b4b3b2b1
لماذا يرفض المجتمع زواج المطلقة والأرملة؟ | هيئة أنصار الزهراء (عليها السلام)... الخدمة الحُسينية عنوان فخر وإعتزاز | النظام الزراعي وتطوّره في المنظور الإسلامي | الرباب زوجة الحسين عليه السلام | مطالبات ملحة بإيجاد أسواق خاصة بالنساء في كربلاء.. تقرير جديد | أسعد بن أحمد الطّرابُلْسيّ | أمنة بنت الشريد | الاقبال على الدراسات العليا تحقيق للطموح العلمي أم خوف من البطالة | أم البنين..معالي التضحية والوفاء | هيئة القرآن الحكيم والأمور الخيرية.. منبر رسالي ويد للعطاء | العلم ودوره في إنقاذ الإنسان.. من رؤى الفقيه الشيرازي حول طلب العلم في الإسلام | تحرير المرأة بين جمال الشكل وخواء المحتوى .. من روى سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) |

الشيخ عبد الزهرة الكعبي صوت يتكرر عبر اثير الفاجعة الحسينية

3782

 

18 جمادى الأولى 1433 - 11/04/2012

خاص

اسمه الشيخ عبد الزهرة بن فلاح بن عباس بن وادي آل منصور من قبيلة بني كعب الشهيرة، احد عمالقة المنبر الحسيني الكبير كرس حياته لمحبة اهل البيت عليهم السلام، وصدح صوته في اروقه الازقه القديمة بالطور الكربلائي القديم والاصيل، وکان الخطيب الحسيني الشهير المرحوم الشيخ عبد الزهرة الكعبي رحمة الله عليه، رجلاً مخلصاً لله نية، لم يُر مثله خطيب لا يُبَحُّ صوته رغم خطابته المستمرة والمتعددة.

ولد الشهيد الكعبي في مدينة المشخاب في يوم العشرين من شهر جمادى الآخر عام 1327هـ الموافق 8 يوليو 1909م، في يوم ذكرى مولد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام ولذلك سمي بـ (عبد الزهرة).

نشأ وترعرع في ربوع كربلاء المقدسة بعد أن شد عوده وقوي ساعده دخل معاهد العلم والأدب عند الكتاتيب آنذاك يسمى بـ(الملا) فتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم كله وهو في سن مبكر خلال ستة أشهر على يد المرحوم الشيخ محمد السراج في الصحن الحسيني الشريف، وفي علم العروض على يد الشيخ عبد الحسين الحويزي، ثم أصبح من أساتذه الحوزة العلمية الشريفة في كربلاء حيث كان يلقي دروسه في الفقه الإسلامي واللغة العربية وفن الخطابة على عدد من طلبة الحوزة والعلوم الدينية وتولى التدريس في مدرسة الإمام القائم ومدرسة السيد المجدد الشيرازي ومدرسة (باد كوبة) الدينية وغيرها كما درس الأحاديث النبوية وخطب نهج البلاغة.

وقد نزحت أسرته من المشخاب واستوطنت كربلاء. وهو رجل عراقي يعد من أشهر خطباء المنبر الحسيني في العراق ودول الخليج. وهو أول من أحسن قراءة مقتل الإمام الحسين عليه السلام في يوم العاشر من المحرم وقراءة مسير السبايا في يوم الأربعين.

لقد قال لي الشيخ عبد الزهرة مباشرة وكنت ضمن جمعٍ من المؤمنين: قد أرتقي في كلّ يوم من أيام عاشوراء ثمانية عشر منبراً، وحينما يدعوني أشخاص آخرون للخطابة في مجلس أهل البيت عليهم الصلاة والسلام الخاصة بهم، وأعتذر لهم في البداية، يعودون عليَّ بالإصرار والتأكيد على أن أقطع من كل مجلس أخطب فيه قليلاً من الوقت ليتوفر في النهاية وقت خاص بمجلسهم.. فأقوم بتلبية طلبهم المبارك هذا.

ولأنه كان مقاومًا رافضًا للظلم الذي كانت تغوص فيه العراق، ضاق به البعثيون لتمرده عليهم ولإعلانه موقفه الرافض للرضوخ لهم، فتعرّض هو والعديد من العلماء الذين انتهجوا نهجًا مماثلا لأقسى أنواع الظلم والتعذيب، وتمّ اعتقاله مع كلٍ من الشيخ حمزة الزبيدي، السيد كاظم القزويني والسيد مرتضى القزويني والشيخ حميد المهاجر، وذلك لقيامهم بالتوقيع على برقية إلى رئيس الحكومة في ذلك الوقت "البكر" مطالبين فيها إطلاق سراح الشهيد السيد حسن الشيرازي "قدس سره" حيث حكم عليه بالحجز الاحترازي لمدة أربعة أشهر وأُطلق سراحه بعدها وذلك عام 1969م.

