b4b3b2b1
The Aroma of Mercy ترجمة (عبير الرحمة) باللغة الانكليزية | كتاب من سيظهر دين الله؟ | التجمع في عددها الجديد | كتاب الإمام الرضا (عليه السلام) يقود الحياة.. للمرجع الشيرازي | الموسوعة الحسينية في جزءها الجديد | العداء المستمر للنبي وآله | كتاب (منهج الحريّة وآفاق التحرّر) | صدر حديثاً كتاب وظيفتنا اتجاه الاموات | كنوز الحكمة | كتاب: ينبوع العلم الدافق | صدر حديثاً من دار الاثر(منهج الغدير) لمؤسسة الفقيه الشيرازي الثقافية | كتاب من حياة الإمام الحسن العسكري عليه السلام |

كتاب نحن والحياة..

 

30 ربيع الأول 1433 - 23/02/2012

نظرة في ما حولنا

منذ أن فتحتُ عيني على ما حولي من موجودات الحياة، ومنذ بدأتُ أفهم وأدرك حركة الموجودات من حولي، بدأتُ اُكوِّن أفكاراً ومفاهيم عن كلّ شيء ألتقي به..

العالم الواسع الرّحيب: سماء ونجوم، وشمس وقمر، وماء وهواء، وظلمة ونور، وأرض ونبات، وبحار وأمطار، شجر وحيوانات مختلف أشـكالها وألوانها، اُناس يعيشـون في مجتـمع، ينطقون ويتفاهمون، يتبادلون السِّلع والخدمات..

هذه الصّور المتفرِّقة.. المليئة بالجمال والنظام، جعلتني اُفكِّر كثيراً.. بل جعلتني أسأل نفسي: لماذا لا اُطيل النظر فيها ولا اُفكِّر في عظمة وجمال هذا الوجود الرائع الجميل من حولي.. بل لماذا أنظر إلى هذه الأشياء نظرة منفردة.. ألَيست هي صورة متكاملة يكمل بعضها بعضاً.. ألَيست هي حقائق تعلِّمني أشياء كثيرة.. وبعبارة اُخرى، لماذا أنظر لكلِّ شيء منفصلاً عن غيره؟

حقّاً أنّ في كلِّ شيء ألتقي به ما يثير الإعجاب والتفكير.. ضياء الشمس.. نزول المطر.. نشأة النبات ونموّه.. ألوان الورد وعطورها المختلفة.. زرقة السماء.. حُمرة طلوع الشمس..

لماذا كل هذه الموجـودات وهذا التنوّع.. وكم هي جميلة رائعة الجمال؟

كم ستكون الصورة مفاجئة وعظيمة، لو كنتُ أفهمها في اللّحظة التي ولدتُ فيها وألتقي بها لأوّل مرّة؟

لقد جئتُ من عالم آخر.. من عالَم الرّحم.. من عالم الظّلمة المحجوب عن هذا العالم..

إنّني أشعر الآن بضرورة تفهّم ذلك العالم.. عالم الرّحم الذي لم أكن لأفكِّر به، أو لأفهم شـيئاً عنه.. لقد عشـتُ فيه مجرّداً من الوعي والإرادة والإعتماد على النّفس.. لقد كنتُ جنيناً يعتاش على دم اُمِّه.. ترعاه رعاية الرّبّ؛ وتلك مرحلة اُخرى كانت مغيّبة عنِّي لا أعرف شيئاً عنها، سوى أنِّي أدرك الآن فضل تلك الرعاية الإلهيّة، وجهد الاُم التي حملتني في بطنها تسعة أشهر، وغذّتني من دمها، وبذلت الجهد المضني من أجل أن أجتاز تلك المرحلة بسلام..

لقد كنتُ في ذلك العالم المجهول الذي لم يكن لي أيَّ دخل فيه.. فلم يكن لي أي دخل في الإيجاد ولا اختيار شكلي وصورتي، ولا توفير الغذاء أو وصول الهواء أو الحماية من الأخطار.. لقد كنتُ جنيناً، كالبيضة في جهاز التفقيس، وكالبذرة في تراب الأرض.. اُنشّأ بعناية إلهيّة، واُمِّي تحملني مسرورة بما يلحقها من أذى ومتاعب، تحوطني بالحبّ والانتظار، وتعدّ الأيّام لتلتقي بي..

لقد كنتُ أعيش في ذلك العالم المظلم المجهول لديّ بين حُبّين: حُبِّ اُمِّي، وحبّ الله..

بدأتُ الحياة في أحضان الحبّ والرّحمة.. وإنِّي لأشعر الآن بعظمة ذلك الحبّ، وفضل تلك الرّحمة والعناية.. وأشعر أنِّي لمدين لمن أحاطني بحبِّه وعنايته، وزوّدني بدم قلبه طيلة إقامتي في عمق أحشائه، دون أن أكن شاعراً بوجودي، أو مدبِّراً لأي شأن من شؤون حياتي..

إنّه الاحسان الكبير، وإنّه لحقّ عليَّ أن أقول: (هل جزاءُ الإحسان إلّا الإحسان).. بل من الحقّ أن أقول: أنّ التنكّر لذلك الإحسان إساءة وانحراف وجدانيّ يستحقّ فاعله العقاب.

إنّه من الحق أن أكون شاكراً.. وأن أحمل الحبّ لمن أحاطني بالحبّ والإحسان..

