b4b3b2b1
القنطرة البيضاء في كربلاء ماضي اصيل وحاضر مشرق | مدينة الكوفة | مدينه حلب في الموسوعة الشيعية | هضبة خالصة الأثرية | تاريخ تكون الاهوار في العراق | قَزوين بين اصالة التاربخ | زقورة أور | مدينة الحضر(مدينة الشمس) | طرقبة في مشهد | دور المسجد في بناء الحضارة | دراسة مقارنة لعمارة الحضارة الإسلامية مع الغربية | مضيف الامام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) |

دراسة مقارنة لعمارة الحضارة الإسلامية مع الغربية

 

29 ربيع الأول 1433 - 22/02/2012

1 ـ المقدمة

إن البحث في ظاهرة الجمال في عقل الإنسان، هو البحث في قيمة تمنحها الذات إلى التكوين الشكلي لمصنع ما، و لا فرق أكنا نبحث العمارة أم الرقص أم الأدب أم المنحوتات. لذا البحث في جمال عمارة الحضارة العربية ـ الإسلامية، يتعين أن يكون بحثا أولا في المبادئ الأولية لعموميات العمارة، و القيم التي تمنحها و تحققها حسية الإنسان للصفات الإبتمالية القائمة فيها، أو المحملة عليها، على شكل العمارة عامة. و من ثم يواصل البحث إلى العينيات التي حققتها الحضارة المعينة. و إلا يكون موقفنا من البحث في العمارة، بمثابة القفزة إلى استنتاجات قبل تحقيق استقراءات مناسبة و من غير عرضها إلى فحص صارم. سيصبح البحث في أحسن حالاته، عموميات، قليلة المعنى.

* ( إن صفة الإبتمال optimality في تحقيق المصنَّعات artifacts و التعامل معها، هي ذلك التوازن المناسب بين إرضاء حاجة الفرد لتأمين البقاء، و قدرات الطاقة المستنفدة، أي القدر الأجدى في إرضاء الحاجة و الكم الأقل من استنفاد الطاقة، شرط أن يحقق هذا التوازن الموقع المناسب للفرد في مجال المنافسة. و شرطه الثاني، تداخل الوعي و الحس sensibility بهذه الصفة القائمة و المبتكرة في المصنَّعات، و منحها قيمة ذاتية، مع تلك الصفات الإبتمالية القائمة في الظواهر الطبيعية)(1) .

يتطلب هذا البحث تحديد و تعريف بنيوية العمارة(2) و القيم المبتكرة ضمنها: كيف تتحقق، و من يحققها. بمعنى آخر، ما هي المقومات و الآليات و الحركات المعرفية و العاطفية التي تؤدي إلى ابتكار الشكل لمصنّع artifact ما، سواء أكان عمارة أم منحوتة؟ و ما هي مقومات و حركات الدورة الإنتاجية(3) التي تحقق شكل المصنع، و كيف يحمل هذا الشكل معرفة و عاطفة الشيء، و كيف تتقدم قدرات حس الفرد المتلقي و المشاهد، فتمنحها قيمة؟ و كيف و متى تترجم القيمة بكونها صفة للجمال؟ لا يمكن لنا هنا الدخول في هذه المقومات، إلا بصيغة مختزلة.

* ( الشكل form، هو ذلك الكيان الملموس و الذي يظهر للوجود ليقوم بوظيفة معينة، و يكون ظهوره محصلة لمتطلبات وظائف حاجة معينة. فيأخذ هذا الكيان وجوداً مستقلاً عن المقومات التي كانت سبباً في ظهوره. كان كارل ماركس ـ في احد رسائله لصديق له ـ ربما أول من عرّف الشكل بهذا المعنى. فعرّف ظهور وظيفة الدولة بالنسبة إلى الطبقة/الفئة التي تقوّمها و تدعمها لتقوم بحماية مصالحها. فتصبح الدولة كياناً مستقلاً، لها مصالحها و تاريخها. فالشكل في العمارة و مختلف المصنعات، ما إن يتحقق و يظهر للوجود، حتى يأخذ موقعاً اجتماعياً حسياً و معرفياً خارج المقومات التي أدت إلى ظهوره. و لذا يستمر في الزمن و يتجاوزها، و يكتسب وظائف أخرى. كتجاوز السيوف في المتاحف لوظيفتها الأساس، و بعض القصور الأوربية التي أصبحت مطاعم، و القلاع العسكرية التي أصبحت متاحف.)

قبل البدء في بحث الموضوع، علينا أن نعرّف العمارة بكونها حاجة يتعين إرضاؤها. و يتحقق ذلك من خلال الدورة الإنتاجية. كما تتحقق صفات الإبتمال ضمن هذه الدورة، و القيمة التي تمنح لهذه الصفة. إن شرط منح قيمة لصفة الإبتمال، هو قدرة الذات الواعية بذات وجودها، منح أهمية لهذه الصفة بكونها أداة مناسبة لتأمين البقاء: راحة الوجود و استمتاع الذات بهذا الوجود ـ الوجود هو وعي الذات ببقاء يمتد بالزمن. فهو بقاء يمتلك مخيلة و ذاكرة تعي بحاضر يمتد في كلا الاتجاهين: الماضي و المستقبل.

فالحس بصفة جمال الأشياء، تنبني أو تظهر ضمن موقف ذاتي للفرد المعيّن المتعامل مع شكل الظاهرة المعينة، أو الشيء العيني. لكن هذا الفعل هو تجربة ذاتية تحصل بتفاعل مع علاقات قائمة للتكوين الشكلي المادي للشيء المتعامل معه. لذا فالقيمة المحصلة في آنية التفاعل هي ذاتية، و لكنها مشروطة بظرف مادي، لأنها تحصل ضمن الدورة الإنتاجية.

يتمتع الفرد الطبيعي بقدرات الحس بصفات الإبتمال القائمة في الأشياء، سواء أكانت الأشياء المتعامل معها هي مصنعات أو ظواهر طبيعية. و لكن هذه القدرات تبقى مسبتة ما لم تحرك و تدرب و تهذب لتصبح فعالة في مجال معين من التعامل مع صفات الإبتمال، المصنعة منها أم الطبيعية.

الإشارة إلى تكوين بنيوية الدورة الإنتاجية ستدلنا على آلية و حركة تحقيق صفة الإبتمال في المصنعات. إن سيكولوجية حسية صفة الإبتمال للفرد الإنسان لا تنشط أو تحرك إلا ضمن الدورة الإنتاجية، و لا تدخل فيها من غير تجربة سابقة في حسها بصفات الإبتمال في الأشياء المتعامل معها، أي من غير تعليم و تجربة و ذاكرة محملة بصفات الإبتمال.

إن من غير هذه المقومات و شروط التفعيل و التعرف على آليات التفعيل و دور صفة الإبتمال في الدورة الإنتاجية، سيكون البحث في جمالية العمارة، في أي طراز كان، في أفضل حالاته، ممارسة لطيفة لا علمية، و عادة كلام فارغ، و في أسوأ حالاتها تنظير غيبي، و انزلاق في أوهام الإلهام. و بما إن منح القيمة هي حالة ذاتية، سيكولوجية حضارية، لذا ستكون قاعدة هذه الدراسة هي مقارنة بين الحضارة العربية ـ الإسلامية مع ما ابتكرت حضارات أخرى من قيم لصفات الإبتمال. و لتسهيل هذه المقارنة سأختار اقرب حضارة إلى الحضارة العربية الإسلامية من حيث الرؤيا للوجود، و تقاربها في الموقع، و هي الحضارة المسيحية.

لقد حققت الحضارة المسيحية، منذ القرن الثاني عشر، نقلات leap كثيرة تضمنت صيغاً متعددة لصفة الإبتمال، و تبعاً قيم جمالية متعددة. بينما حققت الحضارة العربية ـ الإسلامية

1.1.

قيماً جمالية في مرحلة نشوئها، في القرن الثامن، و توقفت في القرن الثاني عشر. و قد وعى العالم العربي / الإسلامي منذ بداية القرن التاسع عشر مع دخول نابليون مصر، بأنه يواجه قيماً جمالية تنبني على معرفة تقنية إنشائية و استطيقية لم يكن له دور في ابتكارها، و لم يتمكّن لحدّ يومنا هذا من استيعابها. أدى هذا التباين إلى عجز القيم التقليدية و تبلد دورها في الإنتاج، فتبلّد الإنتاج بصورة عامة، ما عدا الإنتاج الذي يتحقق بتقنيات و قيم أوربية. فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح، لماذا تمكنت الحضارة المسيحية من إحداث هذه النقلات المتعددة، بينما عجزت عن ذلك الحضارة العربية ـ الإسلامية. فالمقارنة بين هاتين الحضارتين ستدلنا إلى البعض من هذه العوامل التي أدت لهذا التباين، و ربما تدلنا إلى موقع عجز الحضارة العربية ـ الإسلامية.

أنا لست بصدد بحث تاريخ هاتين الحضارتين، في هذه المقالة، و إنما حصراً الإشارة إلى بعض الأسباب التي اعتقد أنها رئيسية جعلت من الممكن لمجتمع الأيديولوجية المسيحية أن يحقق نقلات فكرية متعاقبة، في مجال العمارة و الفنون عامة.

* ( تعني الأيديولوجية هنا، مشروعاً فكرياً شاملاً يسعى لتفهم الوجود، و ابتكار رؤيا عامة مختزلة سهلة الفهم.)

