b4b3b2b1
عوامل خلود النهضة الحسينية | دور الإمام العسكري بالإعداد لعصر الغيبة | فطيمة بسوك الغزل | الحسين.. ثورة من أجل السلم العالمي | خصوصية زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام | البعد الأخلاقي المحمدي وأثره في الحضارة الإسلامية | الإعلام والمستقبل في فكر الإمام الشيرازي | يشع نورهم اينما حلوا... وهذه دعوة | الحسين.. برزخ بين الحق والباطل | التطرف الديني في العراق: الاسباب والمعالجات | الدولة الدستورية وسلطة القضاء | أبو ترجية تحت قبة البرغلمان |

عوامل تمزيق الأمة الواحدة وأجراس الإنذار الداخلية

4665

 

6 رجب 1437 - 14/04/2016

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين،

ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضيين،

واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين،

ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم

(وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)

يقول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)([1])

ويقول جل اسمه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)([2])

كان الحديث حول (الأمة الواحدة) كإطار عام وعن (الأمة في الأمة) كإطار خاص، والآية الكريمة الأولى تشير الى الأمة الواحدة: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ). أما الآية الثانية فتشير الى الأمة في الأمة (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) والحوزة العلمية هي المصداق الأبرز والأجلى والأقوى على مر التاريخ للأمة في الأمة.

فكان لا بد استناداً لذلك من أن تبحث العلاقة بين الحوزة العلمية وبين سائر شرائح الأمة: علاقتها بـ: الجامعات، والدول، والسلطات، والجماهير وعامة الناس، ومختلف مؤسسات المجتمع المدني من عشائر واتحادات وجمعيات وأيضا: مساجد وحسينيات وغير ذلك.

وقد مضى شطر من الكلام حول الآيتين الكريمتين، وسنكمل ببعض البصائر الأخرى:

البصيرة الأولى

الأمة ممزقة فكيف قال تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)؟

نبدأ بتدبر قرآني في الآية الكريمة: في كلمة (الأمة) هنالك قراءتان: إحداهما، وهي المشهورة، بالنصب على أنها حال.

والقراءة الثانية، وهي غير المشهورة، بالرفع على أنها خبر بعد خبر.

وعلى القراءة المشهورة يكون المعنى (وإن هذه أمتكم حالة كونها أمة واحدة ...)، وعلى القراءة غير المشهورة يكون المعنى (وأن هذه أمتكم أمةٌ واحدة)، وعلى كلتا القرائتين فإن (هذه) مبتدأ و(أمتكم) خبر.

ولكن: قد يستشكل بعض بالإشكال التالي: إن الآية بلكتا القراءتين والمعنيين غير مطابقة للواقع؛ لأن الوجدان قاض بأن الأمة ليست واحدة بل هي متفرقة شيعاً وأحزاباً، بل إن الآيات الكثيرة تصرّح بالاختلاف والتشتت، ومنها الآية اللاحقة وهي: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)([3]). فالأمة الإسلامية ليست واحدة إذ هي منقسمة الى قسمين: الى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم، وكل من القسمين منقسم الى عدة مذاهب وطوائف قد يصل مجموعها الى اثنين وسبعين فرقة، كل فرقة منها تدعي أنها في الجنة وغيرها في النار.

وهذا الإشكال قد يجاب عنه بعدة وجوه:

الآية إخبار في مقام الإنشاء

1) أن يقال بأن هذا إخبار في مقام الإنشاء، وليس خبراً كي يقال بأنه لا يطابق الواقع، فالجملة خبرية ولكن يراد منها الإنشاء، كما في جملة (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، فهي وإن كانت خبرية في ظاهرها إلا أن الإخبار غير مراد منها لوضوح وجود الضرر والضرار خارجاً في الإسلام([4])، فالمراد بها الإنشاء، وهو إما بمعنى النهي كما ذهب إليه شيخ الشريعة الأصفهاني أو بمعنى النفي المراد به نفي الحكم بلسان نفي موضوعه أو غيره، على الأقوال.

فيكون معنى قوله تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). أي يجب أن تكونوا أمة واحدة.