دلائل العظمة والتنظيم:

من ذلك العالَم (عالَم الرّحم) إلى عالم الشمس والنور والعقل والإرادة والاعتماد على النفس.. كم فتح لنا العلماء باكتشافاتهم باب المعرفة على هذا العالم، وكشـفوا أسرار وغوامض الطبيعة والأحياء؛ من النبات والحيوانات، كما فتحوا لنا باب المعرفة على عالم الانسان وما فيه من غرائب التنظيم والأجهزة والفعاليات الجسدية المختلفة، وقدرة الفهم والنطق والتفكير..

إنّ قراءة المعلومات التي اكتشفها العلماء تثير الدهشة والإعجاب في نفوسنا، وتكشف لنا عن عظمة الخلق، وعن وجود منظِّم لهذا العالم..

لقد ألّف أحد العلماء، واسمه (أ. كريسي موريسون) كتاباً سمّاه: «العلم يدعو للإيمان»، وفي هذا الكتاب تحدّث هذا العالِم عن عظمة التنظيم الإلهيّ لهذا العالم، وأثبت لنا أنّ كلّ شيء في هذا الوجود يدلّ على عظمة خالقه.. لقد أحسستُ بوجود الله وبعظيم قدرته، وأنا أقرأ هذا الكتاب..

كان هذا العالِم يقول:

«تدور الكرة الأرضـيّة حول محورها مرّة في كلّ أربع وعشرين ساعة، أو بمعدّل نحو ألف ميل في السّاعة. والآن افرض أنّها تدور بمعدّل مئة ميل فقط في السّاعة. ولِمَ لا؟ عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول ممّا هو الآن عشر مرّات، وفي هذه الحالة قد تُحرِق شمس الصيف الحارّة نباتاتنا في كلِّ نهار، وفي اللّيل قد يتجمّد كلّ نبت في الأرض..

إنّ الشمس، التي هي مصدر كلّ حياة، تبلغ درجة حرارة سطحها (12.000) درجة فهرنهايت، وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حدّ يكفي لأن تمدّنا هذه(النار الهائلة) بالدفء الكافي، لا بأكثر منه. وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب، وكان تغيّرها في خلال ملايين السنين من القلّة؛ بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها، ولو أنّ درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدّل خمسين درجة في سنة واحدة، فإنّ كلّ نبت يموت، ويموت معه الإنسان، حرقاً أو تجمّداً.

والكرة الأرضية تدور حول الشمس بمعدّل ثمانية عشر ميلاً في الثانية، ولو أنّ معدّل دورانها كان، مثلاً، ستّة أميال أو أربعين ميلاً في الثانية، فانّ بُعدنا عن الشمس أو قربنا منها يكون بحيث يمتنع معه نوع حياتنا».

ثمّ يتحـدّث هذا العالِم الكبير فيقـول: «يبعد القمـر عنّا مسافة (240.000) ميل.. ولو كان قمرنا يبعد عنّا (50.000) ميل مثلاً، بدلاً من المسافة الشاسعة التي يبعد عنها فعلاً، فإنّ المدّ كان يبلغ من القوّة بحيث أنّ جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تُغمَر مرّتين في اليوم بماء متدفِّق يزيح بقوّته الجبال نفسها.. وكانت الكرة الأرضية لتتحطّم نفسُها من هذا الاضطراب ...».

إنّ كلّ واحد منّا يفكِّر في نفسه وهو يقرأ هذه الحقائق العلمية، ويسأل كيف حدث هذا الضّبط والتنظيم.. ومَن صنع كلّ ذلك؟

إنّ القرآن الكريم يجيبنا بقوله:

(صنعَ اللهِ الَّذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء)(النمل/ 88).

(الّذي خَلَقَ سَبْعَ سَموات طِباقاً ما تَرى في خَلْقِ الرّحمنِ مِن تفاوُت)(الملك/ 3).

(والشّمْسُ تَجري لمُسـتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْديرُ العَزِيز العَلِيم * والقَمَرَ قَدَّرناهُ مَنازِلَ حتّى عادَ كالعُرْجونِ القَديم * لا الشّمْسُ يَنْبَغي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللّيلُ سابِقُ النّهارِ وكُلٌّ في فَلَك يَسْبَحُون)(يس/ 38-40).

وإذا كان هذا عالم الأرض والفضاء، فلنتّجه إلى البحار والمحيطات.

وكم هو ممتع وجميل هذا العالم، وما فيه من حيوانات وأسماك ولئآلئ ومرجان..

إنّ أبحاث ودراسات العلماء المختصِّين أوصلتهم إلى اكتشاف حقائق مُذهلة عن ذلك العالم.. حقائق تدعو إلى الاعجاب والتأمّل في عظمة تلك الأسرار الغريبة في تلك المخلوقات المائية.

ينقل لنا العالِم (أ. كريسي) في كتابه «العلم يدعو للإيمان» قصّة مُمتعة عن (سمك السلمون) و (ثعابين الماء)، مفادها:

أنّ العلماء اكتشفوا من خلال دراستهم لحياة هذه الأسماك، ظاهرة غريبة مُذهلة. فهذه الأسماك تولد في النهر، ثمّ تذهب لتعيش سنوات في البحر، ثمّ تعود إلى النهر الذي ولدت فيه. وإذا نُقِلَت من هذا النهر إلى نهر آخر متّصل به، فإنّها تسبح عكس التيّار حتّى تعود إلى النهر الذي ولدت فيه.

إنّها تعرف مكان مولدها، وترتبط به، وتبحث عنه، حتّى تعود إليه؛ لتعيش فيه.

ويُسجِّل هذا العالِم لغزاً مُذهلاً آخر عن حياة ثعابين الماء..