في الوقت نفسه تجمدت الحضارة الأخرى، منذ ثمانية قرون، و لم يعد لها دور في أي من هذه التطورات. بل أصبحت منذ القرن الثالث عشر، معقل الرجعية و التخلف. لا شك هنالك ردات حصلت ضمن الحضارة المسيحية ـ و إنا أقصد المسيحية اللاتينية، التي جلست على قاعدة الحضارة الرومانية، و ليس مسيحية الشرق الأوسط أو أرثوذكسية أوربا الشرقية. لا تهمنا هذه الردّات لأن الحضارة الأخرى، العربية ـ الإسلامية، تنافسها في هذا، أو تتشابه معها. و نحن لسنا بصدد بحث تاريخ هاتين الحضارتين، إنما بحث ظرف ابتكار قيم صفات الإبتمال التي تتصف بها العمارة ـ ربما من الأفضل أن نقول بأن الحضارة العربية ـ الإسلامية لم تلاقِ ردّات لتطور جذري في المعرفة في مسيرة تاريخها، كما لاقته الحضارة المسيحية اللاتينية. لأن هذه الأخيرة حققت نقلات معرفية جذرية متعددة. فتعرضت إلى ردّات جذرية كذلك. بينما الحضارة العربية ـ الإسلامية لم تحقق نقلات معرفية جذرية، و استمرت منذ نشأتها في القرن السابع بنفس الأيديولوجية و المعرفة التي تأسست عليها. إن حركة المعتزلة، بالرغم من أهميتها المعرفية المساءلة، لم تكن أكثر من صحوة(4) ، أحبطت في مهدها، و زالت من الخزين المعرفي. لذا، فإن السياسة الرجعية التي جاء بها المتوكل، و زوال حركة المعتزلة، هي إحباط صحوة، و تنشئة معرفة جديدة.

2 ـ الحاجة عند الإنسان

2،1 ـ مفهوم الحاجة عند الإنسان

لقد أقدمت قدرات الابتكار و الذاكرة، التي ظهرت مع الإنسان العاقل، و ابتكرت رؤيا الأيديولوجية. تتضمن الأيديولوجية رؤيا للوجود، بما في ذلك من العقائد و الأفكار و القيم و العواطف، و التي تظهر و تتجسد كأديان و مفاهيم سياسية و فلسفية، و غيرها التي تعبر عن صورة الإنسان و المجتمع في مخيلة الإنسان.

و ما إن تبتكر أيديولوجية معينة، و تعتمد من قبل المجتمع، فتتقدم الدينامكية القائمة ضمن رؤيتها للوجود، و تبتكر الكلجريات Culture المناسبة التي تقوم بوظيفة قيادة و إدارة

1.2.

سلوكيات أفراد المجتمع المؤمنين أو التابعين لهذه الأيديولوجية المعتمدة من قبل السلطة، أو البعض من الفئات ضمن المجتمع المعين. و تبتكر بدورها هذه الكلجريات طقوس المناسبة التي تقوم بدور دعم هذه الكلجريات المبتكرة، و بالتداخل دعم تلك الأيديولوجيات.

* ( الكلجرية(5) culture، هي مجموع المعرفة و الأدوات التي تسخر لقيادة سلوكيات أفراد المجتمع، و توضح العلاقات فيما بينهم. فهناك ضمن المجتمع كلجريات الطهي، و الصدق، و الكذب، و السرقة، و الإنصاف، و الرياضة، و الموسيقي، و الرقص، و الشعر، و الانسجام العائلي، و الدقة في العمل و التأني، و غيرها من مختلف السلوكيات. و لكل منها أدواتها التي تعتبر جزءاً مقوماً ضمن الكلجرية المعينة. و حينما يكون التعليم معرفة متخصصة في مجال معين من إدامة المجتمع، كالنجارة، و القضاء، و اللاهوت، و الطب، حيث تؤلف كل منها كياناً معرفياً مستقلاً، فإن الثقافة هي تلك القدرة المعرفية التي تربط الكثير من مقومات المعرفة و تجعل منها رؤيا منسجمة. و بقدر ما تتعاطف هذه الرؤيا مع وجدانية المجتمع، تأخذ صفة الانتلجنسيا intelligentsia).

فنجد في شبكة التكوين الرؤيوي لمختلف الأيديولوجيات التي ابتكرتها حضارة الإنسان، حدساً لعبثية الوجود. تتمثل هذه الرؤيا بتلك المساءلة في جدوى الوجود، و عبثية الوجود. إنها مساءلات للوجود نجدها في مسرحيات يوربيدوس، و منطق سقراط، و رباعيات عمر الخيام. و قد عبرت عنها عبقرية شكسبير بلسان ماكبث: فيسأل و يشبه الوجود، أوّلاً بشمعة، و ثم بممثل ينهي دوره فيزول:

« يزحف غدُّ، و عدُّ، و غدُّ

بهذه الخطى البطيئة من يوم إلى يوم

إلى آخر لحظة مكتوبة للحياة

و كل أيامنا المضيئة أنارت للحمقى

الطريق إلى الموت المعفّر

انطفئي أيتها الشمعة القصيرة الأجل

ما الحياة إلاّ ظل سائر، ممثل بائس

يؤدي ساعته على المسرح بتبجح و حماسة

ثم لا يُسمع منه شئ. الحياة حكاية

يرويها ممثل أخرق، مشحونة بالصخب و النزق

و لا تعني شيئاً».(6)

هذه مساءلة لواقع الوجود، و لذا تستمر في الزمن، بل تمتد معه، لأنها تعبر عن هموم سيكولوجية الوعي بهذا الوجود، ما زال هذا الوجود قائماً، و ما زال هناك وعي يعي هذا الوجود. هذه مساءلة لا تخص نظاماً أو ديناً أو سلطة، لأن هذه الأخيرة طارئة في حضارة البشر، و إنما تخص تصادفية ظهور الوعي بالوجود نفسه.

لذا أقدمت القدرات الابتكارية التي تولدت مع تطور ظهور الإنسان العاقل و ابتكرت الحاجة الاستطيقية. فأصبحت حاجة متأصلة في كيانه السيكولوجي. أشبه بما عند الحيوانات التي تمارس الاستمتاع و اللعب، كالكلاب و الدولفين و بعض الطيور، مثلا، و ليس منحى إضافياً تابعاً للحاجتين القاعدية basic ـ تتضمن الحاجة القاعدية: النفعية و الرمزية.

و قبل أكثر من ثلاثة آلف عام من الزمن نجد في ملحمة جلجامش، مختزلا هائلاً يصف العلاقة بين عبثية الوجود و الاستمتاع به. تنصح صاحبة الحانة الملك جلجامش و تقول له:

«إلى أين تسعى يا جلجامش

إن الحياة التي تبغي لن تجد

حينما خلقت الآلهة العظام البشر

قدّرت الموت على البشرية

و استأثرت هي بالحياة

أما أنت يا جلجامش فليكن كرشك مليئاً على الدوام

و كن فرحاً مبتهجاً نهار مساء

و أُقم الأفراح في كل يوم من أيامك

و ارقص و العب مساء نهار

و أجعل ثيابك نظيفة زاهية

و اغسل رأسك و استحم في الماء....

و افرح الزوجة بين أحضانك

و هذا هو نصيب البشرية»(7)

و هكذا، منذ إن ظهر الإنسان العاقل، ابتكر وظائف رئيسية لهذا الوجود التي ميزته عن باقي الحيوانات: أولاً، ابتكر صيغ العلاقات الاجتماعية. و ثانياً، ابتكر المصنعات التي يسخرها في تعامله مع متطلبات البيئة(8) . و ثالثاً، ابتكر الصور التي يحملها في مخيلته عن عالم هذا البقاء الذي يسكنه و يجد نفسه فيه، أي ابتكر موقعاً واعياً لذاته في عالمه،

1.3.

ونقل الوعي بحالة البقاء المحض، و جعل منه وعياً بالوجود. أي، ابتكرت قدراته الابتكارية وجودية الذات الواعية بذاتها. رابعاً، أبتكر صيغ الاستمتاع بهذا الوجود، فنقل الوعي بالوجود من واقعه العبثي، إلى وجود متضمن قدرات الاستمتاع. أو، بقدر ما هيأ لنفسه تدريب و تنضيج قدرات الاستمتاع، و بقدر ما سخرها و أستمتع بوجوده، يكون قد منح بهذا القدر قيمة لإنسانيته، و يكون ابتكر قيمة الإنسان.

فأصبح وجود الإنسان الواعي عبارة عن سيرورات من ابتكارات لتفاعل جدلي بين متطلبات خصائص مادية البيئة الطبيعية والحاجة التي يعيها، و التي تبتكرها مخيلته.

فهو تفاعل يمكن ان نفهمه بكونه قوى كامنة في أربعة مقومات: 1 ـ القدرات الابتكارية التي يحملها الدماغ، 2 ـ المناحي الغريزية التي تحملها سيكولوجية الإنسان، 3 ـ القدرات الفسيولوجية التي يستورثها البدن، 4 ـ متطلبات البيئة المتعامل معها، سواء القائمة أم المتغيرة، أم المستحدثة من قبل القدرات الابتكارية ذاتها.

في حركة هذه المقومات الأربعة، يتحول التفاعل بين القدرات الابتكارية و المناحي الغريزية إلى طاقة تحرك سلوكيات الوجود. و من جهة أخرى، يتحول مركب هذه الحركة، و يتجسد و تصبح خزيناً معرفياً و عاطفياً. فتؤلف ذاكرة الأيديولوجيات و الكلجريات و الطقوس و التقاليد، بما في ذلك ذاكرة الأديان و صيغ المعيش و العلاقات العائلية و الاجتماعية و مختلف صيغها الفئوية. فتتفاعل هذه الذاكرة من القدرات الابتكارية، و تصبح فعالة و تنضج، بقدر ما تتهيأ لها فرصة التنظيم و التدريب و التعليم، سواء بسبب جهد خاص، أم حالة تنظيم المجتمع المتفاعل معها.