وذات مرّة؛ قصده الشيخ رديف وكان خطيباً منبرياً وسأله قائلاًَ: ماذا تعمل لكي لا يُبحّ صوتك، لاسيما في ليلة عاشوراء حيث تكون حنجرتك في أفضل حال؟

فأجابه الشيخ الكعبي: إنني أذهب إلى السوق في يوم تاسوعاء لأشتري شيئاً من الخل وأشربه، ثم أقصد ضريح الإمام الحسين سلام الله عليه، وأمرّ بحنجرتي على الضريح المقدس..

فقام الشيخ رديف بما قاله الشيخ الكعبي في يوم تاسوعاء، ولكن صوته اضطرب أيما اضطراب وعجز عن القراءة والخطابة في مجالسه طيلة السنة تلك.

وإن الشيخ عبد الزهرة الكعبي كان على درجة عالية وعجيبة من الإيمان والإخلاص اللذين كانا سبب سلامة صوته الدائمة.

وقد كان من فضائل هذا الخطيب الحسيني أنه ولد في يوم ذكرى ولادة الصديقة الزهراء سلام الله عليها. كما رحل عن الدنيا في يوم استشهادها، وهو الأمر الذي لم أسمع به ولم أعرفه لشخص آخر.

وحينما توفي الشيخ الكعبي لم يكن يملك أكثر من بيت واحد كان مديناً بنصف قيمته، مع ما كان يتسلم من أموال طائلة كمكافأة على خطابته، ولكنه كان ينفق جميع أمواله في سبيل الله تعالى سرّاً وعلانية.

ولعلنا سنرى المقام العظيم لخادم أهل البيت عليهم السلام الشيخ الكعبي في الجنان لما قدّمه من أعمال فذة وبنيّة مخلصة قامت على حبّ الله تعالى وحبّ أهل بيت نبيه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

حضر مباديء العلوم على الحجة الشيخ علي بن فليح الرماحي، ثم درس الفقه والأصول على العلامة الشيخ محمد داود الخطيب، وأخذ المنطق والبلاغة على العلامة الحجة الشيخ جعفر الرشتي.

أما الخطابة فقد أخذها على الخطيبين الجليلين الشيخ محمد مهدي المازندراني الحائري المعروف بـ(الواعظ) وخطيب كربلاء الأوحد الشيخ محسن بن حسن أبو الحب الخفاجي ثم برع فيها واشتهر، وذاع صيته في الآفاق مخلصاً متفانياً في خدمة الإمام الحسين سيد الشهداء عليه السلام.

فكانت له المجالس العامرة بالجماهير من الرجال والنساء والأطفال في مساجد كربلاء وحسينياتها ودورها وأسواقها فضلاً عن مجالسه في مدن العراق الأخرى مثل بغداد والنجف الأشرف والحلة والدجيل والمشخاب والبصرة والديوانية والشطرة والمجر الكبير والأهواز.

وقد سافر لعدد من الدول العربية من أجل التبليغ بإشارة من مراجع الدين العظام أمثال آية الله السيد محسن الحكيم وآية الله السيد الشيرازي وبعض أهل العلم والفضيلة فذهب إلى مملكة البحرين والقطيف والأحساء وجنوب إيران وغيرها من البلدان خارج العراق. ونال إعجاب المستمعين وتأثرهم بمجالسه، لما له من دور متميز في هذا الفن، فضلاً عن سجاياه الحميدة وطباعه الكريمة التي شهد بها له الصديق والعدو والقريب والبعيد.

دروس من خطابته

امتاز الشهيد الكعبي (قدس سره) بقدرته المنبرية الفائقة المتمثلة في قوة البيان والشجاعة في عرض الأفكار المقدسة للإسلام الحنيف وفي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما كان مهتم بحفظ القرآن الكريم، والتأكيد على حفظ الأحاديث الشريفة للنبي وأهل بيته الكرام (عليهم السلام) بنصها، فضلاً عن اهتمامه بالجانب الأدبي بانتقائه البليغ من عيون الشعر وعلى هذا يمكننا أن نستفيد بأن المواد الأولية للمنبر الحسيني الشريف ومقوماته هي:

1ـ القرآن الكريم.

2ـ الأحاديث والخطب النبوية.

3ـ الشعر العربي الأصيل.

ثم يأتي بعدها اختيار موضوع المنبر من التاريخ والأخلاق والتفسير والسيرة وغيرها. وقد هيأ الشهيد الشيخ الكعبي (قدس سره) جيلاً من الخطباء البارعين بخطاباتهم وتأثيرهم في المجتمع، فكان يؤكد عليهم في دروسه بالاهتمام بالمنبر الشريف ومقوماته وعوامل التوفيق لخدمته المقدسة، فتخرج من تحت منبره ودرسه عدد من الخطباء الكبار يربو عددهم على (300) خطيب حسيني بارع منتشرون في البلاد الإسلامية أمثال الشيخ ضياء الشيخ حمزة الزبيدي والخطيب الشيخ على الساعدي والخطيب الشيخ عبد الرضا الصافي والخطيب الشيخ عبد الحميد المهاجر والسيد محمود الخطيب والشيخ أحمد عصفور وغيرهم.

