b4b3b2b1
تجليد الكتب بين اصالة الماضي وحداثة الحاضر | مزار البقيع | صناعة الورق بين الماضي والحاضر | مدينة الحضر(مدينة الشمس) | هضبة خالصة الأثرية | حسينية الجامع الأعظم في زنجان | مدينة أريدو | دور المسجد في بناء الحضارة | مدينه حلب في الموسوعة الشيعية | مقبرة الحكيم أبي القاسم الفردوسي في مدينة طوس | مدينة سامرّاء | الكفل درةٌ أثرية بين الاحتضار ورغبةً بالنهوض.. |

الكاظمية في أعماق التاريخ

3914

 

26 رجب 1433 - 17/06/2012

إن أول ما نعلمه عن منطقة الأرض التي تَجثِم « الكاظمية » اليوم في طرفها الشرقي أنّها كانت ـ برواية بعض المؤرخين ـ جزءاً قريباً من الحدود الفاصلة بين دولة الآشوريين من شمالها والكيشيين من الجنوب، في العصور البابلية الأولى، أي قبل الميلاد ببضعة عشر قرناً، ويُروى أن منازعات وحروباً قد وقعت فيها أو قريباً منها بين الدولتين.

والظاهر أن هذه المنطقة قد حَظِيَت ـ لسبب أو لآخر ـ باهتمام خاص من حكومة الكيشيين، حيث نجد أن الملك كوريكالزو ملك الكيشيين يومئذٍ قد بالغ في العناية بهذا الجزء من وقعة مُلكه ببنائه لمدينة « عَقرقُوف » العظيمة التي كانت تسمّى حينذاك «دور ـ كوريكالزو». ولا تزال آثارها باقية حتّى اليوم في جوار الكاظمية على نحو ستّة أميال عنها من جهة الغرب، وهي تنطق بالمهارة الفائقة المبذولة في بناء هذه المدينة الكبيرة وصرحها الشاهق.

وتدلّنا ضخامة أبنية المدينة وجودة بنائها والإسراف فيه على أنّها ظلت مأهولة بالسكان حيناً طويلاً من الدهر، ويُرجَّح كثيراً أنّها كانت عاصمة السلالة الكيشية منذ بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد وإلى نهاية تلك السلالة.

وهكذا تظل « عَقرقُوف » هي الأثر الأول الذي وصل إلينا علمُه في أصل الأرض التي سمّيت بعض أطرافها بـ « مقابر قريش » ثمّ « مشهد باب التِّبن » ثمّ « المشهد الكاظمي » فـ « الكاظمية » بعد ذلك بعشرات القرون.

وبقيت هذه الأرض مجهولة الحقيقة في العهود التالية للعهد الكيشي كالعهد السلوقي والأخميني والفرثي والساساني، وإن رجح في أكثر الظن أنّها كانت غير خالية من الحياة والسكان ولو لغرض الزراعة في الأقل.

ويتضح من دراسة الأنهار والقرى والمدن المحيطة بدجلة، ابتداءً من « دور ـ كوريكالزو » في الشمال الغربي حتّى « المدائن » في الجنوب الشرقي: أن المنطقة التي شَيّد المنصور مدينته عليها ـ وهي منطقة بغداد بجانبها الغربي والشرقي ـ كانت عامرة برِيّها ومزارعها منذ أقدم العصور.

وأرض الكاظمية الحالية كانت جزءاً من هذه المنطقة العامرة الخضراء بلا شك، وإن لم نكن نعرف شيئاً من تفصيل ذلك.

وترشدنا كتب البلدان إلى أن القرى والمدن الواقعة جنوب أرض الكاظمية وشرقيّها وجنوبها الغربي ـ قبل الإسلام ـ كانت كثيرة متعددة، تتسلسل وتتلاحق حتّى تصل إلى مدينة « المدائن » الضخمة شرقيّ دجلة و « سلوقية » الكبرى غربيّها، وكلتا المدينتين الأخيرتين عاصمة كبيرة لدولة كبيرة، وتُعَدّان من العواصم الفخمة الرائعة في تلك العهود.