إنّ تلك الثعابين تُهاجر من مياه البرك والأنهار التي ولدت فيها بعد اكتمال نموّها، وتقطع آلاف الأميال في المحيط؛ لتصل إلى الأعماق السحيقة جدّاً، جنوبي جزيرة برمودا، وهناك تبقى وتموت. وعندما تفقس تلك البيوض، وتخرج الثعابين الصِّغار وتكتمل، تبدأ هجرة معاكسة، وتقطع نفس المسافة لتصل إلى الأماكن التيولدت فيها اُمّهاتها، ثمّ تنتشر في الأنهار والبرك هناك.. وهكذا يعيش هذا الحيوان جيلاً بعد جيل.

إنّها حقّاً قصّة مُذهلة، ترسم أمامنا هذا اللّغز المحيِّر، الّذي يجيب عنه القرآن بقوله:

(رَبُّنا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(طه/ 50).

فهو الّذي هداها غريزيّاً، وألهمها تلك المعرفة الغريزية.

إنّ تلك الحقائق تعرِّفنا بمعنى قوله تعالى:

(إنّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ العُلماءُ)(فاطر/ 28).

حقّاً إنّنا لا نعرف عظمة الله تعالى إلاّ بالعلم الذي دعانا القرآن لتحصيله، كما دعانا إلى التفكّر واستخدام العقل والبرهان لمعرفة الله تعالى، ومعرفة مخلوقاته، وفهم كتابه الكريم:

(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفالُها) (محمّد/ 24).

إنّ الحجاب الحاجز بيننا وبين الله سبحانه وفهم كتابه هو الجهل، وعندما نكتسب نصيباً وافراً من العلم تتفتّح أمامنا آفاق معرفة الله، وتشرق في نفوسنا أنوار كتابه.

نظرة إلى الذّات

من الحق أن أفهم نفسي، وأعرف شخصيّتي وقيمتي في الحياة.. إنّني إنسان، وللإنسان قيمة كبرى في هذا الوجود، وعليه مسؤولية خطيرة في هذه الحياة.. لقد ولدتُ على هذه الأرض مكرّماً محترماً.. لقد منحني الله سبحانه كلّ هذه الحقوق، كما وهبني حقّاً ونصيباً في هذه الحياة، قال تعالى:

(وَلَقَد كَرَّمْنا بَني آدَمَ وحَمَلْناهُم في البَرِّ والبَحْرِ وَرَزَقْناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُم عَلى كَثير مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً)(الإسراء/ 70).

كما ولدتُ على الفطرة، وجوداً نقيّاً، خالصاً من الشرِّ والسّوء، وولدت معي غرائز ومشـاعر ووجـدان وأحاسيس. فنمت كما ينمو جسمي وتفتّح عقلي، وبالعقل والغريزة بدأتُ أتعامل مع الحياة.. ومن الحقّ أن اُعبِّر عن كلّ ذلك تعبيراً سليماً.. واُدرِك جيِّداً أنّ على عاتقي مسؤولية الحفاظ على صفحتي بيضاء ناصعة في سجلّ الحياة..

إنّ شخصيّتي ومُستقبَل حياتي أمانة بيدي، أتصرّف بهما كيف أشاء، وأقود نفسي كيف أشاء.. فطرق الحـياة كثيرة مُتشـعِّبة، فيها التِّيه والضّياع، وفيها الخير والرّشاد.

لقد انحدر اُناس كثيرون وما زالوا في سنّ مبكِّرة، بعضهم لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، فذهبوا فريسة النّزوات، والتعامل السيِّئ مع الدوافع الغريزية..

لقد استولى على هؤلاء الجهل أو الغرور، أو استسلموا للأوهام وعالَم الخيال، أو قادتهم اللّذّة والمُتع نحو الهاوية، فتلوّثت صفحاتهم، وثبّت القضاء ودوائر التحـقيق الجـنائي تلك الأعمال لوثة عار في ملفّاتهم، وصار الناس ينظرون إليهم نظرة الاحتقار.. وقلّ ما نجد مَن يعطف عليهم، ويسعى لإنقاذهم ممّا هم فيه.

كيف أتعامل مع غرائزي وقدراتي؟

إنّ الذات الانسانية تحمل مشاعر الحبّ والكراهية، والرِّضا والغضب، وغريزة الطّعام والجنس، وحبّ الذات والتسلّط، وحبّ المال، والرّغبة في التفوّق على الآخرين. وهي التي تدفع الإنسان إلى كثير من الأفعال الشرِّيرة والسيِّئة؛ كما تدفعه إلى فعل الخير والمصلحة المشروعة.

لذا فإنّ الموقف الصحيح هو أن نفكِّر في عواقب الاُمور، قبل أن نقدم على أي عمل، ونعرف ما ينتج عن فعلنا وموقفنا من خير أو شر..

كما إنّ من المفيد أيضاً الإستفادة من تجربة الآخرين واستشارة مَن نثق بهم: الأب، الاُمّ، الأخ، الأصدقاء، أساتذتنا، أصحاب الاختصاص..

إنّ دوافع انفعاليّة عديدة تحرِّك الانسان، فقد يدفع الانسان الغضب، أو الكراهية، أو الأنانية، إلى ارتكاب الجريمة، أو التورّط في أفعال لا يستطيع التخلّص من نتائجها السيِّئة، أو الاضطرار إلى الإعتذار.

وقد يستولي على الإنسان الوهم والخيال، ويتصوّر مشاريع وآمال وهميّة، لتحقيق رغبات نفسيّة، لاكتساب المال أو الشّهرة أو الموقع أو غير ذلك، فيبذل جهوداً ووقتاً ومالاً، دون أن يحقِّق نفعاً، بل يذهب كلّ ذلك سُدى.