فأخذ الإنسان قدرات الابتكار المتفاعلة مع الذاكرة، يستحدث و يبتكر مصنعات، بما في ذلك العمارة و العربة و الملابس و أدوات الطهي. و بقدر ما يحس بصفات الإبتمال المحملة على أشكال هذه المصنعات، و يبتكر و ينوع أشكالها، و يتأمل و يتفلسف فيها، و يبتكر لها وصفات و تعاريف، و بقدر ما يمنحها أهمية بالنسبة إليه، أي يمنحها قيمة، فاصطلح عليها بالجمال، و الكمال و الرشاقة و الأناقة. و اصطلح خلافاً لهذه القيم القبح، و البشاعة، و الزيف و أداة نكد العيش. و هكذا تمكن الإنسان إرضاء الحاجة التي يعيها، و التي يبتكرها و يتعرض إليها.

2،2 ـ مقولات الحاجة(9)

تتألف الحاجة عند الإنسان من ثلاث مقولات: النفعية، و الرمزية، و الاستطيقية، و هي مقولات متداخلة و متفاعلة، و لكن لكل منها وظيفتها الوجودية: الحياتية و الاجتماعية. و لذا فالحاجة، عند الإنسان، بطبيعتها هي مركبة. مما أصبح يتعين على الفرد إرضاء كل منها ككيان قائم بذاته، بعلاقة متوازنة بين وظائفها و أداء إرضائها، باعتبارها كياناً مركباً بالضرورة.

1 ـ الحاجة النفعية ـ وظيفة(10) الحاجة النفعية هي تأمين بقاء البدن، إدامته و نموه و تكاثره، حيث تتضمن تأمين المأكل و الحماية و الراحة البدينة و ملجأ المعيش اليومي.

2 ـ الحاجة الرمزية(11) ـ وظيفة الحاجة الرمزية هي إرضاء متطلبات الحس السيكولوجي لعلاقات الذات الواعية بكيانها. حيث تحدد هذه العلاقات مع موقع و مقام الذات بين الأشياء و الظواهر الطبيعية، و بين العلاقات و التراتيبية(12) الاجتماعية، أي مركب هوية الذات. كما إن هذه الحاجة هي وعي سيكولوجي يواجه و يعالج مسألة بقاء و زوال كيان الذات ـ أي الوعي الوجودي بالحياة و الموت. تؤلف وظيفة هذين الحاجتين: النفعية و الرمزية، بما نصطلح عليه بالوظيفة أو الحاجة القاعدية.

3 ـ الحاجة الاستطيقية ـ وظيفة الحاجة الاستطيقية هي إرضاء متطلبات سيكولوجية الفرد في الاستمتاع بالوجود، فتمنحه قيمة، و معنى وجودياً حسياً مستمتعاً. و ذلك بعد ان يحصل تأمين البقاء عن طريق تحقيق إرضاء الحاجتين القاعدية. فسيكون سؤال الذات: و ماذا بعد هذا البقاء غير الزوال! و ما إن يتحقق تأمين البقاء بإرضاء الحاجة القاعدية، ستمل سيكولوجية الفرد من تكرار التعامل، و يصبح الوعي بالوجود حالة مملة. بمعنى، ان واقع تأمين البقاء البيولوجي حالة تبعث السأم و العبثية. هكذا ظهرت الحاجة الاستطيقية، مع ظهور دماغ الإنسان العاقل، و تطور قدراته الابتكارية، كحاجة مستقلة، أسوة بالحاجتين القاعدية، و تأصلت في سيكولوجيته.

فالدار، مثلا، توظف لإرضاء الحاجة النفعية، كملجأ لتأمين الحماية من العوامل المناخية و من خطر العدو، إضافة إلى تأمين حيز للخلوة و العزلة و خصوصية المعيش.

كما أنها ترضي الحاجة الرمزية لأنها توظف لتعبر عن موقع مقام الساكن في المجتمع بالنسبة للآخرين، أي توظف الدار للتعبير عن هوية الذات الساكنة فيها، و عن هوية الجماعة التي تقترن هويتها مع مقام ذلك الساكن.

و أخيرا الدار أداة سرور و استمتاع بالنسبة للساكن، و بالنسبة إلى المشاهد. لذا الدار هي كذلك أداة تسخر في إرضاء الحاجة الاستطيقية، و هي حاجة الاستمتاع بالوجود، و إلا

1.4.

من دونها، لأصبحت الدور التي نعيش فيها، و القرى و المدن التي نتعايش فيها مع الآخرين، مادة جامدة بليدة، أداة ضجر و سأم.

ـ الاستطيقية إذن، ترضي حاجة حس و وعي سيكولوجية الفرد المعين باستمتاعه بوجوده، و سروره بنشوة هذا الحس. إن الأداة المادية لهذا الحس، هي صفة الإبتمال القائمة في علاقات التكوين الشكلي و التي يجملها بدن المُصنَّع.

ـ الفن هو تلك المصنعات التي تؤلف الأداة التي توظف في إرضاء متطلبات الحاجة الاستطيقية، و التي تشمل القطع الفنية كالعمارة و النحت و الرسم و الخط، كما تشمل السلوكيات التي ترضي الحاجة الاستطيقية كالرقص و الغناء و الرياضة و اللعب عامة.

ـ الجمال، هو تلك القيمة الحسية التي تمنحها ذاتية الفرد إلى معالم المصنع و الأشياء، و التي بتعامل القدرات الحسية السيكولوجية معها، تنسر. و بهذا السرور و الاستمتاع، تكون منحت سيكولوجية الذات قيمة لوجودها. فالعمارة و القطعة الفنية النحتية و الموسيقى و العربة و غيرها من التي يسخرها الفرد و المجتمع في إرضاء متطلبات الحاجة المركبة هي مصنعات ابتكرها فكر، و فاعل رؤيته مع مادة خام، فكانت المحصلة كيان المصنَّع. فيظهر المصنع شكلاً ملموساً يتم التعامل معه، بهدف إرضاء حاجة ما.

إن بحث العمارة من غير اعتبار صفة الابتمال و قيمة الجمال في سيكولوجية الفرد جزءا متأصلاً في الدورة الإنتاجية، سيصبح البحث مثالياً و غيبياً، و خارج عن واقعية مادية كيان الأشياء، و مادية وجودية الفرد الإنسان. لذا سيكون من المفيد قبل أن نشير إلى المبادئ الرئيسية للدورة الإنتاجية، أن نشير إلى مقوماتها و حركاتها.

3 ـ الدورة الإنتاجية ـ مراحل الدورة الإنتاجية، آلياتها و مقوماتها

3،1 ـ آلية حركة الدورة الإنتاجية

إن البنيوية العامة لآلية الدورة الإنتاجية هي تفاعل ثلاثة أقطاب في علاقات جدلية:

ـ القطب الأول، الوعي هناك حاجة ينبغي إرضاؤها، و يقترن هذا الوعي بدافع إرضاء هذه الحاجة، مع موقف سيكولوجي يمنحها أهمية بالقدر المناسب، بحيث يقرر استنفاد طاقة بهدف تحقيق إرضائها.

ـ القطب الثاني، التقنية الاجتماعية، و المتضمنة: المعرفة المكتسبة، و قدرات الابتكارية المستورثة، و المادة الخام، و قدرات جسم الإنسان في الحركة، و الطاقة المتوفرة طبيعيا.

كلا القطبين، يظهران للوجود، و يصبحان أقطاباً فعالة في تحريك الدورة الإنتاجية، حينما تقدم سيكولوجية الفرد و تحرك هذين القطبين، فتتفاعل. يحصل هذا ضمن تركيب لدورة إنتاجية، ضمن تنظيم اجتماعي معين، و في زمن و مكان محدد. لذا فالدورة الإنتاجية هي ضمن زمن التاريخ، لا تظهر أقطابها المتفاعلة كمقومات خارج زمن التاريخ.

لذا الإنتاج، و مصنعاته، كالعمارة، تمثل المجتمع، و تعبر عن الحضارة التي يبتكرها لنفسه.

إنها حركة حيث يقدم الكواز و يفاعل الطين في حالته الخام، بهدف تغير هذه الحالة و ابتكار الشكل الذي يكون في مخيلة الكواز، و الذي يؤلف هدف الحركة. في هذه الحركة، ستؤلف خصائص المادة، بحالتها المستقرة/ قوى العطالة، قوى تقاوم حركة الكواز. لذا يستنفد الكواز الطاقة المناسبة لإخضاع الخصائص لتأخذ الشكل المطلوب. و بهذا التفاعل المركب من مخيلة الكواز و الطاقة المستنفدة، يكون الطين قد تقولب و اخذ شكلاً مصنعاً. يحمل معالم تعبر عن مخيلة الكواز و قدراته المعرفية.

أن كفاءة الدورة الإنتاجية، في تحقيق صفات الإبتمال لشكل المصنعات، هي التي تحقق ظهور الحضارات بقدر ما تكون دورات كفوءة و ملائمة في زمانها و مكانها. عكس هذا، بقدر ما تعجز الدورة الإنتاجية عن تحقيق أداء كفء، ستخفق و تخسر موقعاً مناسباً في آليات المنافسة. لذا ستتخلف، و تزول و تستبدل بغيرها، و معها يكون مصير الحضارة التي تنبني عليها.

