b4b3b2b1
العلم ودوره في إنقاذ الإنسان.. من رؤى الفقيه الشيرازي حول طلب العلم في الإسلام | مؤسسة السجاد سعي دؤوب لخدمة ورعاية الأيتام وتزويج الشباب | مؤسسة الرسول الأعظم الثقافية.. معين لا ينضب من العطاء | من كربلاء ..الحجامة تاريخ يمتد الى 3300 قبل الميلاد (جديد) | الرباب زوجة الحسين عليه السلام | لفك الاختناقات المرورية من التقاطعات الحيوية .مواطنو كربلاء يطالبون بالعمل (24) ساعة لإكمال مشاريع المجسرات | الشباب وعوامل النجاح وتحقيق الأهداف .. من رؤى سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) | هيئة أنصار الزهراء (عليها السلام)... الخدمة الحُسينية عنوان فخر وإعتزاز | سحر الانترنت... ينذر بتفكك الأسرة العراقية وضياع الأزواج | تحرير المرأة بين جمال الشكل وخواء المحتوى .. من روى سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) | نساء النجف طقوس دينية ومجالس عزاء خاصة | مطالبات ملحة بإيجاد أسواق خاصة بالنساء في كربلاء.. تقرير جديد |

سعيد بن قيس الهمْدانيّ

 

27 شعبان المعظم 1433 - 17/07/2012

النسب.. والحسب:

سعيد بن قيس بن زيد... بن مالك بن زيد بن بن كهلان بن سبأ. من عِليَة هَمْدان وكبرائها، ومن سلالة ملوكها، وكان سيّدها المطاع.

لا يوجد تاريخ واضح لمولد هذا الرجل؛ لعدم نصِّ المؤرّخين والمترجمين له على ذلك، ولفقدان القرائن التي تشير إلى تاريخ يُقدَّر أو يُخمّن. إلاّ أنّ الذي نقف عليه هو أنّ سعيد بن قيس كان من كبار جيل التابعين.

الإيمان والولاء:

يُعدّ سعيد بن قيس من الرجال الذين يُفتَخر بهم ويُشار إلى إيمانهم ومنزلتهم الاعتقاديّة والولائيّة. يذكره الفضل بن شاذان فيمن يذكر قائلاً: من التابعين الكبار ورؤسائهم وزهّادهم: عبدالله بن بُديل، وحُجْر بن عديّ، وسليمان بن صُرَد، والأشتر، وسعيد بن قيس... وأشباههم كثير، أفنتهم الحرب، ثمّ كثروا بعدُ حتّى قُتلوا مع الحسين عليه السّلام وبعده.

ومهما أثنت كتب الرجال.. فإنّ ثناء الإمام المعصوم عليه السّلام هو الأسمى والأوثق. ينقل لنا التاريخ أنّ عمرو بن الحُصَين السَّكونيّ عندما حاول اغتيال أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام بادَرَه سعيد بن قيس فقتله، فانزعج معاوية وجمع جمعاً من القبائل وأمرهم بقتال هَمْدان خاصّة. فلمّا رآهم أمير المؤمنين عليه السّلام نادى: يا همدان. فأجابوه: لبّيك لبّيك يا أمير المؤمنين. وأبلَوا بلاءً حسَناً، فيما توجّه سعيد في رجال همدان حتّى هزم تلك الجموع وألحقها بسُرداق معاوية، فسُرّ بذلك الإمام عليّ عليه السّلام وأثنى على سعيد وهمدان قائلاً: يا آلَ همدان، أنتم مِجَنّي ودِرعي، بكم أستَظهِر.

ولمّا أحسنت همْدان القتال في صِفِّين قال أمير المؤمنين عليه السّلام بعد أن جَمعَهم: يا معشرَ همدان، أنتم دِرعي ورُمحي. يا همدان، ما نَصرتُم إلاّ الله ولا أجَبتُم غيرَه. هنا قام سعيد بن قيس فقال: أجَبنا اللهَ وأجَبناك، ونصرنا نبيَّ الله صلّى الله عليه وآله في قبره، وقاتَلْنا معك مَن ليس مثلَك، فارمِ بنا حيث أحببت.

ولمّا أراد الإمام عليّ سلام الله عليه الرجوع إلى غزو الشام قام سعيد بن قيس ـ بعد أن تثاقل الناس ـ فقال: يا أمير المؤمنين، واللهِ لو أمرتنا بالمسير إلى قُسطنطينية وروميّة مُشاةً حُفاة على غير عطاء ولا قوّة.. ما خالفتُك أنا ولا رجلٌ مِن قومي، فقال له الإمام عليّ عليه السّلام: صدقتم، جزاكمُ الله خيراً.