وقد تدفعه الشهوة والإحساس باللّذّة إلى ارتكاب أفعال، وتعوّد سلوك سيِّئ شرِّير، كتناول المخدِّرات والتدخين والجنس المحرّم... وغير ذلك ممّا يجلب له النّدامة والكوارث، ولا يشعر بخطئه إلاّ بعد فوات الأوان.

إنّ من الحكمة ونضج الشخصية أن لا يكرِّر الانسان خطأ وقع فيه، كما أنّ من الحكمة والوعي أن لا يقع الانسان في أخطاء غيره.. إنّ التجارب مدرسةٌ تعلِّم الانسان الخطأ والصّواب.. وعليه أن يستفيد من خطأِهِ وخطأ الآخرين..

وقديماً قيل: «مَن جرّب المجرّبات، حلّت به النّدامة».

وللإمام عليّ (عليه السلام) حكمة جديرة بالتفكّر والعمل، قال (عليه السلام):

«السّعيد مَن وُعِظَ بغيره»[1].

احترام الشخصية:

إنّ أعزّ ما يملك الإنسان هي شخصيّته وهويّته الذاتيّة، وهي أمانة في عنقه، قد كرّمه الله بها، وحرّم عليه أن يهين نفسه، أو يذلّها، أو يستهين بما عنده من كفاءة.

شرح الإمام الصّادق (عليه السلام) هذا المبدأ الهام بقوله:

«إنّ الله تباركَ وتعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلاله نفسه»[2].

إنّ مسؤوليات الإنسان تجاه نفسه أن تحتفظ له الدوائر المختصّـة بملف شخصي نظيف يُشكِّل تأريخه الإجتماعي، ومثل هذا الملف يكوِّنه الناس عنه في ذاكرة المجتمع، وليس ملفّاً ملوّثاً سيِّئ السّمعة، ويستحي منه صاحبه..

إنّ مجالات احترام الذّات وتوفير الكرامة للشخصية كثيرة، كما أنّ مجالات استهانة الانسان بشخصيّته وقدراته وكفاءاته وقيمته كثيرة أيضاً..

فالكذب والاعتداء على الآخرين؛ سبب لجلب الإهانة على النفس..

وارتكاب المخالفات الأخلاقية سبب لجلب الإهانة، والحطّ من قيمة الشخصية..

وقبول الذِّلّ والمهانة والإحتقار سبب لتحطيم الذات، وفقدان قيمتها؛ سواء قَبِلَ الإنسان ذلك من أجل المال أو الجنس أو اللّذّة، أو الشّهرة، أو بسبب الجبن أو النِّفاق... إلخ.

والشعور بالنقص، والإيحاء للنّفس بالعجز عن تحمّل الأعمال، والمشاركة في العطاء والإبداع والإنتاج، وخدمة المجتمع، هو تحطيم للشّخصية من قِبَل صاحبها.

فقد وهب الله كلّ إنسان طاقة وكفاءات ومواهب، وعليه أن يستثمرها ويوظِّفها، ولا يستهين بما عنده من طاقة وكفاءة..

إنّ الله سبحانه لم يحرم النّاس من المواهب.. فللبعض مواهب وقدرة على تلقِّي علوم الطِّب، وآخـرين على تلقِّي علوم اللّغة، وثالث على الإنتاج والإبداع الفنِّي والثّقافي، وآخر على العمل التجاري، وغيرهم على الأعمال الحرفيّة واليـدويّة، وآخرين على الأعمال الإداريّة، ولبعضهم القدرة على الجهد العسكريّ أو العمل السياسيّ... إلخ.

وهكذا فإنّ الفرد يكتشف طاقته من خلال التجربة، ولا يستهين بما عنده من قدرة وكفاءة.

وكم من الناس يضيِّع ما عنده من طاقة وقدرات فكريّة وعمليّة واستعدادات نفسيّة للعمل والإبداع بسبب التشاؤم، والإحساس بالنّقص والإنطواء على الذّات، فيقتل بذلك إمكانيّاته الذاتيّة، ويبخس نفسه حقّها، ويفوِّت عليها الفرصة للتقدّم والنجاح.

إنّ الثِّقة بالنّفس والأمل والتفاؤل قوى نفسيّة تمنح الذّات ديناميكية وتصنع من الإمكان والإسـتعدادات الكامنة طاقة خلّاقة تعمل على تنمية الذّات، فإنّ التوكّل على الله، والثِّقة بالنّفس، مفتاح العمل والنجاح.

أنا والمجتمع:

المجتمع مجموعة من الأفراد والاُسر الّذين تربطهم روابط مختلفة، كالعقيدة أو القرابة، أو المصالح المشتركة، والعلاقات التأريخية... وغيرها.

فكلّ فرد يشعر بانتمائه إلى أُسرته وإلى مجتمعه..

إنّ الفرد يتبادل المنافع مع الاُسرة والمجتمع الذي يعيش فيه. كما يكتسب من أُسرته الأخلاق والسّلوك وطريقة العيش، بل ويكتسب جزءاً من أفكاره وطريقة تفكيره..

وللفرد مصالح وشخصيّة مستقلّة، كما أنّ للمجتمع شخصيّة ومصالح مستقلّة. وكثيراً ما يحصل التناقض بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع؛ لذا اهتمّت القوانين والأنظمة الوضعيّة والإلهيّة بتنظيم العلاقة، وحلّ التناقض بين مصالح الفرد والجماعة في المجالات التي تتعارض فيها المصلحتان: الفرديّة والإجتماعية..