3،2 ـ قدرات الابتكار و الذاكرة

هناك علاقة متداخلة بين هذين القدرتين: الابتكار و الذاكرة.

إلا أن العلاقة بين الذاكرة و الابتكار ليست علاقة بسيطة مباشرة، و إنما شديدة التركيب و التعقيد، لأن وظيفة كلّ منهما تختلف عن الأخرى. فبتفاعلهما، يفرض كل منهما على الأخرى، شروط التفاعل، فتحدد أو تنشط أو تشوه أو توسع أو تنضج قدرات الأخرى.

فالابتكار له القدرة على ابتكار المعرفة، و الذاكرة لها القدرة في حفظ تلك المعرفة.

و بتقدم أداة الذاكرة و توسعها، تتقدم قدرات الابتكار و تبتكر أداة حفظ الذاكرة. يتمثل هذا بابتكار الأنماط حيث يظهر بصيغ الإيقاع و التناغم و الوزن، و التي تنبني عليها بنية سلوكيات فنون الغناء و الرقص و الرسم و الشعر. كما تبتكر قدرات الابتكار أداة التوثيق عن طريق شكل المصنعات، متمثلة بالكتابة و النحت و العمارة و الرسم و مختلف المصنعات الأخرى. بهذا يوثق المجتمع و يحفظ مختلف ما يبتكر من أيديولوجيات و تقنيات الإنتاج و كلجريات الأديان و الشرائع و القوانين و الأساطير و الطقوس، التي توظّف في تنظيم العلاقات الاجتماعية، و سلوكيات أفرادها.

هذه العلاقة بين المقدرتين: الذاكرة و الابتكار، هي التي تفسر لنا ظهور تنظيم و إدارة العلاقات الاجتماعية، بما في ذلك رؤيا الأيديولوجيات و الأديان و الآلهة و أنظمة السلطة و غيرها من الأنظمة، و كذلك ابتكار مختلف المصنعات في الزمن. فتظهر كل من هذه للوجود، و تصبح فعالة، فتنضج، و ينتهي زمنها ثم تزول، و يظهر غيرها و يستبدلها. إنها ا

1.5.

لآلية نفسها، في صيغتها الايجابية التي تؤدي إلى ظهور الحضارات الجديدة، و بصيغتها السلبية تؤدي إلى تجميد تطور الحضارات و بالتالي إلى انحطاطها و زوالها، فيحصل استبدالها بحضارة أخرى، أو زوال ذلك المجتمع.

3،3 ـ تفعيل الابتكار و الذاكرة

إن القدرتين: الابتكارية و الذاكرة، هما قدرات مستورثة بيولوجياً، غريزياً، و تبقى كامنة سابتة، و لا تؤلف سلوكيات أو معرفة أو قدرات إنتاج، و إنما إمكان محتمل في انتظار تفعيلها. أي، لا تتحرك و لا تفعل القدرات، ما لم تنشط. إنها إمكانات(13) potentialities ، إن لم تحرك، و تثار، و تدرب و تهذب، ستبقى قدرات فجة، غير مهذبة. لذا على المجتمع أن يهيئ الظرف المناسب لتفعيل هذه القدرات.

بيئة مجال تفعيل هذين القدرتين، متعددة، ربما أهمها: أولاً، صيغة التعليم، ثانياً، حرية الإرادة، ثالثاً، البيئة الاستطيقية لوجود الذات، رابعاً، الموقف من الإنتاج. تتداخل هذه المجالات و تؤلف بتداخلها البيئة الحسية و المعرفية و التعليمية التي يتعامل الفرد ضمنها و معها.

لذا على المجتمع إن يهيئ الظرف المناسب، و الفرص المتضمنة فيه، ليتمكن الفرد المعين، أن يقوم بتحريك قدراته الذاتية المستورثة. فيتقدم و يفاعل الكلجريات القائمة، و يبتكر الجديد منها و التي تتضمن التدريب و التثقيف و التعليم. و يقوم بترويض هذه القدرات و تنظيمها ليتمكن من تحقيق صفة الإبتمال في الإنتاج. و من هنا يصبح كياناً فعالاً مبتكراً. من غير تحريك هذه القدرات و تدريبها و تهذيبها، ستبقى سابتة كامنة، جامدة، متبلدة. كان هذا وصفاً لأهمية تحريك القدرات الابتكارية عن طريق التعليم و التدريب، و الآن، ننتقل و نشير إلى حرية الإرادة بكونها مجالاً أساساً في تفعيل قدرات الابتكار و الذاكرة.

لان الابتكار الذي يتحقق، كان من الممكن أن لا يحصل، و يأخذ بدائل أخرى مبتكرة. فالبدائل لا تؤلف حالة قائمة، فتكتشف، و إنما حالة تبتكر من قبل قدرات الابتكار. فالابتكار هو انتقال من المعروف و القائم، إلى اللاّ موجود أصلاً، و اللاّ معروف، إنه ابتكار من لا شيء. و لكنه فعل ينبني على قاعدة ظرف التعامل، و أساساً على خصائص المادة، و حصراً ضمن القدرات التي من الممكن أن تحقق التغير في ذلك الظرف. فابتكار شكل الكرسي يكون محدداً بمتطلبات البدن، و بخصائص المادة التي يصنع منها، و لكن بدائل الشكل غير قائمة في الوجود، ما قبل الابتكار، فالابتكار عملية توليد من اللا موجود، و لكنها تنبني على واقع مادي و ظرفي قائم. هذا التفاعل و الفعل يحصل ضمن الظرف الذي يهيئه المجتمع لهذا الفرد المُبتَكر. من غير هذه الفرصة التي يهيئها المجتمع لا يتمكن الفرد من تحقيق الابتكار. أو غالبا لا يحصل تحريك الفرد و يعي أن هناك مطلب جديد ينبغي إرضاؤها، من غير ظرف الإثارة.

إن أي تعامل مع البيئة يهدف إلى تأمين البقاء، يتعين بالضرورة أن يتضمن القدر المناسب من معرفة قائمة في الذاكرة، كمرجعية معرفية. تؤلف هذه المعرفة ذاكرة فعالة بقدر ما تكون متوافقة مع متطلبات خصائص المادة و البيئة: سواء منها الاجتماعية أم الحياتية أم الطبيعية. و بقدر ما يكون التعامل غير متوافق سيشغل طاقات غير ضرورية. و بهذا القدر سيصبح التعامل عاطلاً، أو سيعجز بنفس القدر عن تأمين البقاء، و غالباً بالمقارنة في مجال المنافسة مع الغير.

إن آلية الحس بصفة الإبتمال، هي سيرورة منح قيمة لهذه الصفة، و هي تحريك القدرات الطبيعية للحس بالابتمال التي يستورثها الفرد طبيعياً. في الوقت عينه، هي تحريك ما تحمل الذاكرة من تجربة سابقة و تراكم من خبرة التعامل و الحس بصفة الإبتمال. من غير تفعيل هذه القدرات الطبيعية و تفعيلها مع الذاكرة، و تداخل اقتران التفعيل الآني مع الذاكرة، ستعجز قدرات حسية الفرد من التعامل مع الأشياء المصنّعة و الطبيعية و القدرة على الحس بصفات الإبتمال.

3،4ـ الدورة الإنتاجية

تنبني الدورة الإنتاجية على تفاعل جدلي/ سببي بين مقررين مستقطبين: الأول الحاجة الاجتماعية و الثاني التقنية الاجتماعية. يتضمن المستقطب الأول، من الحاجة المركبة بمقولاتها الثلاث التي اشرنا إليها سابقاً. و يتضمن المستقطب الثاني، المتضمنة: الفكر و الحس و الحدس و المعرفة و المهارة و المادة الخام و الطاقة المسخرة، و غيرها من مقومات التقنية الاجتماعية، و كل ما له علاقة بقوى تحريك الدورة الإنتاجية.

ـ مراحل الدورة الإنتاجية

تتألف الدورة الإنتاجية من أربع مراحل، و هي المراحل ذاتها حيث يتحقق تحويل المادة الخام إلى الشكل المُصنَّع، كما هي المراحل حيث يتحقق إيصال المعلومات من المرسِل إلى المرسَل إليه، و يتحقق إرضاء الحاجة:

1. المرحلة الرؤيوية perception ـ الحس و الوعي بحاجة ما، أو ابتكار المخيلة حاجة ما جديدة، مثل ابتكار شكل محتمل لمصنع الذي يمكن أن يوظف في تلّقٍ مجدٍ.

2. مرحلة التصنيع ـ يقوم المُصنِّع و يوظف قدراته المعرفية و الحسية، التقنية التي يتعامل بموجبها، و يفعّل الرؤية التي يتلقاها من المرحلة الأولى، و يفعّلها مع المادة الخام. و بهذا يسخر طاقاته البدنية و الذهنية، مثل تلك الطاقات المستخرجة من مصادر طبيعية خارج بدنه، فيحصل تحول المادة من حالتها الخام، إلى شكل المصنّع.

3. مرحلة التلقي reception ـ يقوم المتلقي، بتفعيل المصنَّع، و عن طريق هذا التفعيل، الملموس و المحسوس يتحقق ظرف إرضاء الحاجة.

4. مرحلة التغذية الاسترجاعية Feedback ـ تقوم مرحلة التلقي، غالباً كمجموعات، و تنظم خبرتها في إرضاء الحاجة المتحققة ضمن ظرف تفعيل المصنّع، و تنقل هذه الخبرة إلى الدورة الإنتاجية اللاحقة. و تصبح ذاكرة فعالة ضمن الدورة الإنتاجية.