ومن أقرب تلك القرى إلى أرض الكاظمية قرية « سوانا » التي كانت واقعة في الجنوب الشرقي للكاظمية الحالية، وهي « قرية قديمة... ينسب إليها العنب الأسود الذي يتقدّم ويُبكّر على سائر العنب مَجْناه، ولما عمرت بغداد دخلت هذه القرية لعلي بن أبي طالب « رضي الله عنه » يعرف بمشهد المنطقة (1). وما زالت تسمى حتّى اليوم بـ « المنطقة » بين الكاظمية والكرخ.

وآخر عهدنا بأرض الكاظمية قبل تأسيس بغداد أنّها كانت تُسمّى « الشُّونيزي »، فإن صدقت الرواية فمقتضاها أن هذه التسمية قد أُطلِقت بعد انتهاء العهد الساساني، لأن التسمية عربية، والشونيز في اللغة هو الحبّة السوداء، والنسبة إليها شونيزي.

يروي الخطيب البغدادي ما سمعه بصدد هذه التسمية فيقول: « سمعتُ بعض شيوخنا يقول: مقابر قريش كانت قديماً تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير، والمقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير، أخَوان يقال لكل واحد منهما ـ الشونيزي ـ فدفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونُسبت المقبرة إليه.

ويستفاد من روايات بعض المؤرخين أن المنطقة المجاورة لموضع الكاظمية من جهة الشرق كانت قبل إنشاء مدينة المنصور بستاناً لبعض ملوك فارس، ثمّ أقطعها المنصورُ عمارةَ بن حمزة أحد مَواليه، فسُمّيت دار عمارة.

وفي عام 145 هـ ابتدأ المنصور العبّاسيّ بتأسيس مدينته المدوَّرة « بغداد »، واستتمّ البناء ـ في رواية الخطيب الغبداديّ ـ في سنة 146 هـ، ثمّ استتم بناء سور المدينة وفرغ من خندقها وسائر شؤونها في سنة 149 هـ.

ولما أنهى المنصور عمارة مدينته اقتطع « الشونيزي الصغير » المجاورة لمدينته من جهة الشمال فجعلها مقبرة، ولعله اعتبرها خاصة بعائلته وأسرته فسماها «مقابر قريش». وربما اختار لفظ « قريش » ليشير إلى مشاركة فيها، وقد تسمى أيضاً «مقابر بني هاشم»، ويروي الشيخ المفيد أنّها كانت مقبرة لبني هاشم والأشراف من الناس.

مقابر قريش

ومع مرور الأيّام دُرِس اسمها « الشونيزي الصغير »، واشتهرت باسمها الجديد « مقابر قريش ».

وكان أول من دفن في هذه المقابر: جعفر الأكبر بن أبي جعفر المنصور، وذلك في سنة 150 هـ، ثمّ توالى الدفن فيها بعد ذلك.

وفي عام 183 هـ لخمس بَقِينَ من رجب توفي الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام، وكان قد دُسّ إليه السم من قبل السِّندي بن شاهك فقضى عليه، وحُمل جثمانه الطاهر إلى مقابر قريش فدفن هناك حيث قبره الشريف الآن.

وذهب بعض المؤرخين إلى أنّه «دفن في موضع كان ابتاعه لنفسه في مقابر قريش»، فإن صحت هذه الرواية فإنّها لَتدل على مقدار ما حَظِيت به هذه الأرض من الأهمية خلال مدة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة عقود من السنين.

واشتهر مدفن الإمام بعد ذلك باسم « مشهد باب التِّبن »، نسبةً إلى باب التبن الذي كان في شرقيّه ممّا يَقرُب من دجلة، كما أن المسجد المجاور لقبر الإمام عليه السّلام كان يسمّى « مسجد باب التبن » أيضاً.