وقد اهتمّت التعاليم الدينية بتنظيم الحياة المدنيّة للفرد والجماعة؛ لحفظ الحقوق والواجبات الانسانية، كذلك اهتمّت دراسات الأخلاق والآداب الاجتماعية بتنظيم حياة الفرد والمجتمع والموازنة بينهما على اُسس أخلاقيّة وإحساس وجدانيّ سليم..

فالبعض من الناس لا يفكِّر إلاّ بتحقيق مصالحه الشخصيّة، ولا تعنيه مصلحة الآخرين..

فالتاجر المحتكِر والبائع والمنتِج المتلاعِب بالأسعار، لا يفكِّر إلاّ بتحقيق الرِّبح الفرديّ، ولا يعنيه ما يقع على المستهلكين الفقراء من غلاء وأزمات ومشاكل معاشيّة..

وصاحب الحاجة يفكِّر في سدِّ حوائجه، ولا يعنيه أن تبقى حوائج الآخرين وأزماتهم قائمة تفتك بهم، وتسبِّب القلق والمشاكل والمعاناة لهم..

والّذي له هدف سياسي خاص يسعى لتحقيق هدفه الشخصيّ، والحصول على موقع أو منصب يطمح إليه. فإذا حقّق ذلك، لا يعنيه ما يصيب الآخرين من مشاكل ومعاناة أمنيّة ومعاشيّة وسياسيّة..

والفلاّح الّذي يملك أرضاً زراعيّة، لا يتضامن مع الآخرين لتوفير الماء أو العلاج إذا توفّر ذلك لزرعه.

فهذا الصِّنف من الناس لا ينظر إلى القضايا والمشاكل إلاّ من خلال مصالحه.

وقد شخّص الرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المشكلة الإجتماعية الخطيرة، وهذه الأنانيّة الضّارّة بمصالح الجماعة، فحذّر منها بقوله:

«لا يؤمنُ عبد حتّى يُحِبّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِه من الخير»[3].

وبذا يربط الرّسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بين التفكير بمصالح الجماعة، والخروج من الأنانيّة الفرديّة. فالأناني الذي لا يفكِّر بمصلحة الجماعة ليس بمؤمن صادق الإيمان. ومَن لا يفكِّر بمصلحة الآخرين، لا يفكِّر أحد بمصالحه.. وبذا تنهار وحدة المجتمع وبناؤه.

فما لم يتحقّق الشعور النفسي والتربوي السّليم لدى الفرد والجماعة، وما لم تكن هناك قوانين تحفظ مصلحة الفرد والجماعة.. يتحوّل المجتمع إلى فوضى وأنانية، وحرمان الأكثرية من أبناء المجتمع.. ومن ثمّ يفسح المجال أمام الأقوياء لقهر الضعفاء واستضعافهم..

إنّ الإحساس الوجداني والأخلاقي في نفوسنا، والمبادئ الإلهيّة السّامية، تدعونا إلى أن نحرص على مصلحة الجماعة، كما نحرص على مصالحنا الفردية الخاصّة.. إذ أنّ كثيراً من المصالح الفرديّة تلحق الضّرر بمصلحة المجتمع، لذا يجب الإبتعاد عنها.

فتهريب الأرصـدة الماليـة، مثلاً، يحقِّق مكاسـب مادِّيّـة كبيرة للأشخاص المزاولين لهذه الأعمال.. غير أنّ ذلك يُحدِث ضرراً كبيراً باقتصاد الاُمّة وثروتها؛ لذا حرّمه القانون الإسلامي وعاقب عليه.

وفي سلوك الأبرار نجد المواقف المبدئية، والتطبيق العملي للموازنة بين مصلحة الفرد والجماعة..

من ذلك السلوك العملي ما رُوي عن إمام المسلمين، أبي عبدالله، جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السلام).. روى أحد أصحابه المكلّف بإدارة شؤونه البيتية، واسمه مُعتّب، قال:

«قالَ لي أبو عبدالله، وقد تزيّد السِّعر بالمدينة: كم عندنا من طعام؟ قلتُ له: عندنا ما يكفينا أشهراً كثيرة، قال: أخْرِجْهُ وبِعْه، قال: قلتُ له: وليس بالمدينة طعام، فقال: بِعْه، فلمّا بِعْتُه، قال: إشترِ مع الناس يوماً بيوم.

وقال ـ الصّادق ـ: يا مُعتّب، إجعل قوت عيالي، نصفاً شعير، ونصفاً حنطة، فإنّ الله يعلم أنِّي واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها، ولكنِّي أحبّ أن يراني الله قد أحسنتُ تقدير المعيشة»[4].

في هذه القصّة والموقف تعبير عمليّ عن الاهتمام الاسلامي بشؤون الجماعة.

فالإمام الصّادق (عليه السلام) يرفض أن يوفِّر الكفاية من الطّـعام، لعدّة أشهر من السوق لعائلته مرّة واحدة ويدّخره في بيته، في حين يتعذّر على بقيّة أفراد المجـتمع لظروف طارئة توفير حاجتهم اليومية، وهو يريد بذلك أن يمتنع مَن كان قادراً على شراء كميّات كبيرة من الطعام عن شرائها لتبقى تلك الكميّات في السّوق، فتزداد كميّة العرض ـ عرض الطّعام في السّوق ـ فينخفض سعره، ويتيسّر الحصول عليه للجميع.

تصرّف الإمام الصّادق (عليه السلام) مع هذه المسألة من مبدأ الإهتمام بشؤون المجتمع، كما يهتم بشؤون أُسرته الشخصية. وتلك هي الصورة الصّادقة للإيمان.