إن كفاءة الدورة الإنتاجية، في تحقيق صفات الإبتمال لشكل المصنعات، هي التي تحقق ظهور الحضارات بقدر ما تكون دورات كفوءة، و ملائمة بالنسبة إلى زمانها و مكانها. عكس هذا، بقدر ما تعجز الدورة الإنتاجية عن تحقيق أداء كفء، ستخفق، و تخسر موقعاً مناسباً في آليات المنافسة. لذا ستتخلف الدورة، و تزول و تستبدل بغيرها.

3،5 ـ التعليم و تطور بردميات (14) paradigm حضارة الإنسان

إن من بين أهم مقومات و صفات التعليم في الدورة الإنتاجية أن يتضمن المعرفة العامة لخصائص الظواهر و المادة. ان شرط هذه المعرفة لتصبح مجدية في ديناميكية المنافسة، و تكون فعالة في مجال الإنتاج و بناء حضارة المجتمع المعين، إن يكون مضمونها يتمتع بموقع منافس جيد في ديناميكية المنافسة لحضارة الإنسان عامة ـ هذا خاصة بقدر ما أصبحت الحضارات متداخلة. لهذا السبب، نجد أن الإنتاج المتقدم نسبيا في ديناميكية المنافسة، و ضمن أي حضارة كانت، سيكون ضمن بردمية حضارية متقدمة نسبة للحضارات الأخرى. كما يكون متقدماً في دور المنافسة و المقارنة نسبة إلى إنتاج البردميات الأخرى، و الفعالة في تطور و تقدم حضارة البشر.

يحصل نسبة تقدم الإنتاج، سواء كان في العمارة أم مختلف الفنون و المصنعات الأخرى، ضمن البردمية المعرفية الفعالة، و بالمقارنة مع القدرات المعرفية التي تحققها بردميات الحضارات الأخرى.

* (البردمية paradigm هي ذلك الإطار الحضاري السيكولوجي الذي يحجز فكر الجماعة/ المجتمع، ضمن أيديولوجية معينة معتمدة من قبل مؤسسات و منظمات قيادة المجتمع، المتمثلة بالدينية و السياسية و التعليمية و الإعلامية، و غيرها من القوى، بما في ذلك الكثير من الكلجريات culture الفعالة. فتصبح الأيديولوجية الفعالة في المجتمع، رؤيا للوجود و صيغ الإنتاج و إدارته و علاقاته، شبكة معرفية و اجتماعية، متعذر تجاوزها سيكولوجيا و اجتماعيا، إلا بجهد ثوري و معنوي، يقدم عليه البعض من قادة المجتمع. فاصطلح على هذا الإطار السيكولوجي و المعرفي بالبردمية. و النقلة leap هي تغير حضاري من بردمية لأخرى، لذا لها أهميتها التاريخية و الحضارية.)

1.6.

لذا نجد الإنتاج ضمن الحضارة العباسية مثلا، متمثلاً بإنتاج الأقمشة و المصنعات المعدنية و العمارة كان متقدم نسبيا إلى ما حققته حضارات زمانها، و يضاهيها. فكان إنتاج هذه الحضارة في القرن التاسع و العاشر متقدماً، لان البردمية المعرفية التي كان المجتمع يتعامل بموجبها متقدمة نسبة إلى الحضارات البيزنطية و الكارولونجية(15) Carolingian، التي كانت قائمة في أوربا المسيحية آنذاك.

ففي القرون الأولى من العصور التي اصطلح عليها بالقرون الوسطى، و لغاية القرن الثالث عشر، كانت الحضارة العباسية، و ما تتضمن من معرفة في مجال الإنتاج، معرفة مدعمة بمعرفة متقدمة في مجالات الفلك و صناعة المعادن و الطب و الفيزياء و الرياضيات، بالمقارنة مع ما كانت عليه في أوربا المسيحية اللاتينية.

3،6 ـ الأيديولوجية و التعليم

إن من بين أهم القوي الاجتماعية التي تصطدم مع تغير المعرفة هي الإيديولوجية القائمة، خاصة بصيغها الدينية. لأن المنظمات الدينية، بقدر ما تجمد التطور المعرفي، و تستمر في اعتماد المعرفة السابقة، ستجد نفسها على طرفي نقيض مع تلك المعرفة المستحدثة. كما إن هناك تداخلاً بين الأيديولوجية القائمة و صيغ التعليم، و هي صيغ كانت ابتكرت أصلا لتؤلف قاعدة معرفية لدعم الأيديولوجية، و ترويجها و الدفاع عنها. لذا فالتجديد في المعرفة سيتعارض مع قاعدة المعرفة القائمة.

يحصل هذا العجز بقدر ما تفقد القيادة اللاهوتية قدراتها على استيعاب متطلبات المعرفة الجديدة، والتكيّف معها. لذا تكتفي هذه القيادة بما لديها من معرفة، لا سيما إذا شعرت بأن التغير في المعرفة سيهدد مقامها و قيادتها في المجتمع.

كما يتمثل هذا العجز بصيغة أخرى، و هو ظهور ردود فعل لا عقلانية، و أحيانا عنيفة، ضد التطور المعرفي، و ذلك لتغطية عجز قادة المجتمع عن استيعاب متطلبات التغير في المعرفة. و يتمثل هذا بعجز الحضارة العباسية، فظهر في ذلك المجتمع حركات تنكر التقدم المعرفي. تمثلت هذه الحركات بموقف أبو حامد الغزالي من المعرفة، و الفلسفة عامة، في القرن الحادي عشر. و إن اعتبرنا أن هذه الحركات الرافضة للتطور المعرفي بدأت و تمثلت بإدارة سلطة الخليفة المتوكل، في القرن التاسع، فقد بالغ بالرفض المعرفي أبن تيمية، في القرن الثالث عشر. فكان له تأثير فعال في رفض التطور المعرفي، و لم يزل تأثيره قائماً حتى الآن. إذ عجزت قدرات هذه الحضارة عن مواكبة النقلات المعرفية التي حققتها أوربا اللاتينية منذ القرن الحادي عشر ـ لأن هذه النقلات تطلبت تغييراً جذريا في تكوين رؤيا الأيديولوجية الفعالة. و يتمثل هذا العجز في الرؤيا برفض السلطة العثمانية قبول تقنية الطباعة لمدة ثلاثة قرون.

4،0 ـ تطور القدرات الاستطيقية في العالم الإسلامي.

4،1 ـ المقدمة، اعتماد المقارنة الحضارية

حينما نسعى للتعامل مع مصنعات ابتكرتها الحضارة العربية ـ الإسلامية، كالتي نجدها في الفخار ذو البريق المعدني luster tiles في القرن الثامن، و الجصيات في سامراء القرن التاسع، و الزجاجيات منذ القرن الثالث عشر، أو الطوس البرونزية منذ القرن الرابع عشر، و الخشبيات المتضمنة أشكالاً هندسية و نباتية التي ظهرت في أبواب و محارب كثير من الجوامع و القصور و المدارس و الخانات منذ القرن العاشر، و ليس اقل أهمية المقرنص الذي ظهر و امتد من الشرق الأوسط إلى قرطبة، التي نتأملها، و نستمتع بجمالها. و نحن بهذا الاستمتاع نمنح قيمة لصفات الإبتمال التي تحملها هذه المصنعات و نحسها في أشكالها، لأننا نكون أدركنا، بمعرفة و حس و حدس لصفة الإبتمال القائمة في هذه الأشكال.

إن المقارنة بين صفات الإبتمال المحملة على أشكال المصنعات، و الحس بها و منحها أهمية، و الاستمتاع بجماليتها ضمن الطراز نفسه، سواء في شكل مصنعات تؤدي الوظيفة نفسها، أو مصنعات ترضي حاجات أخرى، تؤلف مقارنة مهمة. تؤهلنا هذه المقارنات إلى التعرف على القدرات الحسية و المعرفية التي حققتها الحضارة المعينة مقارنة مع أخرى، و توسع قدراتنا للتعرف على كل منها، و تهيئ لنا مرجعية موسعة نستخدمها في تقييم صفات الإبتمال القائمة في مصنعات، عمارة الحضارة المعينة. هذا خاصة بقدر ما نوسع هذه المقارنات و نقرنها بصفات إبتمالية لأشكال الظواهر الطبيعية المتمثلة بأشكال الزهور و أبدان الحيوانات و الغيوم و الأنهر، و غيرها من الظواهر ـ و التي بحكم كونها ظواهر طبيعية فكل من حالاتها تؤلف حالة لصفة مبتملة، كما اشرنا سابقا.

إن دراسة طراز الحضارة العربية ـ الإسلامية مفيد، و أهميته في أنه سيبين لنا القدرات الابتكارية و الحسية و المعرفية التي ظهرت و تطورت ضمن مراحل تطور الحضارة نفسها. و مع نظرة عامة لما ابتكر هذا الطراز من صفات إبتمالية، سنجد بأنه ابتكر و طور و نضج في القرن التاسع، و آمتد إنتاجه لغاية نهاية القرن التاسع عشر. أي، عشرة قرون من غير أن يحقق نقلة، أو نقلات متعددة في صفات الإبتمال، أي في سمات أشكال المصنعات، أو في التقنيات المسخرة في الإنتاج. لقد حصل تجميد عام لتطور الطراز، بالرغم من أنه ابتكر طرزاً محلية متعددة عمّت و تنوعت بدورها بطرز ثانوية، و آمتدت ضمن كامل حدود الإمبراطورية الإسلامية، و خارجها، من الصين إلى اسبانيا.