وهذا الوجه لعله بعيد عن ظاهر الآية إلا أننا نذكره من باب الاحتمال.

المراد بالأمة الواحدة آل محمد (صلى الله عليه وآله)

2) ورد في بعض الروايات في تفسير هذه الآية (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). قال (عليه السلام): هم آل محمد (عليهم السلام). وعلى هذا فلا يرد الإشكال أصلاً، إذ لا شك في أن آل محمد (عليهم السلام) هم أمة واحدة، وهم الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ويلحق بهم من حام حولهم من الحواريين والأصحاب المخلصين.

وقد سبق أن قلنا: إن هذه الروايات تقوم بالتفسير بأظهر المصاديق([5])، ولم ترد الحصر.

والحاصل: أنه إنْ قلنا بالحصر فإنه يندفع الإشكال من رأس، وإن قلنا بأنها من باب أظهر المصاديق فإن الإشكال باق في سائر الدوائر والمصاديق، ونحتاج الى جواب آخر مكمّل.

المراد الأمة الواحدة في بعض الجهات

3) لقد سبق أن ذكرنا الآراء في تفسير الآية الشريفة وقلنا: أن المفسرين فسروا الآية بوجوه ثلاثة، ونحن أضفنا لها اثنين، فأصبحت خمسة، وعلى الوجوه الخمسة فإن الإشكال أيضاً مندفع لأن الكلام – على كل تلك الوجوه - ليس على المعنى الحقيقي، بل هو منصب على المعنى المجازي، إذ لا يُراد الوحدة الذاتية كي يرد هذا الإشكال، بل يراد الوحدة الإضافية أو فقل: الوحدة على حسب بعض المتعلقات.

أي (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً): من حيث النشأة، أو من حيث القيادة، أو من حيث الملة والشريعة، أو من حيث الهدف وغير ذلك.

إذن لا يراد بالوحدة هنا (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). الوحدة على إطلاقها، بل يراد بها أبعاد خاصة محددة، وهي ما أشرنا إليه، وهي كلها صحيحة مطابقة للواقع.

مآل الآية إلى قضية شرطية

4) إن مآل ذلك الى قضية شرطية، فإن الآية لم تقل (وإن هذه الأمة أمة واحدة)، فلو قالت هكذا، وكان القصد عموم الأمة الإسلامية، لكان الإشكال بحاجة الى جواب.

بل قالت (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ). فالمحور هو (أمتكم) وليس (الأمة)، أي أمة الرسل هي أمة واحدة لا الأمة عامة، أي إنه بقرينة الإضافة، أي إضافة الضمير الى الأمة تؤول الجملة الى قضية شرطية يترتب عليها أنه لو لم تكونوا أمة واحدة فلستم أمة الرسل، والقضية الشرطية هي: كلما كانت أمتكم كانت أمة واحدة، لكنها ليست أمة واحدة فهي ليست أمتكم، فإن نفي التالي ينتج نفي المقدم.

فهنا استعنا على إعادة القضية الحملية الى قضية شرطية بقرينة داخلية في الآية الشريفة، وذلك هو الوجه في ارتكاب خلاف الظاهر، فلا يرد في المقام ما أوردناه على الميرزا النائيني إذ أعاد القضايا الحملية إلى الشرطية مطلقاً، فإنه بلا دليل وخلاف الظاهر المتفاهم عرفاً.

توضيح ذلك بالمثال: لو قال قائل: جماعتي المتقون([6])، فهو ينفي كون غير المتقين من جماعته إذا توهم بعض أن جماعته هم جمهرة من الناس فيهم المتقي وغيره.

ولو جرينا على مجرى الآية لقلنا: إن هذه جماعتي مثقفةٌ ومثقفون([7]) أو مثقفةً والمثقفين أو مثقفين([8])، فقد أخرج غير المثقفين من دائرة جماعته.