وفي عام 220 هـ في آخر ذي القعدة أو لخمس أو لستّ خَلَون من ذي الحجة توفي ببغداد الإمام أبو جعفر محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى بن جعفر عليهم السّلام، ودفن في تربة جده أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليه السّلام.

وأصبح السكن حول مقابر قريش ـ بعد دفن الإمامين فيها ـ في ازدياد واتساع على مرور الأيّام، وإن لم نعثر في المصادر التاريخية على نص خاص يحدد لنا تاريخاً تحقيقياً لبدء السكنى هناك.

والواقع أننا لو أمعنَّا النظر جليّاً في الموقع الجغرافي لـ « مقابر قريش » يومذاك من حيث قربها من دجلة وجودة تربتها ومجاورتها للقرى والأرياف والمزارع الوارفة الظلال، لخرجنا بترجيح يشبه الاعتقاد بكون السكنى في هذه المنطقة قديمة قِدَمَ الماء والخضراء، ولكنه ازداد اتساعاً بعد تأسيس المنصور مدينته قريبة منها واختيارها عاصمة الدولة العباسية، ثمّ أخذ طريقة التجمع والتقارب بعد دفن الإمامين عليهم السّلام، حيث دفعت العقيدة الدينية بعض الناس إلى السكنى حول المشهد لحمايته وإدارته وإيواء زائريه إضافة إلى قصد الانتفاع المادي من أولئك الزائرين بتقديم المأكل والمشرب والمأوى لهم، وكان هذا التجمع حول المشهد هو النواة الأولى لمدينة الكاظمية.

ويستفاد من مجموع النصوص التاريخية المتعلقة بالعصر العباسي الأول أن هذه المنطقة المغمورة قد قفزت قفزات واسعة إلى الإمام فأصبحت جزءاً متصلاً ببغداد، بل محلة من محلاتها، وصارت تُحدَّد يومذاك بكونها بين الحربية ومقبرة ابن حنبل والحريم الطاهري، في الوقت الذي كانت فيه بغداد من الصَّراة إلى باب التبن، ثمّ زِيد فيها حتّى بلغت كلواذى والمخرم وقَطْرَبُل.

ومعنى ذلك أن « مقابر قريش » كانت متصلة بالمحلات الآتية:

1 ـ باب التِّبن: وهو محلة كبيرة كانت ببغداد على الخندق بإزاء قَطيعة أمّ جعفر، ويلصق هذا الموضع في مقابر قريش، وكانت في عصر ياقوت الحموي ( مؤلف كتاب معجم البلدان ) خراباً صحراء لا يزرع فيها.

2 ـ قطيعة أم جعفر زبيدة بنت المنصور: محلة ببغداد عند باب التبن قرب الحريم.

3 ـ الحريم الطاهري: وهو بأعلى بغداد في الجانب الغربي بين الكاظمية والمنطقة، منسوب إلى طاهر بن الحسين. ويروي ياقوت أن العمارات كانت متصلة وهو في وسطها، ثمّ خرب جميع ما حوله وبقي كالبلدة المفردة في وسط الخراب.

4 ـ دار عمارة: منسوبة لعمارة بن حمزة أحد موالي المنصور، ويتصل بها رَبض أبي حنيفة وربض عثمان بن نُهَيك، وهو ما بين دار عمارة ومقابر قريش.

5 ـ رَبض أبي حنيفة أحد قوّاد المنصور: محلة كانت ببغداد قرب الحريم الطهري، تتصل بباب التبن من مقابر قريش.

6 ـ الحربية: وهي محلة مشهورة كبيرة عند باب حرب في شمال الكاظمية الغربي، تُنسب إلى حرب البلخي من قوّاد المنصور، وقد خرب جميع ما كان يجاورها في عصر ياقوت وبقيت وحدها كالبلدة المفردة في وسط الصحراء.