جدير ذكره أنّ الإضرار بالمجتمع، لا يبقي الفرد، أيّاً كانت مصالحه الفرديّة متحقِّقة، بمنأى عن الأذى، إذ أنّ الإنسان إجتماعي بالطّبع وبحاجة إلى أن يعيش في المجتمع السّليم والآمن.

الحقّ والواجب:

كلّ كائن في هذا العالم له صلة متبادلة بغيره من الأشياء المحيطة به، فهو يأخذ ويعطي. فالإنسان والنبات والحيوانات والطبيعة تتبادل المنافع؛ من الأوكسجين وثاني أوكسيد الكاربون والغذاء والدِّفء والنور والمياه... إلخ.

والإنسان الفرد يعيش في اُسرة ومجتمع، ويتعامل مع الآخرين، ويتبادل معهم المنافع.. فله حقوق على اُسرته ومجتمعه، ولاُسرته ومجتمعه حقوق عليه..

فكلّ فرد له حق، وعليه واجب، وتلك معادلة اجتماعية، وقانون اجتماعي، لا تتحقّق العدالة والإستقرار في المجتمع البشري إلاّ بالإلتزام به..

ومَن يطلب الحقّ من غير واجب، إنّما يظلم الآخرين، ويريد أن يعيش عالة على الاُسرة أو المجتمع، وعندئذ يرفضه الجميع..

إنّ للفرد حقّ الحـياة، ومِن حقِّه أن يعيش، وتتوفّر له سائر مستلزمات العيش المناسِبة.. ومِن حقِّه أن تفتح أمامه آفاق العمل، وحرِّيّة الكسب، والتملّك المشروع.. ومن حقِّه أن يحصل على نصيبه من خيرات الأرض التي يعيش عليها..

نقرأ حقّ الإنسان هذا واضحاً في قوله تعالى:

(وَالأَرْضَ وَضَعَها للأَنام)(الرّحمن/ 10).

فهي وُضِعَت للجميع يستفيدون منها وينتفعون بها، ولا يحقّ لأحد أن يحتكر المنافع لنفسه ويحرم الآخرين منها..

فالإنسان عضو في هذا المجتمع، وله حقّ الإستفادة من الخدمات والمنافع المتوفِّرة في مجتمعه..

إنّ الاستئثار بالمنافع والمصالح والخيرات لصالح فئة أو جماعة، وحرمان الآخرين منها، ظلم وعدوان على قانون الحياة وعلى مبادئ الحقّ والعدل.. والقرآن الكريم يقرِّر هذا المبدأ بقوله:

(إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعَدْلِ والإحْسان)(النحّل/ 90).

فـ «النّاس سواسية، كأسنان المشط» كما قال الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وعندما يسكت الناس عن الظّلم والحرمان يعمّ خطره فيرتد على الجميع، وينتهي بتسلّط فئة من الطّغاة على عموم المجتمع واستضعافه.

وكما يسعى الفرد للحصول على هذا الحق، فعليه أن يعترف به للآخرين، ولا يُصادر منهم هذا الحق.

ومِن حقّ الإنسان أن يعيش آمناً مطمئناً على حياته وعرضه وماله، وما يتعلّق به، بعيداً عن الخوف والقلق. وسلب هذا الحق منه ظلم وعدوان يُعاقَب فاعله.

وكما له هذا الحق، فإنّه حقّ للآخرين أيضاً.. وعندما يخلّ بأمن الآخرين، أو يصدر منه ما يخيفهم، أو ينشر الرّعب والقلق في المجتمع، فإنّما يمارس الإعتداء على الهيأة الاجتماعية، ويخلّ بأمنه الشخصي في نهاية المطاف.

لقد ثبّت الرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعدة الأمن والإستقرار في المجتمع بقوله:

«إنّ المسلم أخو المسلم، لا يغشّه ولا يخونه ولا يغتابه ولا يحلّ له دمه ولا شيء من ماله إلاّ بطيبة نفسه»[5].

وقيمة الإنسان في سمعته وكرامته، لذا حرّمت الشريعة الإسلامية الغيبة والبهتان وإثارة الشّبهات وجرح الكرامة بقول أو فعل أو ممارسة، أو بالتجسّس عليه ونشر أسراره، وهتك حُرمته.

وهذا القانون نفسه يلزم الفرد أن يحترم كرامة الآخرين، ولايتجاوز على حرماتهم الشخصية..

قال تعالى:

(يا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوم عَسَى أَن يَكُونوا خَيْراً مِنْهُم ولا نِساءٌ مِن نِساء عَسَى أن يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ، ولا تَلْمِزوا أنْفُسَكُم وَلاتَنابَزوا بالألقابِ بِئْسَ الإسمُ الفُسوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَم يَتُبْ فاُولئِكَ هُمُ الظّالِمون * يا أيّها الّذينَ آمَنوا اجتَنِبُوا كثيراً مِنَ الظّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجسَّسوا ولا يَغْتَبْ بَعْضكم بَعضاً أيُحِبُّ أحَدُكُم أَن يأكُلَ لَحْمَ أَخيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوه واتّقوا اللهَ إنَّ اللهَ توّابٌ رَحيم)(الحجرات/ 11ـ12).

وكما للإنسان حقوق تجاه المجتمع، تقوم الدولة بتقديم معظم هذه الحقوق للفرد نيابة عن المجتمع؛ كحقّ التعليم، والرّعاية، وحفظ الأمن، وتوفير الخدمات الصحية والبلدية وغيرها..