ولوثاقته وعدالته.. كان أمير المؤمنين عليه السّلام قد جعله قائداً لثمانية آلاف، وسيّره لردّ غارات سفيان بن عوف الغامديّ على الأنبار. وجعله على همدان يوم صفّين بعد أن قسّم عليه السّلام عسكره أسباعاً.

ويُستشهد الإمام عليّ صلوات الله عليه.. ويبقى سعيد بن قيس ثابتاً على عهد الولاية، متمسّكاً بحبل الإمامة، فإذا جاء الإمام الحسن عليه السّلام أمر عُبيدَ الله بن العباس أن يشاور في اُموره قيس بن سعد وسعيدَ بن قيس، فإذا اُصيب عبيدالله في المعركة كان الأمير بعده قيس بن سعد، وإن اُصيب قيس هذا كان الأمير سعيد بن قيس، فهو بقيّة ثِقات الإمام عليّ عليه السّلام.

وممّا يدلّ على علوّ مرتبة سعيد بن قيس الهَمْدانيّ وجلالته: ما رُوي من أنّه لمّا انقلب الناسُ على الإمام الحسن عليه السّلام في ساباط المدائن، دعا ربيعةَ وهمدان ـ وفيهم سعيد بن قيس ـ فأطافوا به يمنعونه ممّن أراد، فإنّ ذلك يدل على شدّة الاعتماد على سعيد وعلى إخلاصه ولائه.

المَعلم الشامخ:

سعيد بن قيس.. هو ذلك الرجل الصالح العابد، وهو ـ إلى ذلك ـ الرجل الشجاع المحارب الصامد. كان له باعٌ طويل وتجربة عميقة ناجحة في المعارك. وقد بَرزَت قدراته العسكرية وملكاته القياديّة في المواقع الحسّاسة وعند تسلّمه للمسؤوليات التي اُنيطت به في حربَي: الجَمَل وصِفِّين. وما بعدهما من المناورات التي كانت بين جيوش الإمام الحسن عليه السّلام سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وجيوش معاوية بن سفيان.

وكان سعيد رضوان الله عليه من أعمدة القتال في تشكيلة الجيش العلَويّ، فكان الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام يُخرج إلى القتال مرّةً الأشتر، ومرّة حُجْرَ بن عديّ.. ومرّةً سعيدَ بن قيس الهمدانيّ، ومرّة قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاريّ.

وكان سعيد يحرس الإمام حراسة نابهة، ويحرص على حياته المباركة أشدّ الحرص، ويتّبعه اتّباع الظلّ.

واللافت في شجاعة سعيد بن قيس الهَمْداني رحمه الله أنها مقرونة بالذكاء والخطط الحربيّة والحنكة العسكريّة، ولم تكن مجرّد طاقات بدنيّة عالية، إنّما كانت مطعّمةً بالتجربة الطويلة والخبرة العميقة، كما كان ذا قدرة متفوّقة في ضبط الجيش واتّخاذ الموقف النسب في المكان والزمان المناسب.

جاء في أخبار وقعة صفّين أنّ معاوية نادى في أحياء اليمن قائلاً: عَبُّوا إليّ كلَّ فارس مذكور فيكم؛ أتقوّى به لهذا الحيّ من هَمْدان. فخرجت خيل عظيمة، فلمّا رآها الإمام عليّ عليه السّلام عرف أنّها عيون الرجال، فنادى: يا لَهمدان! فأجابه سعيد بن قيس، فقال له الإمام عليه السّلام: إحمِل. فحمل حتّى خالط الخيلَ واشتدّ القتال، وحَطَمتْهم همدان.

وبقي سعيد بن قيس هو ومالك الأشتر ثابتين في جيش الإمام عليّ عليه السّلام أمام معاوية حتّى اللحظات الأخيرة، فلمّا تداعى الناس إلى الصلح بعد خديعة رفع المصاحف ـ وقد رتّبها عمرو بن العاص ـ جمع سعيد قومه وأقبل على إمامه قائلاً: ها أنا ذا وقومي لا نُرادُّك ولا نَردّ عليك، فمُرْنا بما شئت. فقال لهم عليه السّلام: انصرفوا راشدين، فلعَمْري ما كنتُ لأُعرِّض قبيلةً واحدة للناس.

عواصف.. ومواقف:

• اشترك سعيد بن قيس الهمدانيّ في فتح نَهاوَند سنة 19 هجريّة.

