b4b3b2b1
المرقد المقدس للسيد صالح | التل الزينبي.. مكان وقوف عقلية بني هاشم يوم عاشوراء | مسجد الكوفة.. من المساجد الأربعة الجديرة بأن يشدَّ إليها الرِّحال لدرك فضلها | العلوية شريفة بنت الامام الحسن (عليه السلام) | مرقد العسكريين... صرح مقدس وحضرة مطهرة | مرقد السيد علي بن جعفر سلام الله عليهما (باب الجنّة) | سَمَرقَند | السادة الأربعة المعروفون بـ (ملا آقا بابا) | مرقد السيد محمد الأخرس في كربلاء المقدسة | المشهد الكاظميّ | مزار مسلم بن عقيل..عبق إلهي يزيّن البوابة الشرقية لمسجد الكوفة | مشهد النُّقطة |

سَمَرقَند

 

27 شعبان المعظم 1433 - 17/07/2012

كانت سَمَرقَند سنة 1930 عاصمة جمهورية أوزبكستان، ثم جعل الروس العاصمة طاشقند.

وسمرقند ذات طابع شرقي وماضٍ تاريخي حافل، وكانت مركز بلاد الصُّغد، كما كانت عاصمة تيمورلنك. وهي واقعة على نهر سَيحُون.

منذ أن وُلدت سمرقند وُلد معها توأمها، الفنّ. وتغنّى بجمالها الشعراء على مَرّ الأيام. ووجدت البعثات الأثرية بقايا قسم من تلك الأشعار مدونة بخط أنيق على بعض حيطانها، كقول أحدهم:

وليس اختيـاري سَمْـرَقَند مَحلّةً ودارَ مُقـامٍ لاختيـارٍ ولا رِضى

ولكنّ قلبـي حلّ فيـها فعـاقـني وأقعَدَني بالصِّغر عن فُسحةِ الفضا

وقال فيها الشاعر المشهور البُستي:

للناس فـي أُخراهُـمُ جنّـةٌ وجنّـةُ الـدنيـا سَمَـرقنـدُ

يا مَن يُسـوّي أرضَ بَلْخٍ بها هل يستوي الحنظلُ والقَندُ ؟!

وذكر الجغرافيون العرب القدماء أنه ليس في الأرض مدينة أنزهَ ولا أطيَب ولا أحسَن مُستَشرَفاً من سمرقند. وشبّهها الرياشي فقال: كأنها ونهرها المجرّة للاعتراض، وسورها الشمس للأطباق.

ويصفها ياقوت الحموي بقوله: « وروي أن سمرقند من بِناء الاسكندر، واستدارةُ حائطها اثنا عشر فرسخاً، وفيها بساتين ومزارع وأرحاء، ولها اثنا عشر باباً، من الباب إلى الباب فرسخ، وعلى أعلى السور أبرجة للحرب، والأبواب الاثنا عشر من حديد، وبين كل بابين منزل للنواب، فإذا جُزتَ المزارع صرت إلى الرَّبْض، وفيه أبنية وأسواق، وفي ربضها من المزارع عشرة آلاف جريب، وفيها المسجد الجامع ومسكن السلطان. وفي هذه المدينة الداخلة نهر يجري في ( مجرى مَحُوط ) بالرصاص، وهو نهر قد بُني عليه مُسنّاة عالية من حَجَر يجري عليه الماء إلى أن يدخل المدينة... ووجه هذا النهر رصاص كله... وقد عُمل في خندق المدينة مُسنّاة وأُجري عليها، وهو نهر يجري في وسط السوق بموضع يُعرَف بباب الطاق... وعلى حافات هذا النهر غلاّت موقوفة على من بات في هذا النهر، وحفظه شتاء وصيفاً... وفي المدينة مياه من هذا النهر عليها بساتين، وليس من دار إلاّ وبها ماء حارّ إلاّ القليل، وقلّما تخلو دار من بستان، حتّى أنك لا ترى أبنية المدينة لاستتارها عنك بالبساتين والأشجار... فأما داخل سوق المدينة الكبيرة ففيه أودية وأنهار وعيون وجبال... ».

مدينة الفن

هذه المدينة الرائعة، بجمالها الأخّاذ، صارت في تاريخ الحضارة عاصمة للفنون الإسلاميّة. خصوصاً الفنون المعروفة اليوم بالفنون التشكيلية. وقد ظهرت مدرسة ( المُنَمنمات ) التي ستظل تنمو لتصبح أهم الآثار المغولية المتبقية اليوم، لتكوّن ـ مع الشعر العربي والفارسي، والموسيقى العربية والفارسية، ومدرسة المُنَمنمات الفارسية المستمرة إلى العصر الحديث ـ الملامح الواضحة لتقدم الفنون الآسيوية إبّان تلك العصور... والتي كان يعتبرها السلاطين في الهند وبلاد فارس من أزهى أوجه الجمال الذي يحتفظون به في ذاكراتهم وجدران قصورهم.