1.7.

لهذا السبب، إن حصر المقارنة ضمن الطراز نفسه، بالرغم من أهميته، لا يدلنا على موقع هذا الطراز، و أهمية ما حقق من صفات إبتمالية، بالنسبة إلى تطور عمارة حضارة الإنسان. لذا ستبقى، مقارنة مثل هذه، بهذا المفهوم، مقارنة مقصورة و ناقصة. هنا مصدر أهمية مقارنة طراز حضارة معينة بطراز الحضارات الأخرى، خاصة مقارنة النقلات المعرفية و الطرزية التي حققتها هذه الحضارات في الحقبة الزمنية ذاتها.

مقارنة طراز الحضارة العربية ـ الإسلامية مع حضارة أخرى، كالصينية، مثلا، للفترة التاريخية نفسها، سيؤلف مقارنة مفيدة جدا، و لكنها تتطلب الخوض في بحث معالم متعددة، و مراحل تاريخية غير متزامنة، التي تزيد البحث تعقيدا. و ذلك لأن التكوين الأيديولوجي لهاتين الحضارتين، تطور أحداثها الاجتماعية و السياسية متباينة تماماً. بالرغم من إن كليهما انبنى على بنيوية الإنتاج الزراعي. لذا ابتكرت كل من هاتين الأيديولوجيتين كلجريات و طقوساً و صيغاً للمعيش، متباينة عن الأخرى، في كثير من علاقاتها الإنسانية و الإنتاجية. لذا سيكون من المفيد أن نحدد المقارنة مع حضارة مشابهة في تكوينها، و في تماس معها، أي الحضارة المسيحية.

لقد ظهرت هاتين الحضارتان: المسيحية و العربية/الإسلامية، و انبنت على أيديولوجية مشابهة، أو رؤيا للوجود متطابقة من حيث مصدر المعرفة ـ القدرة الإلهية. هذا ما سيسهل علينا البحث. إن وظيفة الأيديولوجية هي تهيئة رؤية عامة شاملة، سهلة التفهم و التداول و الترويج بين عامة الناس، تتمثل بالأديان، و الرؤيا السياسية الشمولية. بما إن القاعدة الأساس لأيديولوجية هاتين الحضارتين هي متشابهة، هذا ما سيسهل علينا المقارنة في مجال العمارة، و الإنتاج عامة. و يساعدنا في التركيز على المقومات الطرزية و ظروف ابتكارها.

ما أن تبتكر أيديولوجية معينة، و تصبح مستقرة، تبتكر عندئذ كلجريات متعددة تقوم بوظيفة دعم رؤيا الوجود التي تروّج لها و تعتمدها. فتقوم هذه الكلجريات بوظيفة إدارة سلوكيات أفراد المجتمع و العلاقات فيما بينهم. و تنتظم هذه الكلجريات بمؤسسات و منظمات في مختلف مجالات العلاقات الاجتماعية، بما في ذلك: التعليم، علاقة السلطة بالرعية، علاقة الذكور مع الإناث، صيغ التكاثر، تربية الأطفال، تنظيمات العمل الحرفي، صيغ الاستمتاع بالوجود، صيغ التجارة، البحث المعرفي، تراتيبية التفاضل الاجتماعي، مؤسسات العدل، الموقف من الأيديولوجيات الأخرى، المنافسة و المشابهة، تناول الأطعمة و الموقف من صيغ تناولها، و غيرها من الكلجريات التي تنظم سلوكيات أفراد المجتمع. كما اشرنا بأن هذه الكلجريات تبتكر الطقوس التي تدعم ممارسة هذه السلوكيات، و تجعل أفراد المجتمع مندمجين بها عن طريق إسهام أفراده، و المتمثلة بطقوس الصلاة، و المهرجانات، و الأعياد و غيرها.

لذا سنشير إلى عمارتين، و نقارن بين الحضارتين اللتين ابتكرتهما، و هما: عمارة الحضارة العربية الإسلامية و عمارة الحضارة المسيحية اللاتينية في أوربا. ذلك بقدر ما يتعلق تطور الموقف من العمارة عامة و الحاجة الاستطيقية خاصة، ضمن تطور الحس بقيمة الجمال في كلا الحضارتين.

قبل أن ننتقل إلى وصف مقارن لهاتين الحضارتين و ما تتضمن من أيديولوجيات مشابهة و تأثيرها على العمارة، سيكون من المفيد أن نشير هنا بأننا لا نشير إلى الحضارة اليهودية. هذا بالرغم من إن مصدر الكثير من الأساطير التي جاءت في القرآن هي في التوراة و ليس الإنجيل. و بالرغم من إن مصدر البعض من الكلجريات اليهودية أعتمد من قبل الأيديولوجية الإسلامية، كالختان و بعض مظاهر الموقف من الطعام. (إن سبب إهمالنا لهذه الحضارة الأخيرة، هو أنها انبنت على أيديولوجية حصرية Exclusivity / حقوق مقصورة. لذا لم تتمكن من تأسيس دولة موسعة أو إمبراطورية، لتؤلف قاعدة لتطور معماري متميز يمتد في الزمن، بالمقارنة مع الحضارتين المسيحية و الإسلامية.) حيث تمكنتا من بناء حضاري في عصور متزامنة، لمدة تقارب عشرة قرون ـ من القرن التاسع لغاية القرن التاسع عشر.

قبل أن نقدم على هذه المقارنة، سيكون من المناسب، أن أبين بأننا لا نتكلم أو نقارن عمارة إسلامية مع عمارة مسيحية. مثل هذه العمارة لا وجود لها. إنما نتكلم على حضارتين تمتلكان قاعدة أيديولوجية متشابهة. فالدين هو رؤيا للوجود، و هذه الرؤيا تبتكر كلجريات، تقوم بدورها في ابتكار الفنون و الطرز. لذا من الممكن أن تبتكر كل من هذه الأديان كلجريات متعددة، و كل منها تبتكر طرز متعددة، بينما العقيدة الدينية، تستمر هي ذاتها، لحين تحصل نقلة أيديولوجية فيستبدل الدين بدين آخر.

4،2 ـ الأساس الأيديولوجي للحضارتين: المسيحية و الإسلام

4،2،1 ـ أيديولوجيات التوحيد

الأساس الأيديولوجي لكلتا الحضارتين، المسيحية و الإسلامية هو دين التوحيد، المصطلح عليها أحيانا بالإبراهيمي. يرجع تاريخ تطور رؤيا التوحيد، أي توحيد العبادة بإله واحد، إلى مفاهيم تبلورت في حضارات متعددة. ظهرت هذه الرؤيا، و تبلورت مع ظهور السلطة المركزية في إدارة المجتمع، و مع ظهور الإنتاج الزراعي. و قد تداخل تطور هاتين السلطتين، مركزية إدارة المجتمع، و مركزية العبادة، و ذلك بهدف دعم كل من هاتين المركزيتين احداهما للأخرى. فظهر، أولا إله المدينة، و من ثم إله السلطة المركزية، و أخيرا إله الإمبراطورية مع ظهور الإمبراطوريات الكبرى، تمثل هذا بالإله مردوخ و آشور في حضارة وادي الرافدين، و زيوس كبير الآلهة الإغريق. و لكن ظهور آلهة المدينة أم الدولة هذه لا يتعارض من الآلهة المتعددة القائمة في المدينة نفسها. و كان الفرد حراً في اختيار عبادة احد الآلهة القائمة في المدينة، شرط أن تخضع هذه العبادة للإله المركزي المعتمد من قبل السلطة.

ربما كانت أول محاولة من قبل السلطة إعلان الإله الموحد، في عصر الفرعون اخناتون Ikhnaton في القرن الرابع عشر ق.ع (16) . بعبادة الإله أتون. ألغيت هذه المحاولة بعد وفاته، مع مقاومة شديدة من قبل منظمات المعابد المصرية عامة. و لكن هذه العلاقة بين المركزيتين السلطة و إله الدولة، ظهرت بصيغ أخرى، لاهوتية و فلسفية في عصور لاحقة. و تثبتت بظهور الرؤيا الإلهية الوحدانية.

ظهرت رؤيا توحيد الآلهة، أو الأصح أن نقول الاعتراض على تعددها كموقف منطقي، في الفلسفة الإغريقية في مفهوم سقراط إلى الآلهة، و نظرية المثال عند أفلاطون، كان هذا في القرن الخامس ق.ع.

أما في مجال التنظيم اللاهوتي، فظهرت الزرادشتية بمفهوم توحيد العبادة بقوتين، إله الخير، اهورا مازدا، و إله الشر، اهريمان، أي ثنائية القوى ـ و كلاهما يؤلفان وحدانية القوى. لا يوجد زمن تاريخي واضح لظهور هذه الرؤيا، و لكن من الأكيد ظهرت قبل المسيحية و اليهودية بعدة قرون. تختلف الزرادشتية عن رؤيا اخناتون، في انها رؤيا تتضمن رؤيا للوجود و ما بعد الوجود، أي رؤيا للعالم الآخر، و كيفية محاسبة الفرد بعد الوفاة، و امتحانه عن طريق مروره بجسر مستقيم حيث يعبر عليه الأفراد الخيّرون، و يسقط

2.1.

الشرير في هوّة تعذيب ابدي. المهم في هذه الرؤيا، توحيد جميع قوى الظواهر بثنائية مركزية، و لذا اتصفت بكونها نظاماً وحدانياً، اعتمد و امتد في الزمن. و لكل من هذين الإلهين في هذه الثنائية المتصارعة، هناك بانثيون (17) Pantheon كامل، متكون من ملائكة و أرواح.