ويتضح من هذا كله أن مقابر قريش بعد أن أصبحت تعد جزءاً من بغداد ومحلة من محلاتها صارت منطقة عامرة بالسكان زاخرة بالعمران، شأنها في ذلك شأن سائر المحلات البغدادية الشرقية والغربية.

في القرن الرابع

وفي أوائل القرن الرابع كانت المنازل حول مقابر قريش كثيرة، وكان بعض تلك المنازل مشتملاً على حُجَر ولكل حُجرة باب أو أكثر، ويرشدنا إلى ذلك ما رواه مسكويه في حوادث سنة 312 هـ.

وفي عام 334 هـ سيطر معزّ الدولة البُويهي على أزمّة الحكم في بغداد، وكان من جملة أعماله خلال أيّام ملكه: تشييد المرقد الكاظمي تشييداً رائعاً في عمارته وإنزال جماعة من الجنود الديالمة ومعهم أفراد من المراوزة هناك لغرض الخدمة والحفاظ على الأمن. وكان ذلك سبباً جديداً وذا أهمية في توسع السكن وانتشار الدُّور حول المشهد.

وكان من جملة آثار استتباب الأمن في العهد البويهي والتصاق ـ أو اندماج ـ مقابر قريش ببغداد: ذهاب الناس في أعداد غفيرة إليها في الجمعات والمواسم والمناسبات الدينية. ولابد أنّه كان في المشهد وحوله من محلات الراحة والأكل والشرب والوقاية من البرد والمطر وشمس الصيف ما يناسب تلك الأعداد الضخمة التي كانت تُهرَع إلى المشهد في كل مناسبة دينية، كذكرى عيد الغدير وذكرى مقتل الإمام الحسين عليه السّلام يوم عاشوراء وفيما شابه ذلك من المناسبات.

وفي سنة 367 هـ أصيبت البلدة بالغرق، ولم تصلنا تفاصيل ذلك.

وفي النصف الثاني من القرن الرابع تأصّل السكن في هذه المدينة حتّى صحّ أن يُطلَق على المقيمين هناك اسم السكّان، كما حدث عندما أمر عضد الدولة البويهي بإطلاق الصِّلات لأهل الشرف وغيرهم من ذوي الفاقة.

وكان من أسباب ازدياد العمران في هذه المدينة الناشئة أن أبا طاهر سباشي الملقب بالسعيد حاجب شرف الدولة بن عضد الدولة قام بحفر ذُنابة لنهر دُجَيل وسَوق الماء منها إلى مشهد موسى بن جعفر عليه السّلام، وكان ذلك ما بين عام 376 ـ 379 هـ وهي أعوام مَكْث شرف الدولة ببغداد.

في القرن الخامس

ويستفاد من النصوص التاريخية المتعلقة بتلك الفترة تَزايدُ السكان حول المشهد في أواسط القرن الخامس، وإن كثيراً منهم من العلويين، كما يستفاد منها أيضاً وجود دور للسكنى داخل سور المشهد ودور خارجه. جاء في رواية ابن الجوزي في حوادث سنة 450 هـ ما نصه: « وحُمل الخليفة إلى المشهد بمقابر قريش وقيل له: تبيت فيها، فامتنع وقال: هؤلاء العلويون الذين بها يُعادوني ».

وفي غرق سنة 466 هـ ـ وكان بالِغَ الخطر ـ تَهدّم سُور المشهد، وتقضي العادة بتأثر ما يحيط بالمشهد من الدور بالماء، ولكننا لم نعرف تفصيله.

في القرن السادس

في فتنة 517 هـ جاء العلويون الساكنون حول المشهد إلى ديوان الخليفة يشكون ما أصابهم وأصاب المشهد، وهو الأمر الذي يدل على سكنى عدد كبير منهم هناك.

