b4b3b2b1
اللاعنف في الفكر الشيعي.. الإنتشار السلمي للإسلام في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) | استعراض عام لأمر الإمامة | التحسن الامني في العراق: اداء حكومي ام فاعل اقليمي؟! | المثلُ القصصي أو التأريخي في خطبِ الإمام علي (عليه السلام) | أمثولة الأمهات.. أم البنين عليها السلام | ثالث أنوار الأئمة... علي بن الحسين (سلام الله عليه) | علي بن ابي طالب (عليه السلام) بين التكوين والوجود | لماذا هذه الاستهانة بدماء الأبرياء؟ | توقعنا من شيخ الدليم الاعتذار لا التهديد بقطع الأيدي!! | مواقف خالدة للبتول الطاهرة | السلوك اللاعنفي، تكتيك أم استراتيجية؟ | كلمة المرجع الشيرازي بمناسبة رحيل آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي أعلى الله درجاته |

أمثولة الأمهات.. أم البنين عليها السلام

 

27 ذي الحجة 1428 - 07/01/2008

لما ثكل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بوفاة سيدة نساء العالمين، بضعة الرسول وريحانته البتول الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ندب أخاه عقيلاً، وكان عالماً بالأنساب، أن يخطب له امرأة قد ولدتها الفحول ليتزوجها لتلد غلاماً زكياً شجاعاً ينصر ولده أبا الشهداء الحسين في ميدان كربلاء، فأشار عليه عقيل بالسيدة أم البنين فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابي، فإنه - على حد قول عقيل وهو العالم بأنساب العرب كما أسلفنا - ليس في العرب من هو أشجع من أهلها ولا أفرس، وكان لبيد الشاعر يقول فيهم (نحن خير عامر بن صعصعة) فلا ينكر عليه أحد من العرب ومن قومها ملاعب الأسنة أبو براء الذي لم يعرف العرب مثله في الشجاعة.

وبالفعل فقد تم الزواج بها وقد رأى الإمام فيها رجاحة العقل والإيمان الوثيق وسمو الآداب ومحاسن الصفات فأعزها وأخلص لها كأعظم ما يكون الإخلاص.

ووجد الحسن والحسين (عليهم السلام) عند هذه السيدة الفاضلة العطف والحنان ما عوضهما من الخسارة الفادحة والأليمة التي منيا بها بفقد أمهما الزهراء (عليها السلام) فقد توفيت وعمرها كعمر الزهور وترك فقدها اللوعة والحزن الشديدين في نفسيهما، وكانت أم البنين (عليها السلام) تكن لهما من المودة والحب مالا تكنه لأولادها الذين كانوا ملء العين في آدابهم وكمالهم، وتقدمهما عليهم في الخدمة والرعاية بما لم يعرف التاريخ أن ضرة تخلص لأبناء ضرتها وتقدمهم على أبنائها سوى هذه السيدة الجليلة، وقد كانت ترى ذلك واجباً دينياً لأن الله أمر بمودتهما في كتابه الكريم، وهما وديعة الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) وريحانتاه وقد عرفت أم البنين ذلك فوفت بحقهما وقامت بخدمتهما خير قيام وهي فخورة كل الفخر بذلك وحذا أبناؤها الأربعة حذوها وهم قمر بني هاشم أبو الفضل العباس وهو أكبرهم وسيدهم، وعبد الله، وجعفر وعثمان، فوهبوا حياتهم وفدوا بدمائهم الزكية أخاهم وإمامهم سبط الرسول الهادي (صلى الله عليه وآله) أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف الدامية سنة 61 هـ.

ولعل من أعظم مشاهد الإيثار في التاريخ البشري كله ما قام به هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدى،ً إذ برزوا الواحد تلو الآخر بوجه الموت مدرعين بإيمانهم العميق وعقيدتهم الراسخة حتى استشهدوا جميعاً وسقطوا مضرجين بدماء النبل والشهامة والغيرة على حرم الله ورسوله وأولي الأمر المنتجبين.

وأزداد بذلك فخر أم البنين، ولكنها أرادت أن يسجل لها التاريخ صفحة وضاءة أخرى باسمها يوم سمعت ناعي الحسين (عليه السلام) يدخل المدينة، فهرعت إليه وهي ذاهل ران على قلبها الحزن المرير وعلت وجهها كآبة الثكل، فلم تعد تفطن لما يقال لها من شدة هول المصاب، استقبلت بشراً الناعي مساءلة إياه لاعن العباس وإخوته بل كانت تكرر: (أخبرني عن ولدي الحسين أهو حيٌّ أم لا) وذهل بشر واستغرب لهذا السؤال فبينا هو ينادي بأعلى صوته (قتل الحسين) إذ تسأله هذه المرأة أهو حيُّ أم لا؟! ولكن هذا الاستغراب ما لبث أن زال بعد قليل حين علم بشر أن هذه المرأة قد فقدت أربعة ليوث فلم يعد لعرين عزتها من حامٍ، فأعذرها وأراد أن يخفف عليها الصدمة ويهون الخطب الذي أصابها بأن يتسلسل معها بفصول المأساة فجعل ينعى بنيها واحداً واحداً فإذا بها تنتفض حتى سقط عن كتقها طفل كانت تحمله.. وصرخت بوجه الناعي: لقد قطعت نياط قلبي، أسمعتني سألتك عن أحد من أبنائي.. أخبرني عن الحسين أهو حيٌّ أم لا!؟

