b4b3b2b1
أمنة بنت الشريد | لماذا يرفض المجتمع زواج المطلقة والأرملة؟ | المقداد ابن الأسود الكندي | الخطوات العملية المطلوبة لتحسين البيئة عالمياً.. من رؤى الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) | المواقع الإلكترونية.. نافذة للتواصل مع المرجع الشيرازي | قناة الأنوار الفضائية خطوة ناجحة ببركة أهل البيت (عليهم السلام) نحو نشر الإعلام الملتزم | نساء النجف طقوس دينية ومجالس عزاء خاصة | الهيئات العاشورائية إرثٌ حسينيٌ ومفهوم ٌعقائديٌ يتوارثه الكربلائيون | سحر الانترنت... ينذر بتفكك الأسرة العراقية وضياع الأزواج | النظام الزراعي وتطوّره في المنظور الإسلامي | هاشم المرقال | تحرير المرأة بين جمال الشكل وخواء المحتوى .. من روى سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) |

أبو محمد الكتبي: الكتاب هو خير مؤرخ للتاريخ

3754

 

11 جمادى الأولى 1433 - 04/04/2012

يمكن القول أن الاهتمام بالكتابة وتامين أدواتها ، فضلا عن ابتكار أساليب تدوين الوقائع والأحداث استولي على

حيز كبير من تفكير أهل العراق مذ أن خط أول حرف على أديم سومر ، فلا غرو أن يجهد كثير ممن يعيش على ارض الرافدين بصناعة الورق وتجليد الكتب ، إضافة إلى التفنن بإنشاء خزائن الكتب، فكان أن برعوا في هذه الفنون حتى أصبح بعض العلماء أو الفقهاء اوالكتاب أو الباحثين مأسورا بمزاولة أعمال الورق وتغليف الكتب وتجليدها في المنازل ، إلى جانب الانشغال بالكتابة والتوثيق والتأليف، وكان ان ظهر في خضم هذا الواقع كثير من أهلنا وقد تملكته رغبة جامحة في التعامل باحترام واعتزاز مع الكتاب سعيا في الحفاظ على ذاكرة الأمة وما علق بها من سير وانجازات العلماء والفقهاء وأهل البحث والثقافة والفنون وغيرهم ، مما استلزم زيادة الاهتمام بالمكتبات . وقد قدر لهذه العدوى الثقافية إن تنتقل من جيل إلى جيل ،حتى وصلت المعاصرين الذين يرجع أليهم الفضل الكبير في حفظ ما وصلهم من كنوز تراثنا الفكري والعلمي والثقافي الذي أنتجته عقول مبدعينا . ولا أخطئ القول أن المكتبات وان اختلفت مساحاتها وأماكن تواجدها وما متاح لها من إمكانيات ، ماتزال الحواضن الأمينة لمختلف أوعية تسجيل المعلومات التي استخدمها الإنسان لتوثيق ما أفرزته البشرية من نشاط فكري وحضاري ومعرفي عبر مختلف عصور التاريخ المتعاقبة .

وتثمينا للجهد السخي الذي بذله بعض الذين عبروا عن إدراكهم العميق لأهمية المكتبات ودورها في المحافظة على سلامة النشاط الإنساني ، بوصفه احد الجسور المهمة التي بمقدورها تحقيق التواصل المعرفي والحضاري والإنساني ، كانت لنا في واحد من صباحات العراق الباسمة جلسة حوارية مفعمة بالإثارة والذكريات مع السيد عبد الرضا غالي الخياط صاحب مكتبة النجاة في ناحية بغداد الجديدة ، الذي اشتهر بين أحبته وزبائنه وفي أسواق الكتب والوراقين باسم (أبو محمد الكتبي ) . ولان الذكريات صدى السنين الحاكي بحسب شوقي أمير الشعراء ، بدأت رحلتي الحوارية مع السيد أبو محمد الكتبي بسؤاله بداية عن تاريخ علاقته بالكتاب .