وتأثرت بلدة المشهد الكاظمي بغرق سنة 554 هـ، ثمّ بغرق سنة 569 هـ، وكان الغرق الثاني شديداً جداً أدى إلى هدم البيوت وأكثر سور المشهد.

والظاهر أن البلدة قد أصبحت مأهولة بالسكان بنحو يصح أن يقال فيه: « أهل مشهد موسى بن جعفر »، كما يقال: « أهل الكرخ » أو « أهل المختارة »، وكانوا كثيري العدد. ويروى أن نائب الوزارة ابن العطار أساء إليهم بقسوة بالغة وقطع أرزاقهم وبدد شملهم.

في القرن السابع

ولما حدث فيضان سنة 614 هـ أثَّر في المشهد ومدينته أثراً بالغاً، فقام الناصر لدين الله بتعمير ما خرّبه الماء كما شيَّد سوراً جديداً للمشهد.

وعندما حدث فيضان سنة 646 هـ ـ وكان فظيعاً جداً ـ أثَّر في مدينة المشهد أثراً كبيراً، وكذلك فيضان سنة 654 هـ.

استقلال مدينة الكاظمية

ويحسن بنا وقد انتهينا إلى أواسط القرن السابع أن نقف قليلاً لنرى ما طرأ على هذه المنطقة من تطور وتقدم خلال العصر العباسي الطويل الحافل. والمُشاهَد أن هذه الأرض قد سارت بخطى سريعة في طريق الأزدهار، فانتقلت ـ في فترة قصيرة من عمر الزمان ـ من مقبرة خاصة ببني هاشم أو القرشيين والأشراف من الناس إلى مشهد زاهر خاص بالإمامين الكاظم والجواد عليهما السّلام ثمّ إلى محلة من محلات بغداد العامرة المشهورة، وأخيراً إلى مدينة قائمة بنفسها فيها كل معالم المدن ومرافقها الرئيسية.

وهكذا انطوى العصر العباسي وبلدةُ المشهد الكاظمي « محلةٌ عامرة، فيها خَلقٌ كثير، ذات سور، مفردة ».

ولم نعثر فيما بين أيدينا من مصادر على تحديد لتاريخ انفرادها عن بغداد وصيرورتها مدينة ذات كيان خاص، ولكن الراجح أن ذلك قد تحقق في أواسط القرن الخامس إثر الفتن والاضطرابات التي عمّت العراق وخصّت بغداد نفسها، فدمّرت البلاد وأشاعت الخراب، وسببت انكماش بغداد على نفسها، فانفردت الكاظمية عنها على أثر هذا الضمور والانكماش.

ولما كان خراب بغداد قد ظهر أثره في أوائل القرن الخامس، فإن بدء استقلال مدينة الكاظمية كان في هذه الفترة أيضاً، وربما يؤكد ذلك ويؤيده تعيين النُّقَباء الخاصّين بالمشهد الكاظمي ـ ابتداءً من أوائل القرن الخامس ـ ولم يكن قبل ذلك، حيث يرشدنا إلى بدء انفراد البلدة وازدحامها بالسكان أيضاً بالشكل الذي تدعو فيه الحاجة إلى تعيين نقيب خاص بها غير نقيب العلويين أو الطالبيين ببغداد.

ومهما يكن من أمر، فإن بلدة المشهد الكاظمي قد أصبحت في أُخرَيات العصر العباسي مدينة مفردة تضم سائر مقتضيات المدن ومرافقها من دُور وسكان وعمارة ومؤسسات. ونوجز في أدناه ـ لزيادة الإيضاح ـ جريدة ببعض تلك المشتملات.