ومع مرور الزمن انبثق أسلوب اللوحات الشخصية ( بورترية ) في المنمنمات التي اكتسحت أوجه الفنون الأخرى، خصوصاً أن الفنانين كانوا يُولُون فَنَّهم عناية قصوى في دقة مراقبتهم للشخصيات المراد رسمها، حتّى لو استغرق ذلك زمناً طويلاً، فالمهم عندهم الإجادة، ربّما طلباً للخلود، والإبداع المغلغل في شرايين التاريخ.

وأجاد السمرقنديون في هذا الضرب من الفنون إجادة خلّدت أعمالهم على جدران قصور السلاطين المغول الذين حكموا شمال الهند في تلك الأزمان. ويذكر أصحاب السير والتواريخ أسماء لامعة في هذا المضمار، منهم محمد مراد السمرقندي، ودولة محمد السمرقندي، وفاروق كالميك ومحمد نادر السمرقندي الذي يعدّه بعض مؤرّخي الفن من أكثرهم إبداعاً وإجادة، من غير أي انتقاص للآخرين.

محمد نادر السمرقندي ( 1580 ـ 1650م ) من مواليد تلك المدينة الساحرة، النائمة في حضن الأشجار، والغافية على تغريد أطيار بساتينها وزقزقة عصافيرها، والتي حملت اسم سمرقند. وبعد أن تشبّع بجمال المدينة، وفنونها الساحرة، وبدأ يتمكن من فنه، رحل إلى الهند بلاد الحضارة العريقة في جميع جوانب الحياة التي كانت معروفة يومذاك وانضمّ إلى فناني الأمبراطور أكبر. وسرعانما ما أصبح فناناً مشهوراً، وأخذ كبار رجال القصر يطلبون منه رسم صورهم الشخصية، وبدأ يحتل مكانته الرفيعة بسرعة مدهشة ضمن كبار فناني المُنَمنمات الآخرين من مختلف البلدان.

تعتبر أعماله بحقّ من خَوالد التحف الفنية الثمينة، فالبورتريهات التي أنجزها بدقة وأناة وصبر مذهل، تخطف الإعجاب بمهارة إنجازها لا في الخطوط والألوان والظلال وخلفية اللوحة فحسب، وإنما في إبرازها وبتقنية ذكية للجوانب السيكولوجية لشخصياتها كذلك، مبرهنة على البراعة والمكنة العالية له. كما أن لوحاته الطبيعية التي كرّسها لمشاهد الطبيعة، وكذلك تلك المطعّمة بالميناء بتشجيع من الأمبراطور جيهانگير ( 1605 ـ 1627 م ) وغيره من السلاطين الذين كانوا معجبين بذلك، شواهد لا نظير لها للجمال المتجلّي في المدينة وفي نتاجها الفني الساحر الأخّاذ.

عمل محمد نادر السمرقندي ـ بميزات إنتاجه الفني ـ على تطوير فن المنمنمات الهندية نفسها خلال المدة المذكورة. كما أن أعماله تعتبر تكملة مهمة جداً في ميدان الدرس الفني المنصرف إلى تشكيل التصورات المعاصرة للعلاقات الإبداعية بين الهند وآسيا الوسطى في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

ويذكر المعنيّون باللوحات الفنية في فهارس موجودات الآثار والمتاحف، أن لهذا الفنان ـ اليوم ـ ثلاث عشرة لوحة موثوقة النسبة إليه، باستثناء تلك التي لم تُسجَّل رسمياً في مواطن وجودها باعتبار كونها موروثات عائلية خاصة لا عامة، ولاعتبارات أخرى. وتمثّل هذه اللوحات المعروفة اليوم ـ في غالبيتها ـ البورتريهات المنفَّذة بخطٍّ أسود دقيق مع رتوش ظلالية ملوّنة مما يعرف في دوائر الفنون بـ ( سياه قلم ) الذي ابتدعه ابتداعاً محمد نادر شاه، وسجله الفنانون باعتباره ابتكاراً مبدعاً لم يُعرَف قبله.

وتصوّر اللوحات المذكورة شخصيات القصر والقادة العسكريين من أمثال آصف خان وباقر عظيم خان والأمير خسرو.. وغيرهم.