بعد الزرادشتية جاءت الديانة اليهودية و ظهرت في فلسطين، في زمن حوالي بقرنين قبل المسيحية، و التي تتضمن عبادة يهوا، و هو إله وحدوي. ثم ظهرت الديانة المسيحية في فلسطين التي تتضمن كذلك إلهاً وحدويّاً. و مع المسيح، هناك بانثيون كامل من الملائكة. و قد تطور و توسع هذا البانثيون مع توسع المسيحية و اعتناقها من قبل شعوب متعددة، و التي أدخلت آلهتها المحلية ضمن الرؤيا المسيحية بصيغ قدسيين.

بعد المسيحية ظهرت المانوية في بابل في القرن الثالث، و التي انبنت رؤيتها على البوذية و الزرادشتية و المسيحية، في رؤيا عالم ينبني على خصام بين الخير و الشر، كذلك رؤيا ثنائية القوى (18) . بعد المانوية بثلاثة قرون ظهر الإسلام، مع مركزية واضحة للوحدانية، و كغيره تضمن بانثيون متكوناً من الشيطان و جبرائيل و عدد كبير من الملائكة، وبالتالي الحوريات.

إن رؤيا الوجود المتضمن في الأيديولوجية المسيحية و الإسلام يقعان ضمن تطور أيديولوجي دام عدة قرون من الزمن. و جاءت محصلة لظروف العلاقة بين مركزية الدولة و منظمة اللاهوت، و الإشكالات الاجتماعية التي ظهرت مع توسع و تركيب دولة الإنتاج الزراعي: و لذا تضمنت كل من هذه الرؤيا وعداً بخلاصية salvation للفرد و للجماعة ـ الخلاصية الوعد بعالم آخر مستقبلي مريح و سرمدي. و من الملاحظ إن توحيد الآلهة في الزرادشتية و المانوية، أو الإله الواحد في اليهودية و المسيحية و الإسلام، و بالرغم من الإعلان الواضح جدا في الإسلام،«لا إله ألا الله»، فإنها كلها في واقعها ليس توحيداً محضاً Monotheism، و إنما رؤيا بما اصطلح عليها بالوحدانية Henothesim، لأنها تضمن الثنائية، متمثلة بوجود الشيطان كقوى ثنائية مع الله، كما تتضمن بانثيون متوسعاً معتمداً ضمن الأيديولوجية، متمثلة بالملائكة و غيرهم.

بعد هذا العرض المختزل لتطور رؤيا الوحدانية، يمكن لنا الآن نسأل ما هي أهم مبادئ هذه الرؤيا و تأثيرها على تطور الإنتاج؟ ربما أهم هذه المؤثرات هي ثلاثة:

ـ 1ـ إن حصر السلطة بإدارة مركزية، لا يؤدي تلقائيا إلى حصر المعرفة بهذه السلطة. فقد جاءت رؤيا الوحدانية لتقوم بهذه الوظيفة، أي أبعدت مصدر السلطة عن الإنسان الفعال، سواء في مركز السلطة أم خارجها، و بهذا حجبت عن أفراد المجتمع حق ابتكار المعرفة بهدف إدارة المجتمع. إن أهمية هذه الرؤيا الوحدانية، في أنها أمنّت للمجتمع أنظمة مستقرة، لمجتمع زراعي، أصبح شديد التعقيد، مع سلطات قيادية مركزية متغيرة، مقارنة مع مجتمع الصيد.

إن قاعدة نكران حق المجتمع عن التفكر و المساءلة، كان بتهيئة نصوص تعبر عن إرادة وحدانية، و بهذا تصبح المعرفة المتضمنة فيها أساس المعرفة، و تتفرد. خاصة إذا تم دعم هذه النصوص برؤيا لاهوتية تفترض إن هذه النصوص تتضمن كامل المعرفة ـ هكذا استقرت معرفة إدارة المجتمع، فتبعا لها استقر تكوين المجتمع، أو تخفف الارتباك الحاصل بسبب التطور السريع الذي اخذ يحصل مع الإمبراطوريات الزراعية، خاصة في مجال إدارة الأحوال الشخصية و الرؤيا العامة للوجود. و لكن هذه الرؤيا جعلت، أي تطور معرفي مستقبلي يتعارض مع هذه النصوص غير مقبول و منبوذ، و معرّض إلى العقاب.

ـ 2 ـ لا يوجد هنالك تناقض بين النصوص المعتمدة لإدارة المجتمع، و التي تعبّر عن الوحدانية، و المعرفة التي تتضمن فيها، و مع المعرفة الحرفية التي كانت قائمة و فعالة في المجتمع الزراعي. إن المعرفة التي يسخرها الحرفي البسيط في الإنتاج تنبني في آنيات مخاضات المنطق المستخدم في سيرورات الدورة الإنتاجية. من غير هذا المنطق سيعجز التصنيع عن تحقيق صفة الإبتمال.

إن رؤية المجتمع التقليدي عامة للإنتاج، و ما تستنفده من طاقة، و كذلك واقع المعرفة عامة، تستند على معرفة انلوغية analogue ـ المعرفة عن طريق المتشابهات. لذا، لا تعارض بين المعرفة ضمن الدورة الإنتاجية، و المعرفة القائمة في النصوص اللاهوتية المعتمدة. لان هذه الأخيرة، هي ذاتها معرفة انلوغية.

2.2.

إن أساس القدرة الإلهية في الرؤيا الوحدانية، هي قدرة الإرادة التي تتحكم في جميع حركات الظواهر، بل مصدر وجودها و علاقاتها و حركاتها، و تأثيرها على معيش البشر. و لكن مع التطور المعرفي العلمي، و مع ظهور قدرات المعرفة المنطقية في مجال رؤيا الوجود عامة، بدأت تظهر رؤيا إلى قوانين طبيعية. ظهرت البعض من هذه القوانين، أو مبادئها الأولية في العلوم الإغريقية. متمثلة بمبدأ الثقل النوعي الذي اكتشفه الفيزيائي الإغريقي أرخميدس (287 ـ 212 ق.ع.).

نظّر أرسطو بأن هناك نوعين من الحركة: الحركة الطبيعية natural motion، و حركة شديدة الانفعال violent motion.اعتبر مصدر الحركة الطبيعية كامنة في «طبيعة» الأجسام نفسها. و كل شيء في الكون له مكانه المناسب في خصائص المادة/ «الطبيعة» (19) ، و كل شيء ليس في محله سيسعى ليرجع لمحله ـ فتؤلف هذه الرؤيا بداية لقانون العطالة (20) الذي جاء به نيوتن. و قد حدد أرسطو نوع الحركات و سرعتها، باعتبارها «طبيعية». المهم في هذه الرؤيا، أنَّ هناك قوانين، متأصلة في الأشياء، في حركتها و علاقاتها. أي وضع أرسطو المبادئ الأولية لمفهوم القوانين الطبيعية.

غير أن هذه المعرفة لم تتقدم، بل أهملت مع هيمنة الايدولوجيا المسيحية و الإسلامية على إدارة منطقة الشرق الأوسط و أوربا. و اعتباراً من القرن الحادي عشر، و مع تطور الإنتاج في أوربا اللاتينية (21) ، خاصة مع ظهور التصنيع الميكانيكي، المتمثل بالساعة الميكانيكية، في القرن الثاني عشر، و انتشارها في مختلف المدن الأوربية في القرن الثالث عشر، بدأت تظهر حاجة ملحة إلى اكتشاف القوانين الطبيعية، و التي تنبني عليها تقنيات الإنتاج الميكانيكي.

* (يعني «القانون الطبيعي» بأن حركة الأشياء، و علاقاتها تخضع إلى قوانين متأصلة في الطبيعة، و لذا لا قدرة عليها خارجها، إلهية أو غيرها. من هنا، أصبح اكتشاف أي من القوانين الطبيعية، يلغي الإلهية من التحكم في حركة الظاهرة المعنية ـ هذا ما يتعارض جذريا مع الرؤيا الوحدانية، و القدرات الإلهية عامة. (22) )

ـ 3 ـ تفترض الوحدانية بان مصدر الحركة هي قدرة إلهية، تتحكم في الأشياء كما تشاء. هذه الرؤيا لا تتعارض مع القوانين الطبيعية فحسب، و إنما الإيمان بهذه القدرة، يعطل البحث عن مصدر الطاقة في حركة الأشياء، و مسبباتها الحقيقية. و لكن مع التطور في الإنتاج الميكانيكي، الذي أخذ يظهر و يتطور في أوربا، ظهر تعارض متأصل بين هذين الرؤيتين: الاوحدية و في المقابل القوانين الطبيعية. مما سبب تعرض المكتشفين لهذه القوانين إلى إرهاب المجتمع، و قادته في السلطة و المنظمات اللاهوتية. سنشير في فقرة لاحقة إلى كيف واجه الفكر الأوربي هذه الإشكالية في المعرفة، و تعارضها مع الإيمان.

