الرواية ؛ وفي سنة 1340 هـ، حج البيت من طريق البحر، في عهد المغفور له الملك حسين، وحج معه خلق كثير من جبل عامل في ذلك الموسم، وكان الموسم في ذلك العام من احفل مواسم الحج واكثرها ازدحاما واقبالا على هذه الفريضة ولعل مكة لم تشهد مثل هذه الموسم منذ عهد بعيد، وكان في الحجيج تلك السنة كثير من الاعلام من علماء وزعماء من مختلف الاقطار، وكان السيد ابرزهم بين تلك الجموع اسماً، واعلاهم مكانة، وأرفعهم بيتا واسخاهم كفا.

وهو أول عالم شيعي أم هذه الجماهير الضاغطة المزدحمة في المسجد الحرام بمكة المشرفة، وهي أول مرة تقام فيها الصلاة وراء إمام شيعي على هذا النحو العلني تجتمع فيه الالوف معلنة في غير تقية.

ومن هنا كان حجه مشهورا يتحدث عنه الناس في سائر الاقطار الاسلامية، وقد احتفى به الملك الحسين بن علي أجمل احتفاء وافضله، واجتمعا أكثر من مرة وغسلا معا الكعبة.

وفي أواخر سنة 1355 هـ، زار أئمة العراق، وجدد العهد باهله وارحامه، واستقبله يوم وروده الوزراء والاعيان والزعماء، وعلى رأس الجميع سماحة السيد محمد الصدر من بغداد إلى جسر الفلوجة، في ارتال من السيارات، واستقبل في كربلاء وفي النجف الاشرف باستقبالات علمية وشعبية رائعة فخمة قليلة النظير.

واكاد اسمعه يهتف حين اقبل على مرابع صباه وشبابه:

واجهشت للتوباد حين رأيته * وكبر للرحمن حين رآني

وطبيعي ان يجهش هو شوقا إلى هذه المعاهد الانيسة، وان تكبر هي ترحيبا به وفرحا باقباله بعد فراق امتد امده سنين طوالا.

ألم يصدر هو عنها راويا مرويا؟ ألم تحفل هي به غريدا يملا اجواء‌ها بأفضل مما يمتلئ به معهد من طلابه العبقريين؟

بلى، تبادلا الحنين والشوق واللوعة والتحية، واستجابت لهذا التبادل الروحي النقي داعي البر والوفاء في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء. فكانت حفلات زاهرة زاهية، قد بعد العهد به عن مشاهدها واعلامها.

وكانت اجتماعاته بالاعلام من أهل العلم، ورجال البحث، آهلة بالفرائد، في مختلف فروع العلم، وشتى مسائله.

وتابع من العراق سفره إلى ايران، فتشرف بزيارة الامام الرضا عليه السلام، وعرج في طريقه على قم وطهران وغيرهما من مدن ايران، ولقي في جميع تلك المدن من مراسيم الحفاوة ما تفرضه شخصيته المحبوبة العظيمة.