وبعد ارتشافه قليلا من قدح الشاي الذي لم يعد ساخنا بسبب انشغاله مع احد الزبائن ، بادرني القول : تعود علاقتي بالكتاب إلى منتصف ستينيات القرن الماضي ، حين وطأت قدماي أول مرة شارع المتنبي في سوق السراي ببغداد بحثا عن كتاب يروي حكاية احد شعراء العراق المعاصرين ، ثم ما لبث أن تبعتها بعدئذ زيارات متكررة للنهل مما تعرضه كنوز المتنبي وخزائنه من زاد ثقافي كان له الأثر الكبير في تشكيل باكورة مراحل نضجي المعرفي الذي منحني كثير من ألأجوبة الشافية لما كان يدور بخلدي من تساؤلات الصبا التي كانت أشبه بطلاسم مجهولة المضامين حينئذ . فكان أن توثقت علاقتي بالكتاب الذي أسهم باتساع بصيرتي وآفاق معرفتي بعد أن دفعني فضولي المعرفي إلى الإكثار من قراءة كتب الأدب والفنون وتاريخ الشعوب التي كنت مواظبا على مطالعتها والاحتفاظ بها . ومع تعاقب الأيام تنامت عنوانات مكتبتي الشخصية حتى وصلت إلى مايربو على الستة آلاف كتاب ، مما سبب لي حرجا مع أهلي الذين ضاقوا ذرعا بتلال الورق التي احتلت مساحة واسعة من منزلنا الصغير . وقد وصل الأمر إلى درجة اتهام عائلتي وبعض الأصدقاء إياي بالجنون ؛ نتيجة إدماني على مطالعة الكتب والاحتفاظ بها بأرفف مكتبتي في ظل صعوبة ظروفي المادية وقسوتها . وعلى الرغم من اضطراري بيع بعض من مكونات إمبراطوريتي الورقية سعيا في مواجهة أزماتي المالية ، فان هذا النشاط لم يثبط من عزيمتي في الاستمرار باقتناء غيرها عند تحسن الظروف ، مما أسهم بتنامي حدود مملكتي المعرفية بعد أن أضيفت أليها أقاليم جديدة من الكارتون وولايات جديدة من أكياس الورق والنايلون وغيرهما من وسائط حفظ الكتب الورقية.

حين انتهى محدثي من تلبية طلب احد طلبة الدراسات العليا بما احتاجه من كتب ودوريات أجابني عن سؤالي حول الشخصية التي أسهمت في تطلعه إلى العمل في مجال المكتبات قائلا :قادتني رغبتي الجامحة بمصاحبة الكتاب إلى العمل في شارع المتنبي الذي أسهم بتعرفي على كثير من الأدباء والشعراء والأكاديميين والباحثين والفنانين وغيرهم من المهتمين بالشأن الثقافي الذين ربطتني مع بعضهم علاقات وطيدة ، فكان أن أصبحت معروفا في مهنة بيع وشراء الكتب .ولأني كنت معجبا اشد الإعجاب بشخصية الكتبي الكبير المرحوم قاسم الرجب صاحب مكتبة المثنى البغدادية الشهيرة ، الذي أعده مثلي الأعلى في مجال نشر وتسويق الكتاب ،فقد تملكتني فكرة إقامة مكتبة لاتنحصر مهمتها ببيع وشراء الكتب فحسب ، بل التأسيس لمشروع نشر وتوزيع المطبوع العراقي . ومما زاد في إثارة عوامل هذه الرغبة هو ايجابية الآثار الانعكاسية التي خلفها اطلاعي على مذكرات المرحوم الرجب التي نشرها في مجلته الموسومة ( المكتبة ) المختصة بمهمة التعريف بالكتاب العربي وكتابه في أعوام العقد السادس من القرن الماضي . غير أن هذه الأمنية التي أعدها التزاما وطنيا وإنسانيا وثقافيا ، كانت وماتزال رهينة إمكانيتي المادية التي كانت على الدوام تشهد تراجعا في مخزوناتها ؛ بالنظر لضعف عوامل تكوينها .

حديث السيد أبو محمد الكتبي عن تاريخ مكتبته استلزم منه إشعال سيجارة قبل أن يجدد ضيافتنا بأقداح الشاي . ولعل في طريقة نفثه السيجارة ، وكثافة الدخان المنبعث منها ما يعطي مؤشرا لرسم بعض من صور معاناته التي تحملها سنوات طوال في آفاق هذه المهنة التي لم يشعر يوما تجاه معاناة تداعياتها بخيبة أو إحباط ،مثلما هو واضح من شهادات أصدقائه وأحبته . إذ كان شغفه يزداد بالكتاب وبتنظيم مكتبته في أحلك الظروف التي تعرض لها ، ولم تثنيه الهزات العنيفة التي أصبح مرارا بمواجهتها عن معشوقته التي هام بوجدها منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان .

من المتنبي إلى حيث اسكن في منطقة بغداد الجديدة حولت مكتبتي بعد أن اضطرتني تقلبات الزمان إلى استثمار محطة الانتظار الخاصة بوقوف باص مصلحة نقل الركاب بالقرب من سينما البيضاء وتوظيفه لأغراض إقامة مكتبتي .ويتابع السيد أبو محمد حديثه قائلا :كان هذا المكان مهملا ومتروكا ومأوى لبعض المفسدين الذين استغلوا حالة الفوضى التي أحدثها الفراغ الأمني في أعقاب التغيير السياسي عام 2003 م . وبعد أن عقدت العزم على انجاز مهمتي التي عدها البعض نشاطا مجنونا وجسورا يتطلب نوعا خاصا من الرجال الذين يدركون معنى المغامرة، قمت بتنظيف المكان وترميم المتضرر من البناء ، إضافة إلى إصلاح أرضيته لتأهيل مكان المكتبة التي أقمتها في الهواء الطلق على أنقاض احد مكامن إفساد المجتمع، وبعد أيام قلائل تفاجئ الناس بظهور اغرب مكتبة عرفتها هذه المنطقة التي يرتادها عشرات آلاف الأشخاص يوميا ، بوصفها من مراكز بغداد الاقتصادية المهمة التي تسودها مختلف النشاطات التجارية ، وربما كانت بغداد الجديدة تتفرد عن بقية مدن البلاد باحتضانها هذا النمط الغريب من المكتبات . وكانت الأسابيع القليلة التي أعقبت افتتاح المكتبة كافية لإكسابي شهرة واسعة ؛لكثرة الكتب والدوريات الحديثة والقديمة التي عرضتها ، فضلا عن مصادر المعلومات الأخرى لتي طبعت بمختلف اللغات . ومع مرور الوقت زاد زبائني وتنوعت مقاصدهم ، حيث تجاوزت الطلبات على العنوانات التي تحويها المكتبة القاطنين بمحيط بغداد الجديدة وماجاورها من مدن بعد أن أصبح لي زبائن من سكنة محافظات البصرة وذي قار واربيل ونينوى وواسط وصلاح الدين والانبار وديالى وبابل . و من المناسب الإشارة هنا إلى ان طبيعتي في التعامل مع الزبائن ترتكز على كسب الصداقات ومساعدة الباحثين وطلبة الدراسات العليا ،إضافة إلى حرصي على بناء أنبل العلاقات مع المهتمين بالشأن الثقافي . إذ يشهد الجميع برخص أسعار الكتب والدوريات وغيرهما من المطبوعات التي اعرضها في مكتبتي ، فضلا عن نصح الزبائن اقتناء انسب المطبوعات سعرا التي يمكن العثور عليها في مكتبات أخرى لتسهيل مهمة حصولهم على مصادر دراساتهم ومقاصدهم المعرفية بأرخص الإثمان . فالمطبوع من وجهة نظري لاتحدده القيمة المادية ، وإنما أهميته الفنية التي تغني الفكر.

وحين اخرج أبو محمد سيجارة جديدة ، لاح لي من أسلوب تعامله معها انه مقبل على انتشال بعض من مسببات حزنه الذي تدخره ذاكرته المتعبة . ومثلما توقعت كانت نبرة الحزن تخيم على صوت أبو محمد وهو يذكر لي ضياع احد خزائن كنوز الفكر الإنساني جراء انفجار مزدوج لسيارتين مفخختين على مقربة من مكتبته ، فكان أن تهشمت أوصال مكتبته وامتزج الدم الزكي بما احتوته أوعية الفكر والثقافة والفنون من مبادئ نبيلة وقيم سامية أقرتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية . وأردف أبو محمد قائلا :رحل كل شئ ، وأصبحت المكتبة في مهب الريح بعد أن امتزج الفكر المتعالي بالدم المتسامي , حيث لم يخلف لي هذا الحادث سوى مخزن الكتب الذي يحوي ما يقرب من ثلاثة أطنان من المطبوعات المستعملة ، إضافة إلى قليل من الكتب الحديثة . وبسبب الصعوبات التي أعاقت مهمة تصريف محتويات المخزن بفعل تداعيات هذا الحادث ، اضطررت لبيع المخزن بالكامل إلى الإخوة زملاء المهنة في شارع المتنبي .