كما أنّ على الفرد واجباً تجاه مجتمعه ووطنه، وما لم يعمل الفرد على حفظ مصالح الاُمّة، والدِّفاع عنها، وأداء ما عليه من واجبات يحدِّدها القانون الشرعي والأخلاقي، فإنّ الحـياة الاجتماعية تُعرّض للخلل والإنحلال. وعندئذ يصيبه ما يصيب الآخرين من الضّرر.

كيف نفهم الحياة؟

الحياة التي نعيش فيها، ونصنع وجودنا ومصيرنا بين أحضانها.. كيف نفهمها.. وكيف نتعامل معها؟

حياة الإنسـان هي هذه النشأة والفعاليات الجسدية والفكرية والروحية التي يمارسها الانسان بين فترتي الولادة والموت. والتي يصنع من خلالها وجوده.. وتكتمل ذاته وروحه وشخصيّته..

إنّه يحقِّـق ذلك من خلال ما يملك من حياة وعقل وقدرة على الإحساس بالعالم المحيط به، والشعور باللّذّة والألم، وإدراك العقل للموجودات..

فنحـنُ نأكل ونشرب ونلبس ونلهو ونلعب ونستمتع بالجمال والطيِّبات، ونمارس الجنس، ونحسّ بالحبّ والكراهية، والحزن والمسرّة، واللّذّة والألم، ونضحك ونبكي، ونيأس وتنفتح الآمال أمامنا..

ونفكِّر فنُبدِع، ونستنتج ونكتشف أشياء ونضع اُخرى، ونعبِّر عن أحاسيسنا بالكلمة والرّسم والشّعر والفرح والحزن.

وننطلق بوعينا وتفكيرنا خارج حدود هذا العالم، فنفكِّر في نشأته، وكيفيّة صدوره. فنعرف مبدأ الوجود وخالقه..

إنّنا نفكِّر ونحسّ ونعمل ونفعل، فنصنع الحياة بفكرنا وإحساسنا، وما يصدر عنّا من فعل..

إنّنا جسد وروح وعقل ومشاعر، وُهِبنا كلّ ذلك، ونحنُ نصنع الحياة، كما يصنع الرّسّام الصورة.. وحياة كلّ فرد منّا هي صورة ذاته، فأيُّنا يحبّ أن تكون صورته شوهاء..

إنّ الحياة ليست مُتعة ولذّة فقط، ولكنّها مختلطة بالآلام والأحزان أيضاً، وهي ليست فوضى.. بل هي مسؤولية.. مسؤولية أمام الله سبحانه، ومسؤولية أمام المجتمع والنّاس الّذين يعيشون معنا، ومسؤولية أمام القانون، ومسؤولية أمام الضمير والوجدان.

قال تعالى: (فَلنسألنّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِم وَلَنَسْألَنَّ المُرْسَلين)(الأعراف/ 6).

وقال الرّسـول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): «كُلّكم راع، وكُلّكم مسـؤولٌ عن رعيّته».

إنّ خالق الوجود يشرح طبيعة الحياة، ويضرب المثل الذي يقرِّب الفهم إلى عقولنا.. ويوضِّح أنّها عملية نشأة ونموّ وتكامل وازدهار، ثمّ ذبول وانحلال وزوال.. وهكذا حياة كلّ فرد في عالم الحياة..

(واضرِب لَهُمْ مَثَلَ الحـياةِ الدُّنْيا كماء أنْزَلْناهُ مِنَ السّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فأصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِرا)(الكهف/ 45).

فالحياة رغم ما فيها من زينة وجمال ومُتع ولذّات، فإنّها أحداث تقع وتنتهي، كما ينشأ النبات وينمو ويزدهر، ثمّ يذبل ويصفر ويتحوّل إلى هشيم تذروه الرِّياح..

وعندما تنتهي هذه المرحلة من حياة الانسان، تبدأ مرحلة اُخرى من حياته، وهي عالم الآخرة. وذلك عالم الخلود.. عالم لا تغيّر فيه ولا زوال.. عالم النعيم والجمال والجنّات، أو عالم الشّقاء والعذاب.

والذي يقرِّر مصير الإنسان في ذلك العالم، هو طبيعة فعله وعقيدته في هذا العالم.. كما يقرِّر سعي الطّالب وتحصيله الدراسي نتيجته الامتحانية ومستقبله العلمي في الحياة..

إنّ الإنسان يمهِّد في حياته إلى عالم الآخرة، كما يمهِّد عالم الرّحم إلى عالم الدّنيا.

حدّثنا القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله:

(مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، ومَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلاِنْفُسِهِمْ يَمْهَدُون)(الرّوم/ 44).

لذا جاءت الشّرائع الإلهيّة لتنظِّم نشاط الانسان وسلوكه في الحياة..

فالإنسان قد ينساق وراء الشّهوات والمُتع واللّذّات، أو يسيطر عليه الغرور والجهل والعدوان. فتتحوّل الحياة عنده إلى عمليّات إشباع للّذّة والشّهوة، أو طريقاً إلى الجريمة والفساد في الأرض وعبادة للّذّات من خلال سيطرة الأنا والإعجاب بالنّفس.

إنّ خالق الحـياة قد وهبها للإنسان ليعيش فيها بسلام، وليتمتّع بطيِّبات الحـياة وزينتها، وفق قانون حفظ الحياة، وتنظيم سلوك الإنسان بشكل يمكِّنه من أن يحقِّق الخير لنفسه ولمجتمعه الذي يعود بالخير عليه..

وعندما يُخطئ الإنسان في فهم الحياة، فإنّه يجني على نفسه، ويقودها إلى الدّمار، ولا يشعر بخطأِهِ هذا إلاّ بعد فوات الأوان.