وصف مدينة الكاظمية من الداخل

كان المشهد في وسط المدينة قريباً من طرفها الشمالي الغربي، وقد اشتمل على: قبة فخمة، وصندوقين من الخشب الجيد على القبرين، إبهاء وأروقة حول الروضة، أبواب متعددة، صحن فيه حُجَر وإيوان واحد أو أكثر، تُرَب كثيرة حول المشهد، سور يحيط بالمشهد كله، دار للأيتام، دار قرآن لتعليم الخط والقراءة والقرآن الكريم، مكان خاص لدراسة الفقه والحديث، مكتبة، دار لاستراحة الزائرين وإطعامهم في شهر رمضان في الأقل، مارستان « مستشفى » فيه الأدوية والأشربة والمعالجون، نقيب يشرف على شؤون المشهد والبلدة.

وكانت المناسبات الدينية ـ في هذه الفترة الأخيرة من العصر العباسي ـ غاصة بجماهير الزائرين، وفيهم الخليفة ووزراؤه. ثمّ كانت أسر علوية متعددة ـ في هذه الفترة ـ قد اختارت الكاظمية مقراً لسكناها كـ « بني الحدّاد » و « بني نازُوك » و « بني الحطب » وآخرين غيرهم.

كما كان من جملة سكانها أعلام فقهاء وأدباء مبرّزون وعلماء دين لامِعون، عرفنا منهم أفراداً وضاع عنَّا الباقون، بسبب إهمال التاريخ لهم أونسبتهم إلى بغداد، تغليباً لها على كل ما يجاورها من محلات وبقاع.

في الغزو المغولي

في الشهر الأول من عام 656 هـ حاصر الجيش المغولي بغداد، وتم احتلالها يوم الاثنين الثامن عشر من المحرم أو بعد ذلك بأيّام، ورافق هذا الاحتلال عدد من حوادث التخريب والتلف وضروب من المصائب والنكبات.

وعلى الغرم من خروج بلدة المشهد الكاظمي عن خط زحف الجيش المحتل وعدم وجود أية قوة عسكرية عباسية فيها، فقد أُصيبت بشيء من ذلك الخراب العام، كما أصيب المشهد نفسه بالحريق. وسارع الوزير ابن العلقمي إلى الأمر بإصلاح ما تلف وتجديد ما اندثر من البلدة، كما قام صدر الوقوف شهاب الدين علي بن عبدالله بعمارة ما أتلفه الحريق في المشهد المطهر.

في القرن الثامن

ما أن أصل القرن الثامن حتّى كانت المدينة قد سارت أشواطاً في طريق تقدمها، عاجّةً بسكانها، صاخبةً بزوّارها القادمين إليها. يصفها حمد الله المستوفي ـ في أوائل القرن الثامن ـ فيقول: إنها مدينة صغيرة يبلغ طول محيطها آلاف خطوة، وأن سكانها ستة ألاف نسمة.

ويشير إليها صلاح الدين الصَّفَدي في أثناء حديثه عن بغداد ومحلاتها السبعة، فيعتبرها خامسةَ تلك المحلات وأنها مسوّرة.

أما الحنبلي فيذكر أنّها « محلة فيها خلق كثير، وعليها سور ».

وبدأ استعمال لقب « كاظمي » في هذه الفترة، حيث جاء في ترجمة السيّد عبدالكريم آل طاووس ـ وهو من سكان الكاظمية في أواخر القرن السابع ـ أنّه « حلّي المنشأ، بغدادي التحصيل، كاظمي الخاتمة ».

والمؤسف أن تظل معلوماتنا عن هذه الفترة وما طرأ على الكاظمية خلالها ضئيلة جداً، بل بحكم العدم.

في القرن العاشر

وفي أوائل القرن العاشر الهجري دخلت الكاظمية عهداً جديداً من الشأن والاستقلال الإداري الداخلي، وأصبحت مدينة لها كيانها ودورها في الشؤون العامة.

وبدأت الخطوة الأولى نحو هذا العهد الجديد في سنة 914 هـ ـ وهي سنة سيطرة الصفويين على العراق ـ فقد زار الشاه إسماعيل الصفوي الكاظمية وأمر بتشكيل إدارة خاصة بالبلدة ومحكمة شرعية يرأسها قاضٍ يحمل لقب « شيخ الإسلام »، وقد عيَّن الشيخ عبدالله قنديل بهذا المنصب. كما أمر الشاه بتشييد المشهد الكاظمي تشييداً رائعاً فخماً، وتعيين الرواتب لخدام المشهد والمسؤولين عنه.