معاناته

عُرف (قدس سره) بإخلاصه وتفانيه في خدمة أهل البيت (عليهم السلام) و كان زاهداً في الدنيا وحطامها، فلقد كان معروفاً بجهاده أينما حل، ومناهضته ضد الباطل والانحراف والظلم والجور والتعدي مهما كانت نتائجه والمعاناة بسببه حيث المضايقة من قبل الطغاة وأعوانهم لمن سلك هذا السبيل المقدس المناصر للحق على مر العصور كما هو معروف.

ولقد كان له دور متميز بجهاده في تربية الجيل من الشباب بالثقافة الإسلامية والتسلح بالوعي بمخاطر الانحراف والظلم وذلك من خلال منبره ومشاركته في مشاريع التوعية والتربية أينما حل (رضوان الله تعالى عليه).

أي أنه كان يتميز من دون باقي أقرانه بالجرأة المشهودة واهتمامه بالشباب وكان يمانع من إخراج الأطفال من المجلس قائلاً: (إن اهتمامنا عملياً ينبغي أن ينصب على هؤلاء لأنهم الثمرة في المستقبل. وكذلك تميز بالذكاء وقوة حافظته حيث المخزون العلمي الذي كان يتبين من خلال مجالسه المؤثرة في مستمعيه فكان يطرح المعلومات التاريخية والبحوث العقائدية والتي لا يراجع بها كتاباً في موسم التبليغ.

وساهم مع وجهاء بعض المناطق التي كان يذهب إليها في موسم التبليغ في حل كثير من المشاكل الاجتماعية والعائلية مهتماً بإصلاح ذات البين.

وكما سعى في تزويج كثير من الشباب المؤمن بالمال والجاه مؤثراً في أوساط المجتمع وعلى العموم فلقد كان عالماً عاملاً مجاهداً، دمث الأخلاق متواضعاً، لا يشعر جليسه بأي حرج في طرح الأسئلة معروف بالنوادر وظرف الحديث والمزاح المتزن.

وقد نقل عن جهاده ومواقفه الشيخ ضياء الزبيدي وهو من تلامذته قائلاً: (تم اعتقال الشهيد السيد حسن الشيرازي (قدس سره) من قبل السلطة البعثية الجائرة في العراق. فبادر بعض خطباء كربلاء برفع برقية إلى (البكر) طالبين إطلاق سراح السيد، فما كان من السلطة إلا أصدرت أمراً باعتقال الموقعين على البرقية وهم الشيخ عبد الزهرة الكعبي، الشيخ حمزة الزبيدي، السيد كاظم القزويني والسيد مرتضى القزويني والشيخ عبد الحميد المهاجر.

فتمكنت السلطة من اعتقال الشيخ الكعبي والشيخ حمزة الزبيدي واختفى الآخرون. فكان اعتقال الكعبي والزبيدي في دائرة أمن كربلاء لمدة ثلاثة أيام نُقلا بعدها إلى مركز أمن (الحرية) ثم مديرية الأمن العامة في بغداد. بعدها تم نقلهما إلى سجن (بعقوبة) حيث حكم عليهما بالحجز الاحترازي لمدة أربعة أشهر أُطلق سراحهما بعدها وذلك عام 1969م.

استشهاده

ولا يزال يواصل مسيرته الجهادية المقدسة، سيما جهاده المنبري الذي كان مدوياً، ولم يكترث فيه من مضايقات الطغاة وأساليبهم القمعية الإرهابية، فما كان منهم إلا أن سخّروا بعض جلاوزتهم لدسّ السمّ القاتل إليه في القهوة التي قدمت له في مجلس فاتحة حضره الشيخ الكعبي وبعض تلامذته، فرجع إلى مجلسه في صحن العباس (عليه السلام) وأثناء قراءته أصابته حالة إغماء سقط على أثرها من على المنبر وفي طريقه إلى المستشفى عرجت روحه الطاهرة إلى ربها راضيةً مرضية في ليلة شهادة فاطمة الزهراء عليها السلام في يوم 13 جمادى الأولى سنة 1394هـ الموافق 3 يونيه 1974م، أعقب الشهيد الكعبي (قدس سره) ولدين هما (علي، عبد الحسين).

تشييعه

كان يوماً مشهوداً في مدينة كربلاء بل في العراق، فقد زحفت الجماهير من كل حدب وصوب للاشتراك في تشييع جثمانه المقدس عبر الخط الطويل من داره إلى مرقده في الوادي القديم بعد إتمام الزيارة والصلاة عليه.

وكانت مراسيم تشييعه مشابهةً تماماً لمراسيم تشييع مراجع الدين الكبار، حيث وضع جثمانه في (العماري) وهي نعش خشبي كبير يوضع فيه التابوت احتراماً للمتوفى. ثم انطلقت المسيرات العزائية الحزينة في مقدمة الجنازة. وقد ضجت لوفاته كثير من البلاد الإسلامية فكتبت عنه الصحف والمجلات وأقيمت على روحه مجالس الفاتحة في كثير من البلاد داخل العراق وخارجه.

رحم الله خادم اهل البيت عليهم السلام الحاج المقرئ عبد الزهرة الكعبي.