فالملايين من البشر قادتهم الشّهوات والملذّات والإحساس بالغرور إلى الكوارث والندم، ولكن بعد فوات الأوان..

لقد انتهت حياة الكثير من البشر إلى السّجون أو الإنتحار، أو الإصابة بالأمراض الجنسيّة، أو الإدمان على المخدِّرات، والتسكّع والقلق، وفقدان السّعادة..

ومعاهد الإحصاء وتقارير الدوائر المختصّة، كالمستشفيات والمصحّات النفسية، ودوائر مكافحة الإجرام، والإحصاء الجـنائي تسجِّل أرقاماً مُذهلة..

إنّ حياتنا هبة من الرّحمن، وعلينا أن نتعامل مع الحياة وفق قانون السّلامة، وحفظ الحياة، وهو القانون الإلهي الذي حرّم كلّ ما هو ضار لنا، وأباح لنا الخيرات والمُتع واللّذّات النافعة لنا..

إنّ هناك وسائل لفهم الحياة، علينا أن نرجع إليها ونعتمد عليها، وتلك الوسائل هي:

1- كتاب الله وهدي النبوّة، فهما يقدِّمان لنا إيضاحاً كافياً لطبيعة الحياة، ويوفِّران لنا منهجاً ودليلاً هادياً في الحياة. وعلينا أن نقرأهما بوعي وتأمّل عقلي وعلمي لنعرف ما فيهما من خير وحكمة.

2- والمصدر الثاني لفهم الحياة هو العلم والإكتشافات العلمية. فقد زوّدنا العلم بالمعرفة والوعي، فاستطاع أن يقدِّم لنا تعريفاً بما هو ضار، وما هو نافع. فجاءت أبحاثه ودراسـاته متطابقة مع ما بيّنه القرآن في منهجه من حلال وحرام..

لقد استطاع العلم أن يكتشف خطر الخمر والمخدّرات والممارسات الجنسية الشاذّة، والرِّبا والإحتكار، وفائدة النظافة والحبّ والتماسك بين أفراد العائلة، وأثره في سلامة الانسان النفسية، وأثر الإيمان في السعادة، واستقامة السلوك، والتخلّص من القلق والجريمة... إلخ.

كما ساهم العلم مساهمة فعّالة في رفع مستوى وعي الإنسان وفهمه للحياة، وتطوّر وسائل الانتاج، وتوفير الخدمات، وتنظيم المجتمع، وحركة الحياة. فساهم بحلِّ مشاكل الإنسان وتوفير حلول جديدة لمشاكل الحياة من حوله.

إنّ اكتشاف الكهرباء والذرّة والبترول والرّاديو والتلفزيون ووسائل الطِّباعة والنقل وغيرها، قد فتحت للانسان وعياً آخر للحياة، وكلّما إزددنا فهماً ووعياً للحياة، إزددنا فهماً ووعياً للدِّين ومعنى الإيمان. فالعلم داعية الإيمان ورفيقه في الحياة.

3- العقل والتجربة: والعقل دليل الانسان في الحياة، وعندما يستخدم الإنسان عقله إستعمالاً سليماً فإنّه يقوده إلى الخير، وينجيه من الوقوع في الهلكة والضّياع والندم.

فالإنسان يُمارس في حياته أشياءاً كثيرة، فتتوفّر لديه تجارب، وعليه أن يستفيد من تجربته في الحياة، كما عليه أن يستفيد من تجارب الآخرين في كلّ حقل ومجال من مجالات الحياة الشخصية والزوجية والإقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها.

لذا دعانا القرآن إلى استخدام العقل والاستفادة من تجارب الاُمم السّـابقة. فالتجربة الإنسانية وأحـداث الماضي والتأريخ، وما أنتجه العقل البشري من معارف وثقافة وحكمة وآداب وفنون بنّاءة.. كلّها عطاءات تُساهم بإغناء الحياة، وفتح آفاق جديدة لفهمها.

لذا يرشدنا القرآن إلى الاستفادة من تجارب الاُمم والأفراد، والتعمّق في التفكير واستخدام العقل، فيقول:

(وَهُوَ الّذِي مَدَّ الاَْرْضَ وجعلَ فيها رَواسيَ وأَنْهاراً ومِن كلِّ الثمراتِ جعلَ فيها زوجَـينِ اثنينِ يُغشي اللّيل النّهار إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون)(الرّعد/ 3).

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِم مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الاْخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ المجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِولِي الاَْ لْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيء وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) (يوسف/ 109-111).

ويُخاطِب الإمام عليّ (عليه السلام) ولده الحسن (عليه السلام) بالإستفادة من تجارب الآخرين والاعتبار بها، فيقول:

«... لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كفيت مؤونة الطّلب، وعُوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما كنّا نأتيه، واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه...»[6].

وعندما نوفِّر لأنفسنا فهماً سليماً للحياة، على ضوء الشريعة والعقل والعلم، نستطيع أن نتعامل معها بوعي ونجاح.

[1]- محمد الريشهري/ ميزان الحكمة/ ج4/ باب السعادة.

[2]- ميزان الحكمة/ ج3/ باب الذلة.

[3]- ميزان الحكمة/ ج1/ باب الإيمان/ ص395.

[4]- الكليني/ الكافي/ ج5/ ص166/ دار الكتب الإسلامية.

[5]- تاريخ اليعقوبي/ ج2/ خطبة الوداع/ ص110/ طبعة دار صادر- بيروت.

[6]- نهج البلاغة/ تنظيم د. صبحي الصالح/ ص393.