وعندما زال الاحتلال الصفوي وتم للسلطان سليمان القانوني احتلال العراق سنة 941 هـ لم يتغير وضع الكاظمية السابق، ولما زارها السلطان أمر بإكمال بعض ما لم يتم من عمارة المشهد، وأقرّ رواتب سدنة المشهد والعاملين به.

في القرون الأربعة الأخيرة

حفلت القرون الأربعة الأخيرة ـ أي منذ الاحتلال الصفوي إلى نهاية الاحتلال العثماني ـ بما لا يمكن وصفه من مأسي الأوبئة والطواعين والغرق، وكانت من العنف والشدة والتتابع بشكلٍ حَدَّ من تطور الكاظمية، بل تطور العراق كله إلى أبعد الحدود.

وعلى الرغم من كل هذه العوائق المانعة لأي تقدم وازدهار فقد سارت الكاظمية بخطوات ثابتة في طريقها نحو التقدم، وحافظت على كيانها الخاص خلال العهد الصفوي الأول فالعهد التركي الأول فالعهد الصفوي الثاني ثمّ العهد التركي الثاني والأخير.

ولما تولى مدحت باشا حكم العراق جعل الكاظمية قضاءاً يديره « قائمُ مقام » بعد أن أضاف إلى حدود الكاظمية الإدارية بعض الأراضي والمقاطعات المجاورة.

وتوالت الإصلاحات على الكاظمية خلال مدة حكم مدحت باشا، وكان في طليعتها أمره بتأسيس شركة الترامواي لتسهيل أمر النقل بين الكاظمية وبغداد، ومُدّت سكة الحديد لمسافة سبعة كيلومترات بين كرخ بغداد والكاظمية، وكانت عربات الترامواي تجرّها الخيول.

وفي نحو سنة 1320 هـ أمر المشير هدايت باشا قائد الفيلق العسكري السادس في بغداد بعمل جسر من الخشب عائم بين الكاظمية والأعظمية على نهر دجلة، وبذلك ارتبطت الكاظمية بالجانب الشرقي من بغداد بعد أن ارتبطت بالجانب الغربي منها بواسطة الترامواي.

وفي يوم السبت 24 رجب سنة 1318 هـ تمّ وضع حجر الأساس لبناء سراي الكاظمية، وأُقيم احتفال بهذه المناسبة حضره الوالي نامق باشا والمشير أحمد فيضي وغيرهما من رجال الدولة والوجوه.

وعلى الرغم من قلة المعلومات المتوفرة عن هذه الفترة، فإن النتف المارة الذكر ترشدنا بوضوح إلى استمرار التقدم في البلدة خلال هذه السنين.

ويؤسفنا جداً أن تُعدَم تلك الفترة جداول إحصاء تلقي الأضواء على وضع البلدة من النواحي البشرية والاقتصادية والعمرانية، سوى بعض الإشارات المقتضية التي لا تشبع نَهَم الباحث، ولكنها لا تخلو من الفائدة على كل حال.

فلقد روى المنشي البغدادي أنّه كان في الكاظمية سنة 1237 هـ ثلاثة آلاف بيت. ولو قدّرنا سكان كل بيت بما معدله خمسة أفراد كان مجموع سكان المدينة خمسة عشر ألف نسمة.

وقُدّرت بيوتها في سنة 1273 هـ بألف بيت، وكان عدد الخانات في تلك السنة خمسة، والحمامات أربعة.

وقدرت بيوتها أيّام الاحتلال البريطاني بثلاثة آلاف دار، ونفوسها بخمسة عشر ألف نسمة.