البصيرة الثانية

الواقع الخارجي للأمة الإسلامية

من الواضح إن الله تعالى أراد تحقيق الأمة الواحدة، وقد أمر بها وكذلك رسوله (صلى الله عليه وآله) والأوصياء (عليهم السلام)، وهو أمر بديهي يتطابق مع مقتضى الحكمة وآراء العقلاء، ولكن يجب أن نطرح السؤال التالي باستمرار وبإلحاح: هل الأمة الآن أمة واحدة أم هي متجزئة مبعضة؟

من الواضح أن هناك الكثير من الحواجز والحدود السدود، والكثير من عوامل التجزئة والتناحر والتحارب والفتن والمحن تعصف بالأمة كأشد ما يكون.

لو كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة، فهل كان يمكن أن تقف أمامها وتتحداها أمة من الأمم؟ كلا لا يمكن ذلك، بل هل كانت ذليلة محطمة كما هي عليه الآن؟

ولو أنهم تركوا لأمير المؤمنين (عليه السلام) زمام الأمر، لما تقدمت الأمم الأخرى علينا، ولما وُجد فقير واحد أو مظلوم أبداً على وجه البسيطة، وكانت الحياة التي وعدناها في أيام الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) ستتحقق منذ زمان حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن حدوث الانقلاب الأول كان هو السبب الأول والأساس في جري الأمة منقلبة على أعقابها وحرمانها من التقدم والازدهار وبركات السماء والأرض وابتلائها بشتى أنواع المصائب والويلات إلى ما شاء الله تعالى.

أجراس الإنذار الداخلية ضد الوحدة الإسلامية!

والغريب حقاً أن الغرب من جهة، والشرق من جهة أخرى، والجهل من جهة ثالثة، والشيطان من جهة رابعة، زرعوا في دواخلنا جرس إنذار داخلي ضد (الأمة الواحدة)، رغم صراحة الآيات بالدعوة الى الوحدة، وكذا الروايات والأخبار المتظافرة في توحيد الأمة حول راية القرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام).

هذا الجرس الداخلي يدق بعنف كلما مال فريق أو طائفة الى الوحدة، إذ تسمعه يدق عاليا لتنهار الآمال وتزداد الفرقة توسعاً كلما لاح في الأفق عامل اعتصام بحبل الله وتوحد تحت راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله).

ولذا علينا إذا كنا جادين في السير نحو الأمة الواحدة التي دعا إليها الله تبارك وتعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). أن نتابع بشكل حثيث البحث عن علاج لهذا الجرس الداخلي الخطير، وصولاً إلى اقتلاع جذور الأنانية والجهل وسائر بواعث التفرقة، ومن أهمها وساوس الشيطان الرجيم.

أجهزة الإنذار بالأشعة تحت الحمراء

وحيث إن تشبيه المعقول بالمحسوس، يعد من أهم طرق إدراك المعقول بشكل أفضل وللإحساس به بشكل أكمل، ومن ثم معرفته بشكل أفضل، والقدرة على التعاطي معه وعلاجه بالأسلوب الأمثل، نضرب المثال التالي:

هناك الكثير من المنازل أو المزارع أو الشركات والمحال تعاني من خطر السرقة ومشكلة اللصوص، ولقد كانت في السابق طرق عديدة للحماية، ومنها وضع الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمحل المراد حمايته، إلا أن هذه الطريقة لم تعُدْ تجدي نفعاً مع الكثير من اللصوص، إذ يمكن للصوص مشاهدتها بوضوح ثم يمكنهم أن يقصوا الأسلاك بآلاتهم الخاصة.

لكن العلم الحديث تطور ليتجاوز هذه المشكلة، فصنعوا أجهزة لاسلكية تعمل بالأشعة تحت الحمراء، ونطاق الأشعة هذا غير مرئي للصوص أو غيرهم، فبمجرد دخول اللص إلى المنطقة المحددة، يصدر الجهاز "سارينة" قوية جداً وصوتاً عالياً مرعباً يملأ المنطقة، وفي نفس الوقت يتصل هذا الجهاز بستة أرقام أرضية ونقالية، منها أقرب مركز للشرطة، ومنها صاحب البيت وغير ذلك، ويترك لهم رسالة صوتية مسجلة تنذرهم بالهجوم. كما أن هناك أجهزة أخرى أكثر تطوراً إلا أننا أشرنا الى الشائع منها.