وثمة بورترية مثير للاهتمام بشكل خاص يصوّر شير محمد، وهو شخص مجهول لنا اليوم وينبثق الاهتمام به ـ بالدرجة الأساس ـ لكونه يضم ثلاث صور شخصية أُنجزت في أوقات متباينة، وأُلصقت على ورقة واحدة، كما كانوا يفعلون في الألبومات. ووضع محمد نادر توقيعه تحت كل واحدة من تلك البورتريهات الثلاثة. ويميل الباحثون في تاريخ الفن إلى أن هذه اللوحات قد رُسمت في تاريخ واحد أيضاً. ويعتمدون على معايير فنية غاية في الدقة لتحديد شخصية شير محمد هذا، باعتباره ليس شخصاً واحداً وليس شخصاً عادياً، وعلى الرغم من تلك المعايير فقد توهموا عندما اعتبروا الرسم الأيسر يمثل الأمبراطور شاه جيهان ( 1627 ـ 1656 م )، والأيمن جيهانگير يبدو شاباً، بينما الابن يبدو شيخاً بلحية بيضاء وبملابس متواضعة ليس فيها أي مظهر من مظاهر الملابس الأمبراطورية الفخمة التي كان يرتديها المغول في الهند. وفي دراسات لاحقة وصل المعنيّون بتاريخ الفنون إلى أن الرسم لا يمثّل جيهان الابن بل يصور خليل الله خان. وقد أمكن الوصول إلى هذه الحقيقة بعد أن كشف اللوحة التي كان رسمها محمد نادر لهذه الشخصية بكامل هيئتها بعد ذلك بعشر سنوات. أما صور جيهانگير فلا شك فيها أبداً لا في الشخصية ولا في كونها من أعمال نادر شاه. والصورة مؤطّرة بإطار مثلّث الأضلاع مما يمثل النافذة التي كان يظهر فيها الأمبراطور إلى الناس، أو يتابع من خلالها معارك الفِيَلة، وتُسمّى هذه اللوحة بـ (جهاروك ). وتوجد هالة حول رأسه، كما أن اللوحة مليئة بمعالم الزينة، والأمبراطور في أبهى حلته.

ومن بين هذا التراث الغنيّ المتنوع، يثير بورترية ( شير محمد )، وهو البورترية الثالث في اللوحة، أكبر الاهتمام لتفرده بعدم وجود ما يماثل أسلوبه أبداً في أية مدرسة من مدارس البورتريهات والمنمنمات الشرقية من حيث تعقيد خطوطها وطريقة الأداء الفنية.

ومن ناحية أخرى فإن الفنون التي انبثقت من سمرقند وتجولت في بلاد الهند وغيرها، سواء على يد محمد نادر شاه ـ الذي خَصَصناه بالعناية باعتباره نموذجاً مثالياً ـ أم على يد غيره من الفنانين السمرقنديين، استطاعت أن تساعد على تحديد تواريخ السلالات الحاكمة، ومجريات أحداث التاريخ التي رسمها أولئك الفنانون. ويمكن الاستشهاد ـ في هذا الصدد ـ بالرسوم السمرقندية المتتابعة تاريخياً والتي عُني كثيراً بتصوير الشخصيات بكامل هيئتها وملابسها، سواء من الحكام أم من رجال الدين والطرق الصوفية، حيث نكتشف أن شيوخ الطرق الصوفية ـ مثلاً ـ تغيرت هيئاتهم وأزياؤهم بمرور الزمن، حتّى أنه ليمكن التعرف على ملامح تطور الطرق الصوفية نفسها من خلال المقارنة التاريخية بين تلك البورتريهات والمنمنمات.

وحتى على صعيد الناس العاديين، فثمة وجوه وشخصيات تظهر ضمن المنمنمات الطبيعية، أعني تلك اللوحات التي تنصرف إلى رسم المناظر الطبيعية، حيث يظهر في بعضها، أو في الكثير منها، ملاّحون في زوارقهم، وفلاّحون في حقولهم، وحرفيون متعددون في مهن مختلفة متنوعة مما كان يزخر به ذلك العصر.

ومن خلال الملاحظة الدقيقة والمتأنية والمقارنة نستطيع استجلاء ملامح التغير الاجتماعي والصناعي والزراعي، وحتى وسائط النقل المستخدمة في الأنهار والمدن، وكذلك كيفية تنظيم الأسواق والمدن ونمط الاحتفالات في الأعياد والمناسبات.

وبالجملة استطاع الفنانون السمرقنديون أن يقدّموا للباحثين في تاريخ الحضارات وتطورها خير أدلة ومستمسكات ووثائق لا يرقى الشك إلى تصويرها لواقعها، لأن هؤلاء الفنانين العظماء انطلقوا من واقع مدينتهم الثرية بالجمال ليرسموا صور العالم بلوحاتهم الواقعية.

ألم يكن الحق مع أحمد بن واضح في وصف سمرقند:

كأنها وهـي وسط حـائطها محفوفـة بالظـلال والشَّجَرِ

بدر، وأنهارها المجرّة والـ آطام مثل الكواكب الزُّهُرِ