لله يا أم البنين هذا الوفاء وهذا الإيثار.. ما أحبك للحسين (عليه السلام) وإخلاصك لعلي (عليه السلام) وأوفاك للزهراء (عليها السلام) وما أشد إيمانك بالله ورسوله وكتبه وملائكته لقد حق للتأريخ أن يجعل منك أمثولة للأمهات ويخط اسمك بحروف من ذهب ويحفظ لك الأجيال مواقفك العظيمة وتردد في المسامع صباح مساء أنشودة تضحياتك الجلىّ:

لا تدعوني ويك أم البنـين***تذكر يني بليـوث العريـن

كانت بنون لي أدعى بهم***واليوم أصبحــت ولا من بنين

أربعة مثل نســور الربى***قد عالجوا الموت بقطع الوتين

باليت شعري أكما أخبـروا***بأن عباساً قطيع اليميـــن

تبرز شخصية أم البنين فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية، لأول مرة على مسرح التأريخ في قصة زواج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بها، فمن هناك ارتسمت ملامح هذه الشخصية الفذة وكان ذلك بتقرير مفصل قدمه أكبر علماء الأنساب العربية في عصره عقيل بن أبي طالب بعد أن ندبه أخوه علي أن يخطب له امرأة قد ولدتها الفحول ليتزوجها لتلد له غلاماً زكياً شجاعاً ينصر ولده أبا الشهداء في ميدان كربلاء.

وبالفعل ثم للأمير (عليه السلام) من أراد، واقترن بهذه السيدة الجليلة وقد رأى فيها العقل الراجح والإيمان الوثيق وسمو الآداب ومحاسن الصفات فأعزها وأخلص لها واستأمنها واسترعاها أفلاذه الحسن والحسين وزينب (عليهما السلام) فما كان من أم البنين إلا أن قامت برعايتهم وخدمتهم، وأفاضت عليهم بالحنان والمودة والعطف ما عوضهما بقسط وافر من الخسارة الأليمة التي منيا بها على الصغر بفقد أمهما الزهراء البتول (عليها السلام).

لقد كانت هذه الجليلة تكن بقلبها لسيدي شباب أهل الجنة الحسنين (عليهما السلام) مالا تكنه لأبنائها من الحبّ والرأفة والاحترام، لدرجة أنها كانت تقدمهما عليهم في الخدمة والرعاية، وترى ذلك واجبا دينياً لأن الله فرض مودة أهل البيت على المسلمين في كتابه الكريم وهما وديعة رسول الله في أمته وريحانتاه، وقد ربّت أبنائها الأربعة على هذا وعرفتهم قدر أبناء فاطمة (عليها السلام) فحفظوا ما تعلموه من أمهم وعملوا بأحسن ما أوصتهم به، الفداء وبذل النفوس دون الحسين (عليه السلام).

لهذا فقد احتفظ أهل البيت الطاهر (عليهم السلام) لأم البنين بمكانة مرموقة ومنزلة رفيعة وأكبروا تضحياتها وإخلاصها وولائها وأكبروا تضحيات أبنائها المكرمين.

يقول الشهيد الأول وهو من كبار فقهاء الإمامية كانت أم البنين من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البيت مخلصة في ولائهم ممحضة في مودتهم ولها عندهم الجاه الوجيه والمحل الرفيع وقد زارتها زينب (عليها السلام) بعد وصولها المدينة تعزيها بأولادها الأربعة.

إن زيارة سبطة الرسول وشريكة الإمام الحسين في نهضته السيدة زينب الكبرى لأم البنين ومواساتها لها بمصابهما الأليم بفقد السادة الطيبين من أولادها مما يدل على أهمية هذه السيدة وسمو مكانتها عند أهل البيت (عليهما السلام).

فليس غريباً أن تحتل أم البنين مكانة مرموقة وشأناً كبيراً في نفوس المسلمين أيضاً، وأن يعتقد بأنها باب الحوائج بمالها من مقام عظيم عند الله سبحانه وتعالى. وقد ذاعت أخبارها وبانت كراماتها وثبتت وجاهتها، ومن الطبيعي أن تكون لها هذه المنزلة عند الله فهي التي قدمت أفلاذها قرابين لنصرة دينه وإعلاء كلمته وتأييد رسوله (صلى الله عليه وآله) وحب آله الكرام لدرجة بذل النفس والنفيس من أجل هذا الحب المقدس.