وكما صنع العلم في العالم المادي من إنتاج أجهزة الإنذار المتطورة، كذلك حاول الاستعمار والشيطان في عالم الإنسان تصنيع وزراعة جرس الإنذار الداخلي في ذواتنا من الوحدة الإسلامية الحقيقية الحقة، وحاول تحويلها إلى فرق متناحرة وجماعات متشرذمة، حتى أصبحنا مصداقاً لما قاله تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)([9]).

ومن يلاحظ قوائم المنع المتنوعة والكثيرة، بل وشبه الشاملة، سيجد بوضوح صحة ذلك كله!:

من عوامل وآليات ونماذج تمزيق الأمة الإسلامية

فمن الحدود الجغرافية السايكوبيكية الى الهوية والجنسية الى المكوس والكمارك والضرائب وإلى الفيزا ورخصة البناء.. إلى غير ذلك

وقائمة الممنوعات طويلة الذيل ولا تقف عند حد، بل في كل يوم يمضي، يضع المشرعون الوضعيون قوانين كابته، تحدّ من حركة الناس، وتقوم بتقييد حرياتهم أكثر فأكثر.

ومن ذلك سن قانون منع التظاهرات والإضرابات والاعتصامات السلمية إلا بموافقة وزارة الداخلية! ثم أنهم يبررون سنّ هذه القوانين بألف عذر وعذر!، والغريب حقاً اقتناع الكثير من الناس بضرورة هذه القوانين الكابتة وتحولهم إلى حماة لها!

وكشاهد على ذلك: إذا أجرينا استبياناً في بعض جامعاتنا حول إلغاء الحدود الجغرافية والجواز والجنسية والهوية مثلاً لرأينا أن الغالبية من الشباب الجامعي لا تؤيد ذلك، بل تعتبره أمراً خاطئاً، مبررين ذلك بالحفاظ على أمن البلاد وما أشبه، مع أن كل هذه القيود من البدع التي يقارب عمرها المائة سنة أو أقل أو أكثر، ولم يأتِ بها الإسلام، ولم تكن موجودة حتى في عهد خلفاء الجور، بعد عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكنهم – مع الجهل والشيطان – زرعوا فينا أجهزة إنذار داخلية ضد كل ما هو وحدوي، وضد كل ما يسبب تلاحم الأمة وتقارب أجزائها وشرائحها، حتى نكون نحن أول الصارخين ضد أية محاولة تقريبية تهدف إلى إلغاء القيود الكابتة وعوامل التفرقة والتشتيت والشرذمة!

كما أن العديد من الوزارات في الحكومة ليست إلا عبارة عن أجهزة عملاقة مهمتها تقييد حريات الناس، وإنْ عللوها بأن مهمتها حفظ النظام وتنظيم الأمور إذ ما ذلك، في أكثره بل في جوهره ،إلا تقييداً لحريات الناس.

بدعة وزارة الشعائر!

وفي فترة من الفترات في العراق أرادوا أن يستحدثوا وزارة باسم وزارة الشعائر، وهي وإنْ كانت فكرة قد تبدو جيدة لأول وهلة، إذ كان المطروح أن القصد منها هو خدمة الزائرين.. لكن في الحقيقة لم تكن تعدو في جوهرها إلا محاولة للسيطرة على الشعائر وتقنينها بحسب الطريقة التي يرون، وذلك لان الحكومات بطبعها تميل الى تمركز القدرة والسيطرة، وأن تكون القوة ومجاري كافة الأمور بيدها لا غير، وذلك لا ينفي أن يكون بعض من طرح هذا المقترح إنما طرحه لحسن نية كي تخدم الحكومةُ الزائرينَ والسائرينَ، ولكنه غفلةٌ عن مآلات الأمور وأن الحكومة بطبعها تميل لإعمال القدرة والقوة لا للخدمة!

بدعة وزارة العائلة!

ولو فرضنا أنهم فكروا أن ينشؤوا وزارة باسم وزارة العائلة، (ونحمد الله تعالى أنهم لم يفكروا في ذلك أو فكروا ولم يطرحوه!)، فما الذي سيحدث حينئذٍ؟ فإنها قد تبدو فكرة أنيقة لكن حقيقتها قبيحة، إذ الذي سيحدث ليس خدمة العوائل، إلا هامشياً، بل الذي سيحدث هو فرض المزيد من القيود بعنوان المصلحة، مثلاً: فرض تحديد النسل بألف عذر وعذر، اقتصادي ونفسي واجتماعي! مثلاً مع أن الله يقول: (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)([10]). في إدانته تعالى للكفار الذين كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق.