ومن بين ثنايا صعوبات هذه المحنة كان لزاما علي أن أواجه اليأس الذي انتابني على خلفية إزالة أمانة بغداد ماتبقى من حطام مكتبتي ضمن حملتها الوطنية التي نفذتها في آذار 2009 م ، فأقدمت مرة ثانية على إعادة إنشاءها بعد أن استأجرت محلا في نهاية احد الأزقة في سوق بغداد الجديدة بمساعدة بعض أصدقائي من شارع المتنبي الذين شدوا من أزري وأعانوني في مواجهة هذه الأزمة ، وفي مقدمتهم الأستاذ رحيم صاحب مكتبة الحضارات ، والأستاذ حيدر صاحب مكتبة المجلة .

ويؤكد السيد أبو محمد أن أكثر مرتادي مكتبته للارتواء من منهلها ،هم طلبة الدراسات العليا والأكاديميين والباحثين وأصحاب الاختصاص والكتاب والأدباء والرياضيين والفنانين والعاملين بمجال الإعلام ، فضلا عن الباحثين عن المعرفة ، ومن جملتهم الدكتور عبد المطلب محمود والدكتور رضا الموسوي والشاعر ابراهيم الباوي والدكتور علي القريشي والباحث زين احمد النقشبندي والمسرحي علي خضير والدكتور علي الهنداوي والشاعر جليل خليل الويس والدكتور عوني صبري والكتاب سامي كاظم فرج ومحمد جبر وحمدي عبد الحميد وكريم هاشم وحسين اللامي وكريم البهادلي وكاظم الحجامي والدكتور انيس زهرون والفنان حافظ لعيبي والدكتور حيدر محسن والتشكيلي طلال السلامي وكثير غيرهم . وكان من نتيجة ذلك ان توطد ت علاقاته مع كثير من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع ، مما أسهم بإقامة صداقات مع كثير منهم .وعن رؤيته لمستقبل الكتاب في ظل اتساع استخدامات الشبكة الدولية أجابني أبو محمد قائلا : أن الكتاب الذي رافق الإنسان منذ مئات السنين كان ومايزال الجليس الأنيس لمن يبغي العلم وينشد المعرفة . وليس بالإمكان الاستغناء عن الكتاب الورقي على الرغم من كثرة الخدمات التي يقدمها الانترنت ؛ بالنظر لحاجة صناعته إلى أدوات بسيطة يجري استخلاصها من الطبيعة ، إضافة إلى عدم إمكانية ارتقاء أي وسيلة أخرى إلى منزلته في الوصول إلى المعرفة .ومصداقا لما تقدم ، فان آلاف الكتب ماتزال تطبع برغم التطور الكبير الذي شهدته عالم اليوم في مجال أنظمة المعلومات . وقبل أن يجيبني أبو محمد عن فاعلية العقل العراقي قاطعه سؤال احد الأكاديميين عن وجود المجموعة الكاملة لرائد الشعر الحر بدر شاكر السياب وبعض مؤلفات عالم الاجتماع الدكتور على الوردي . وبعد تامين أبو محمد حاجة التدريسي عاد إلى جلستنا بقوله : منذ فجر التاريخ كان العقل العراقي مبدعا ومنتجا . ولعل القول المأثور كل جديد يأتي من العراق ، ما يؤكد صحة ذلك . لقد نشأت أقدم الحضارات الإنسانية قي بلاد مابين النهرين ( ميزو بوتاميا ) ، وكانت في غاية السمو والرفعة من حيث نظمها السياسية والاجتماعية التي وضحت بعض معالمها للإنسان المعاصر عبر شواهد كثيرة ، منها ملحمة كلكامش ومسلة حمورابي وكثير غيرهما . وأردف قائلا أن العراق مقبل على تطورات علمية وفكرية وثقافية ؛ بالنظر لقدرة إنسانه على الإبداع والتطور .

ومع آخر أقداح الشاي التي فرضها على جلستنا مضيفي السيد ابو محمد ، كانت عبارة ( أبو محمد ماهي أمنياتك ) تشكل آخر الأسئلة التي ضمنتها هذه الحوارية الجميلة ، فأجابني بكلمات تنم عن طيبة وبساطة : أتمنى أن يعم الأمن والأمان في ربوع بلادنا الحبيبة ، وان ينهض العراق من جديد .وفي لحظة وداعه حملني السيد أبو محمد سلامه إلى القراء الكرام .