• في معركة الجمل.. كان سعيد صاحب راية همدان، وقد شارك في عقر الجمل.

• كان أحد الخمسة الذين أيّدوا أمير المؤمنين عليه السّلام في المسير إلى الشام، وقد عُقد له اللواء على همدان. وذهب هو وبشير الأنصاريّ رسولَين إلى معاوية إتماماً للحجّة عليه قبل بدء القتال، فقال له سعيد: والله يا ابن هند! لتَغلِبنّ سيوفُ صاحبِنا ما تودّ أنّ اُمّك لم تلدك ولم تكن في العالمين. ولمّا اشتدّ القتال اقترب سعيد من معاوية وكاد يقتله. وقد أبطل خطّة معاوية الذي بعث كتيبة بقيادة عبيدالله بن عمر بن الخطّاب لتهاجم جيش الإمام عليّ عليه السّلام من الخلف، فحمل عليهم سعيد بن قيس وصدّهم.

وتقدّم سعيد في همدان أمام أصحاب الصفوف من جيش معاوية، فقتل هو وجماعة بصفوفهم أكثر من ثلاثة آلاف فارس من قوات الشام في بقعة واحدة، ثّم حملوا على أصحاب معاوية حتّى ألجأوهم إلى التلّ، ثمّ صعدت همدان في أثرهم فحدروهم من التلّ وأخذت السيوف هامات الرجال.

• ولسعيد بن قيس رضوان الله عليه وقائع حربيّة كثيرة، أثبتت بطولته، منها:

أ. قارع ذا الكلاع وجيشه فهزمهم.

ب. حمل على جيش معاوية حتّى حطمه، فجزع معاوية لذلك.

ج. لمّا قَتل زياد بن كعب الهمدانيّ أبا الأعور السلميّ، ونفّر معاوية أهل الشام للقتال.. جمع سعيد بني عمّه من همدان وحلفائهم وحمل على جمهور أصحاب معاوية فأنزل بهم مقتلة عظيمة.

د. قاد مع الأشتر مجموعتين كبيرتين، فوجّه إلى أهل الشام ضربةً خلخلت قوّاتهم.

هـ. لمّا استُشهد عمّار بن ياسر ثار سعيد بن قيس فيمن ثار فخلط هو وأصحابه جمع معاوية، وحطمت همدان أهل الشام حتّى قذفتهم إلى معاوية.

• كان سعيد أحد الموقّعين الشهود في كتاب الصلح الذي وقع بالضغط على جيش الإمام عليّ عليه السّلام، حيث رضي بما رضي به إمامه.

• لمّا بويع الإمام الحسن عليه السّلام بالخلافة، تحرّك معاوية نحو العراق، فتحرّك الإمام عليه السّلام.. فأتى سعيد بن قيس يعرض نصرته على الإمام ويصرّح باستعداده للقتال.

روايته:

يُعدّ سعيد بن قيس الهمدانيّ من التابعين قليلي الرواية؛ لانشغاله بالحروب، وللتعتيم الذي فرضته عليه السلطة الاُمويّة.. ومع ذلك، وصلت روايته من طريق الشيعة والسنّة، فقد روى حديث الأئمّة الاثني عشر عن جابر بن سَمُرة، عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: لا تزال هذه الأمّة مستقيماً أمرُها، ظاهرةً على عدوّها، حتّى يمضيَ اثنا عشر خليفةً، كلّهم من قريش. قال جابر بن سَمُرة: فأتيته في منزله وقلت: ثمّ يكون ماذا ؟ قال صلّى الله عليه وآله: ثمّ الهَرج.

هذا ما جاء في كتاب (الخصال) للشيخ الصدوق ـ باب الاثني عشر، الحديث 18. ووردت روايات عن سعيد بن قيس الهمداني، ينقلها عن حفصة زوجة النبيّ صلّى الله عليه وآله نصَّ على ذلك البخاريّ وابن أبي حاتم الرازيّ.

ملكته الأدبيّة:

جمع سعيد بن قيس فنوناً من البلاغة، مغرّداً بالشعر العلَويّ، ومترنّماً ببدائع القصائد الإسلاميّة، وصادعاً بروائع الخطب والكلمات. ولكنّ النصوص القليلة التي وصلت إلينا عن سعيد لا تروي غليل المتعطّش لشعره.