ثم سترى هذه الوزارة تتدخل في باقي الأمور الشخصية مثلا: من تتزوج؟ ولماذا تتزوج؟ وكيف تتزوج؟ وفي أية سن تتزوج؟ إلى غير ذلك.

مع أنهم الآن بالفعل، ومن دون وجود وزارة، فكيف لو استحدثوا وزارة لذلك؟!!، يتدخلون في كثير من قضايا الزواج والطلاق، حتى أن العقد الشرعي عند رجل الدين أو طلاقه غير معترف به في هذه الحكومات أصلاً! في حين أن الأصل أن الرجل والمرأة لوحدهما يمكنهما أن يجريا عقد الزواج أو يوكّلا في ذلك، أو أن الزوج بحضور شاهدين فقط، يمكنه أن يجري الطلاق، ولكن التعقيد بل والتقييد الحكومي وصل الى حد عدم قبول زواج وطلاق رجال الحوزة العلمية مع مالهم من المكانة الاجتماعية والدينية!!

إن المشكلة الجوهرية هي: أن الدولة تعتبر نفسها هي الرئيس وهي القائد، كما هي المشرّع والموّجه!! بل: وهي الأول والآخر!

والمشكلة الأعظم هي أن هناك جرس إنذار داخلي في دواخلنا، ينذر من أي عمل وحدوي يريد إلغاء هذه الحواجز والقيود التي ما أنزل الله بها من سلطان.

جماعتنا أول المعارضين لتغيير المناهج الدراسية!

قبل فترة زارني أحد الشخصيات الرسمية المعروفة، فكلمته حول المنهج الدراسي المتداول في المدارس، وأن كثيراً منه ما زال مستوحى من منهج اللانظام السابق، فقال: إن المشكلة أن جماعتنا أول المعارضين، فإن كثيراً من الأكراد وأهل السنة موافقون على التعديل وتغيير المنهج (في التاريخ والتربية)، بما يلائم معتقدات الأكثرية، ولو بأن يكون هناك منهجان: للأكثرية والأقلية فكلٌ وما اعتقده وما اختاره! كما أنه يوجد في لبنان ثلاثة عشر منهجاً دراسياً!

وسيأتي في البحث القادم أيضاً: إن من الأخطار الحقيقية أن تكون الجامعات حكومة، بل الصحيح والواجب أن تكون أهلية أو مُموّلة من الحكومة، لكنها مستقلة عنها تماماً، كما سيأتي لاحقاً بإذن الله تعالى، ومن المآسي حقاً أن يكون وزير التعليم العالي الذي تعينه الحكومة هو من يقرر! ومن يمنهج! ومن يعود إليه – بالمآل – تعيين أو الإمضاء على تعيين أساتذة الجامعة أو عزلهم.

بين السلطات والحوزة العلمية

إن الدول تحاول أن تسيطر على كل شيء، وأن يكون كل شيء بيدها، ولو استطاعت أن تسيطر على المرجعية الدينية والحوزة العلمية لفعلت، بل إن بعض الدول الإسلامية بدأت أخيراً بفرض قيود على طبع الرسالة العملية للمجتهد، فلا يُسمح له إلا بإجازة خاصة من إحدى مراكز القوى معللين ذلك بأن تلك الجهة لا بد أن تحرز اجتهاد صاحب الرسالة! ومشترطين عليه سراً ولائه لمن بيده القرار والسلطات كافة! فكان الحاكم يريد أن يقول للمجتهد: إذا أردت أن تكون مرجعاً فعليك أن تستأذنني وأن تسير وفق المخطط والمنهج الذي أحدده لك!