النشاط العلمي والثقافي

أمّا الوضع العلمي والفكري للكاظمية فكان أكثر تقدماً واتساعاً وعمقاً من وضعها العمراني، فقد أنجبت هذه البلدة ـ خلال عمرها الطويل ـ عدداً كبيراً جداً من الفقهاء والأدباء والشعراء والمفكرين والأطباء.

وضمت الكاظمية بين جوانحها مجموعة من المدارس الدينية التي تُعنى بتدريس العلوم الإسلاميّة، وكانت عامرة زاهرة بطلاّبها وأساتذتها وفي طليعتها مدرسة الفقيه السيّد محسن الأعرجي، المؤسَّسةُ في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، كما ضمت البلدة عدداً كبيراً من المكتبات الضخمة الحافلة بنفائس المخطوطات وأمهات الكتب.

وإن صح ما يُروى من تأسيس أول مطبعة عراقية حجرية في الكاظمية في سنة 1237 هـ، فإن ذلك يُعدّ في صدر قائمة النشاط العلمي لهذه المدينة في النصف الأول من القرن الماضي.

الوضع السياسي

ومن الناحية السياسية كان للكاظمية رأي وصوت في الشؤون والمشاكل العامة منذ العهد الصفوي الأول حتّى نهاية العهد العثماني الأخير.

وكان أبرز مواقف الكاظمية السياسية: موقفها خلال الحرب العالمية عندما هجم البريطانيون على البصرة، ووصلت برقية استنجاد من وجوه البصرة إلى علماء الكاظمية بتاريخ يوم الاثنين 20 ذي الحجة سنة 1333 هـ، فأصدر العلماء أمراً بوجوب الدفاع عن كل مسلم.

وفي يوم الثلاثاء 12 محرم سنة 1333 هـ خرج السيد مهدي الحيدري قاصداً ساحة الحرب وبصحبته الشيخ مهدي الخالصي وجماعة من المجاهدين، وخرجت البلدة بأسرها لتشيّع ركب الجهاد الزاحف.

ثمّ تواردت على الكاظمية وفود العلماء الزاحفين نحو المعركة من النجف الأشرف وكربلاء، وكانت البلدة تستقبل كل واحد منهم بمنتهى الترحاب والتكريم وتودّعه بمثل ذلك.

واحتل الجيش البريطاني الكاظمية في الساعة التاسعة الغروبية ودقيقتين من عصر اليوم السابع عشر من جمادى الأولى سنة 1335 هـ، فطُويت صفحة احتلال طويل لتبدأ صفحة احتلال آخر.

ولم تنقطع الكاظمية بعد الاحتلال البريطاني الغاشم عن العمل الجاد في محاربته بكل ما أُوتيت من طاقات وقوى مادية ومعنوية، بل كان لها من الدور الكبير في مكافحة المحتل ما حمل ( المس بل ) في رسائلها على وصف هذه البلدة بـ « المتطرفة في إيمانها بالوحدة الإسلاميّة، والمتشددة في مناوأة الإنكليز ».

وحسبنا من نشاط الكاظمية السياسي في محاربة الاحتلال أن نقرأ ما كتبه الكاتب الإنكليزي ( فيليب أيرلاند ) إذ يقول ما نصه:

« وكان الشعور المعادي لبريطانيا في الكاظمية شعوراً قوياً جداً، فقد هدد العلماءُ جميعَ من يصوّت للاحتلال البريطاني بالمروق عن الدين ».

ثمّ حَسبُنا من ذلك النشاط ما ذكره مؤرخو الثورة العراقية الكبرى مِن سَبق الكاظمية في العمل ضد الاحتلال، ومن طبع المنشورات الكاظمية وتوزيعها سراً بتوقيع ( الجمعية الإسلاميّة العربية )، الأمر الذي أقضَّ مضجع السلطة العسكرية المحتلة، فبثت العيون والجواسيس لمعرفة أعضاء هذه الجمعية فلم تقف لهم على أثر أو خبر.