والذي يمتاز به أدب سعيد بن قيس الهمدانيّ هو أنّه وثائق تاريخيّة صيغت بأساليب جذّابة، وقُرنت بالعقيدة السامية والفكرة الحكيمة والعواطف الشريفة النبيلة؛ إذ سعيد جمع البصيرة إلى البلاغة، فبرع في الإعراب عمّا في دواخله.

سعيد دخل ميدانين: ميدان الجهاد في سبيل الدين والعقيدة باليد والسيف، وميدان الجهاد في الدفاع عن الحقّ المضيَّع وعن المؤمنين المظلومين باللسان الذي جاد في قول الشعر وإلقاء الخطب.

ومن هنا وردت في أدبه مفردات خاصّة، استفادها من النصوص القرآنيّة والنبويّة الشريفة، فجاءت كلمة «الإمام» و «الوصيّ» و «المولى».. وتعابير كثيرة تحكي عمقه الاعتقاديّ وتَثبّتَه على معالم الدين الحنيف.

كما انساب في أدب سعيد الفخر أمراً عفويّاً؛ إذ هو زعيم هَمْدان، وهمدان قبيلة يحقّ لها أن تفخر بمواقفها الشامخة، فكان سعيدٌ يقول:

قلْ للوصيِّ أقبلَتْ قحطانُها فادعُ بها تكفيكَها هَمْدانُها

همُ بَنوها وهُمُ إخوانُها

وشعره حماسيّ قتاليّ يهيج النخوة والغيرة، ويثير القلوب إلى الجهاد والشهادة. ونثره كذلك.. في الخطابة والرسالة، فهو يكتب مثلاً إلى شُرَحبيل بن السِّمط الكنديّ الذي أغواه معاوية: فلا تكن رأسَ الخطيئة، ومفتاحَ البليّة، فإنّي ما زلت لك ناصحاً، وعليك مشفقاً.

هذا، وكان لسعيد خطب رنّانة، أقضّ بها مضاجع معاوية وأصحابه، وسرّ بها أمير المؤمنين عليّاً عليه السّلام وأصحابه، وأوضح بها الحقائق، كان منها:

وقد اختصّنا الله منه بنعمة فلا نستطيع أداء شكرها، ولا نقدر قدرها.. أنّ أصحاب محمّد المصطفى الأخيار معنا وفي حيّزنا. فوالله الذي هو بالعباد بصير، لو أن كان قائدنا حبشيّاً مجدَّعاً ـ إلاّ أنّ معنا من البدريّين سبعين ـ لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا، وتطيب أنفسنا. فكيف، وإنّما رئيسنا ابن عمّ نبيّنا، بدري، صدّق وصلّى صغيراً، وجاهد مع نبيّكم كبيراً ؟! ومعاوية طليق من وِثاق الإسار، وابن طليق! ألا إنّه أغوى جُفاةً فأوردهم النار، وأورثهم العار، واللهُ مُحِلّ بهم الذُّلَّ والصَّغار.

ألا إنّكم ستلقَون عدوّكم غداً، فعليكم بتقوى الله، والجدِّ والحزم والصدق والصبر؛ فإنّ الله مع الصابرين. ألا إنّكم تفوزون بقتلهم ويشْقَون بقتلكم، واللهِ لا يقتل رجل منكم رجلاً منهم إلاّ أدخلَ اللهُ القاتلَ جنّاتِ عَدْن، وأدخل المقتول ناراً تلَظّى لا يُفَتَّرُ عنهم وهم فيه مُبْلِسُون .

عصمَنا الله وإيّاكم بما عصم به أولياءَه، وجعلنا وإيّاكم ممّن أطاعه واتّقاه، وأستغفرُ اللهَ لنا ولكم وللمؤمنين.

وهكذا تقترن بلاغة سعيد بالحجج الواضحة، والعقائد الصحيحة والحكم النافعة.. طافحةً بالولاء، مُثيرةً للمشاعر والأحاسيس.

وفاته:

ليس بين أيدينا من المصادر ما يحدّد تاريخاً معيّناً لوفاة هذا الرجل الكبير.. سعيد بن قيس الهَمْدانيّ، ولا نملك نصّاً يصرّح بوجوده وحياته سنة 61 هجريّة بعد واقعة الطفّ الكبرى في كربلاء.. إنّما اختفت أخباره تماماً بعد عام الصلح الذي كان بين الإمام الحسن عليه السّلام ومعاوية.فالذي يترجّح بعد هذا هو أن تكون وفاة هذا الرجل بعد الصلح بمدّة قليلة، أي ما بين 41 ـ 45 هجريّة.. رحمه الله وأعلا مقامه.

المصادر

1