استقلالية الحوزات العلمية

إن شرط بقاء الأمة الإسلامية أمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، هو استقلالية الحوزات العلمية كي تكون قادرة على تصحيح مسار الأمة، والعمل بقوله تبارك وتعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)([11]). وذلك لأنها الامتداد الحقيقي لمدرسة الإمامين الصادقين (عليهما السلام) وسائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وصولاً الى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

ولقد قاوم العلماء على مر التاريخ محاولات السلطات لإخضاع الحوزات الى جانبهم ولقد قدموا من التضحيات لأجل توفير الضمانات لذلك الشيء الكثير.

منهج خطير لاستدراج الحوزات إلى شباك السلطات

بعض الدول أخيراً انتهجت منهجية خطيرة جداً لإخضاع العلماء والحوزات العلمية بطرق بعيدة المدى قد لا تظهر للأعين نتائجها البعيدة المدى، وكان من ذلك السعي لبذل الأموال لرجالات الحوزة وطلابها، ومن مصاديق ذلك بذل الرواتب للطلاب وتوفير الضمان الاجتماعي لهم وأنواع من حق التأمين، لكن ذلك كله مما ظاهره الإحسان إلا أن باطنه الاستعباد على المدى البعيد، وربط الحوزة مالياً بأجهزة الدولة، ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "احْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ وَاسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ وَأَفْضِلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَمِيرَه"([12]).

ولذا نجد أن المراجع العظام، في الحوزة العلمية المباركة، رفضوا هذا المقترح عندما طرحته بعض قيادات وأجنحة الحكومة العراقية في بداية أمرها، وهو قرار حكيم من قبل المرجعية، لأن الأموال وإن لم تكن للدولة، بل هي لعامة الناس، بل أن أمرها منوط بإجازة الحاكم الشرعي، إلا أنها حيث كانت بأيديهم وبيدهم العطاء والمنع والمقدار والكيفية والحدود والضوابط، فإن ذلك يعد تمهيداً طبيعياً كي يُملوا علينا غداً شروطهم وآرائهم وقراراتهم.

الحكومات تفرض سلطتها على المساجد

إن المطلوب والضروري حقاً، هو توفير ضمانات الاستقلالية في كل أمر وركن وموقع، بالنسبة الى الحوزة العلمية، ومن ذلك أيضاً (المساجد)، فإنها يجب أن تكون مستقلة غير خاضعة لوزارة الأوقاف ولا غيرها، فإن (المساجد) هي نافذة العلماء لقول كلمة الحق والهداية والارشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن الواقع الخارجي يكشف – للأسف الكبير – عن أن أغلب الدول تتحكم بحركة المساجد، فإنها هي من تعين الأئمة فيها، بل أن عدداً من الدول الإسلامية([13]) توزع خطبة موحدة في أيام الجمع على أئمة الجماعات وبإشراف جهاز الاستخبارات!!

فأين وكيف يدعو رجل الدين بعد ذلك الى الخير؟ فإذا كانت الوزارة هي من تُعيّنه، وهي من تُملي عليه، فكيف يدعو؟!!! وكيف يصرّح بالحق الذي يكون غالباً على خلاف إرادة الحكومة؟!! إنه لا يستطيع عادة ذلك، لأنها تتحكم بمصيره وحياته، ولو عارضَ لَفُصِل وأخرج، وبذلك تحاول الحكومات إلغاء العمل بإحدى أهم آيات القرآن الكريم، حيث قال جل اسمه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)([14]).

ومن هنا نحن نعارض بشدة أن يتوظف رجل الدين في الدولة، في أي موقع كان، اللهم إلا لدى الضرورة القصوى التي يحددها مراجع التقليد الكرام، بل لا يصح لرجل الدين أن يعمل حتى قاضياً لدى الدولة، لأن مردّ ذلك الى سيطرة الدولة عليه وعلى حياته، بل أنه نوع ركون إلى الحاكم الجائر قال تبارك وتعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ)([15]).

إجهاض خطة السافاك الخطيرة للسيطرة على الحوزة العلمية

وقد نقل لي السيد صادق الروحاني (شفاه الله وعافاه): أنه في زمان الشاه أشاع بعض رجال الدين، المرتبطين بالحكومة، في أوساط الحوزة العلمية في قم المقدسة، أن الشاه فكر كثيراً فرأى أن من الضروري إنصاف رجال الدين والحوزة العلمية، وأنه على الأقل ينبغي أن يكون القضاء بيد رجال الدين حتى يمكنهم تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء!

ثم جاء الخبر، عبر ممثلين رسميين، بأن الموافقة قد حصلت على أن يكون رجال الدين المجتهدين قضاة في المحاكم الحكومية وبراتب مغري يصل الى (2500%) من الراتب الطبيعي للمعلم!!

ولقد كانت الخطة ماكرة حقاً، إذ كان الهدف أن يُضعفوا الحوزة ويفرغوها من المجتهدين من جهة، وأن يتحوّل القضاة – بالتدريج – إلى لِبنات في بناء الدولة وجنود لها، بعد أن ذاقوا طعم الأموال الكبيرة والمنصب والقوة والمكانة!!

وبالفعل سجّل أكثر من (200) شخص أسماءهم ليعملوا قضاة في المحاكم!!

لقد كان الظاهر أنيقاً مغرياً، لذا خُدع الكثيرون، لكن الباطن خطير جداً، إذ هل يمكن للقاضي لدى الشاه أن يحكم بالحق؟!! أم أنهم هم الذين سوف يملون عليه أحكامهم، وإنْ رفض قطعوا عنه راتبه الضخم الذي اعتاد على أن يأخذه في كل شهر!! وفقد أيضاً كل الشهرة والمنصب والمكانة! بل وتعرض أيضاً للملاحقة!

يقول السيد الروحاني: ذهبت الى المراجع الثلاثة الكبار آنئذٍ في قم وهم: السيد الكلبايكاني، والسيد الشريعة مداري، والسيد المرعشي النجفي، وعرضت وجهة نظري في هذه الخطة الخبيثة، فتداولنا الأمر جميعاً، وصار الاتفاق على أن أصدر حكماً ولائياً يحرّم أن يكون رجل الدين قاضياً، وأن يقوم المراجع الثلاثة بدور الإسناد والتأييد، رغم أن ذلك كان يُعد مواجهة شبه مباشرة وخطِرة مع جهاز السافاك المخيف الذي كان يقوم برعاية هذا المخطط.

يقول السيد الروحاني: وبالفعل قمت بذلك، وأصدرت الحكم الولائي، وأسندني المراجع الكرام بكل قوة، وبذلك وفقّنا لإفشال ذلك المخطط المشؤوم، وانسحب تقريباً كافة الذين سجّلوا أسماءهم ليكونوا قضاة، وبقي النادر الذي بدأت تطارده اللعنات!

التصدي لمحاولات أزهرة الحوزة

وختاماً: فإن أي نحو من أنحاء ربط الحوزة العلمية بالدولة هو خطأ فاحش فادح، ولا يجوز أن يتم بأي نحو من الأنحاء.

بل وأكثر من ذلك، فإن إنشاء وزارة باسم وزارة الأوقاف يُعدّ خطأ وجريمة بحق الأوقاف نفسها والمجتمع الديني ذاته، وذلك لأن من خلالها يتم للحاكم المستبد السيطرة على جميع الشؤون الدينية عبر أجهزته المعروفة.

والحديث عن ذلك يستدعي مجالاً آخر، قد نوفق له لاحقاً، إذا شاء الله تعالى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

** من سلسلة محاضرات في التفسير والتدبر لسماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي حفظه الله تعالى، ألقيت في النجف الأشرف.

========================

([1]) المؤمنون: 51 ـ 53

([2]) آل عمران: 104

([3]) المؤمنون: 51 ـ 53

([4]) فتأمل؛ إذ الضرر والضرار في المسلمين لا في الإسلام. فتأمل

([5]) وعلى ذلك فهي باقية في دائرة التفسير وليست من دائرة التأويل

([6]) على الخبرية

([7]) على الخبر بعد الخبر

([8]) أي حالة كونهم مثقفين

([9]) المؤمنون: 53.

([10]) إسراء: 31.

([11]) آل عمران: 104.

([12]) جامع أحاديث الشيعة: ج22 ص230.

([13]) مصر والسعودية مثلاً.

([14]) آل عمران: 104.

([15]) هود: 113.