لم تؤلف هذه القضية إشكالية في عالم الحضارة العربية ـ الإسلامية لسببين: أولا، لم تظهر الصناعة الميكانيكية فيها، و لذا لم يكن حاجة إلى التنظير في العلوم الطبيعية، و تظهر ضرورة اكتشاف قوانينها ـ و لم يزل الأمر كذلك، لان الأدوات الميكانيكية و معرفة التعامل معها، مستوردة من خارج المجتمع. ثانيا، لم تمنح الحضارة العربية ـ الإسلامية ظاهرة الطاقة اهتماما. لان مصدرها قوة إلهية، تمنح للبشر، من دون تساؤل. كما أن الاعتراف بوجود الجهد في الإنتاج، و الذي ينبني كطاقة في بنى المصنع، و يتأصل فيه، سيتعارض جذريا مع كلجرية الغزو ـ هذه كلجرية استورثتها الحضارة الإسلامية من المجتمع العربي البدوي ـ خاصة منطقة الشرق الأوسط.

* ( ملاحظة: إن قاعدة كلجرية الغزو هي المفاجئة و الخدعة و الاستيلاء على ما عند الآخر من أشياء، أي، سلب الآخر مما تتضمن هذه الأشياء و تحمل من طاقة مستنفدة فيها. بينما تنبني كلجرية الحرفة و التجارة على الثقة المتبادلة، و تقييم و تقدير الطاقة المستنفدة في الشيء المعروض للتتبادل. )

4،2،2 ـ التشابه بين الأيديولوجيتين المسيحية و الإسلامية

ما يهمنا هنا فقط التشابه بين المسيحية و الإسلام، لأنهما يؤلفان حضارتين تزامنتا في زمن التكوين الحضاري لمدة عشرة قرون، كما اشرنا سابقاً. و لأنهما متجاورتان، و تشتركان في مفاهيم كلجرية متعددة ضمن الرؤيا الأيديولوجية العامة. إن أهم ما يهمنا في التشابه بين الحضارتين، هي الكلجريات التالية:

1 ـ بقدر ما اعتمد كلاهما رؤيا الوحدانية، فقد انحصر مصدر المعرفة في النصوص اللاهوتية، بالنسبة للمسيحية في الإنجيل، و تبعاً لذلك التوراة، و القرآن بالنسبة للإسلام، و تبعاً لذلك الحديث. لذا أصبح ظهور المعرفة و توسعها، أو قوى تكوينها، في هذه الرؤيا، خارج الدورة الإنتاجية، و قدرات الابتكار و الذاكرة التي يستورثها الإنسان بيولوجيا، و بتفاعله حضارياً و كلجرياً.

2 ـ تخلو كل منهما من كلجرية تدعم الممارسة الحرفية، الإنتاج، لذا لا تمنحه مقاماً اجتماعياً مرموقاً. فقاعدة الوجود، أي تهيئة قوت المعيش، صونه، و سند الرزق، مصدره و قاعدته هو إرادة الإله. لذا لم يظهر مع ظهور هاتين الأيديولوجيتين مقام متميز إلى الحرفة، و الحرفيين ـ بمعنى لا يوجد كلجرية تمنح قيمة إلى الطاقة المستنفدة في الإنتاج، و احترامها.

4،2،3 التباين بين الأيديولوجيتين

خلافا لقاعدة هذا التشابه بين الأيديولوجيتين، هناك تباين جذري بينهما، و ما يهمنا من الكلجريات التي ظهرت معها، هي:

1 ـ يتضمن الإسلام نصوصا لنظام متوسع لإدارة الأحوال الشخصية، بينما تفتقر المسيحية لها. لذا تمتع اللاهوت المسيحي بحرية ابتكار أنظمة متعددة للأحوال الشخصية. فتبتكر

2.3.

هذه، و تظهر و تزول حسب متطلبات رؤيا اللاهوت بأهميتها و صلاحيتها.

2ـ تتضمن الأيديولوجية المسيحية رؤيا للعبادة عن طريق التزهد، استمرارا لتنظيمات معابد الأديان السابقة، و كلجريات متعددة إغريقية و رومانية كانت سائدة في المنطقة، و ردود فعل ضد معيش بذخ المجتمع الروماني (23) ، فظهرت الأديرة المسيحية.

3 ـ إن قاعدة ظرف تكوين الإيديولوجية المسيحية هي التبشير، و المنبني على الحوار و الإقناع. بينما قاعدة ظرف تكوين الأيديولوجية الإسلامية، هي عسكرية، قبلية، أي الغزو و الفتوحات.

4،3 ـ الحضارتان: المسيحية و الإسلامية

لحد الآن في هذه الدراسة نتكلم عن المسيحية و الإسلام بصيغتهما المطلقة، و كنا حددنا الفترة الزمنية التي اعتبرناها أساساً للمقارنة، و أساساً لدراسة العمارة العربية ـ الإسلامية.

غير أن ما نسعى إليه هو تحديد المقارنة لنتمكن من التوصل إلى صورة اقرب إلى واقع تطور القدرات الاستطيقية في العمارة العربية ـ الإسلامية، و ما حققته الطرز المبتكرة في مختلف تفرعاتها الطرزية. لذا فإن الحضارة العربية ـ الإسلامية التي نتكلم عنها محددة بالشرق الأوسط، كما إن المسيحية التي نتكلم عنها محدده باللاتينية حصراً.

ـ ا ـ إن المسيحية التي ظهرت في فلسطين، انتقلت إلى أوربا، و تربعت على قاعدة الحضارة الرومانية. فابتكرت هناك الحضارة المسيحية اللاتينية. و لذا فنحن نتكلم على المسيحية اللاتينية، و ليس المسيحية بصيغتها المطلقة. هذا لا يعني أن المسيحية التي استمر وجودها في الشرق الأوسط، لم تتأثر بالتطورات التي كانت تحصل في أوربا اللاتينية، خاصة تلك التي في لبنان.

و بانتقال المسيحية إلى أوربا، تربعت على قاعدة أيديولوجية رومانية تتضمن مفهوما للحرفة و تنظيمها بموجب منظمات معترف بها من قبل الدولة و إدارات المجتمع، كما من قبل المجتمع نفسه ـ مفهوم تنظيمات النقابات و اللوجات (24) و الكلدات (25) التي ظهرت على هذه القاعدة ـ أنها القاعدة الأساس في تكوين المجتمع المدني، الذي كان قائماً بصيغه الأولية في المجتمع الإغريقي/ الروماني. إضافة إلى ذلك، بانتقال المسيحية إلى أوربا فتأسست على قاعدة فلسفية، إغريقية و رومانية، تتضمن المنطق و المساءلة الجدلية، في رؤيا الوجود عامة، فتأثرت بها.

ـ 2 ـ الحضارة الإسلامية التي نتكلم عنها هي حصرا تلك التي ظهرت في البقعة الممتدة من إيران إلى مصر، مروراً بسوريا و العراق. و مع انتقال الإدارة الإسلامية إلى هذه البلدان و المجتمعات، فجلست أساسا على قاعدة الإدارة الساسانية، و التي تتضمن تراتيبية شديدة الصرامة، و التي انبنت على هيكلها الدولة الخلافية، من حيث مركزية السلطة.

كما أن الحضارة الساسانية التي اعتمدت أساساً الإيديولوجية الزرادشيتة التوحيدية، لا تتضمن كلجريات فلسفية، أو كلجرية البحث في الظواهر، أو كلجرية منح مقام مفضل إلى الحرفة. فهي حضارة، كغيرها من الحضارات الانلوغية، لا تتضمن أيديولوجيتها المنطق و المساءلة.

فالإدارة الإسلامية التي أخذت محل الإدارة الساسانية، خاصة في العراق، و انبنت على قاعدتها، في تكوين دولة الخلافة العباسية، جاءت أصلا من كلجرية البداوة و الغزو. فجاءت لتكون دولة متوسعة، من غير أن تمتلك مقومات احترام الحرفة أو المنطق، و هكذا استمرت هذه الحضارة ـ حينما ظهر المنطق لدى الفلسفة في الحضارة العربية الإسلامية، و تمثل بالكندي و ابن سينا، كان هذا التطور المعرفي بين الصفوة، خارج اللاهوت المعتمد الرسمي، و لم يتأثر بها، إن لم يكن معاديا لها. كما أن تكوين هذا المنطق لم يكن في تماسٍّ مع الإنتاج. و لم تكن الرؤيا الفلسفية، و العلوم التي رافقتها، في تماسّ مؤثر على الإنتاج الحرفي. فالحرفة كانت تبتكر تقنياتها و المعرفة التي تسخرها بمعزل عن منطق وفلسفة و علوم الصفوة.

و حينما ظهرت حركة المعتزلة في القرن الثامن، و معها ظهرت بوادر المساءلة ضمن رؤيا اللاهوت، تم القضاء عليها في مهدها. فكانت مساءلة خارج البحث في الظواهر الطبيعية. و حينما ظهرت العلوم الطبيعية متمثلة أبي بكر الرازي، و ابن الهيثم، كانت خارج المنظمات اللاهوتية، و في خصام معها (26) .

ـ 3 ـ ظهرت الحضارة الإسلامية و تمكنت من تكوين صياغة طراز معماري و تميزت به، منذ القرن التاسع و استكمل آنذاك مقوماته الأساس و نضجت، و ذلك في سوريا و مصر و إيران و العراق، و استمرت معالمه في الحضارة العثمانية. استمر هذا الطراز، لحين القرن التاسع عشر. فظهرت في خلال هذه الفترة الزمنية طرز ثانوية متعددة، و نضجت في بعض المناطق أكثر و أميز من غيرها. و لكن حافظ الطراز على مقوماته التكوينية الشكلية خلال هذه الفترة، و لم يتجاوزها.

4،4 ـ مقارنة بين منظمات اللاهوت المسيحي مقابل اللاهوت الإسلامي.

4،4،1 ـ ظهور الأديرة

أدى انتقال المسيحية إلى أوربا، إلى ظهور الأديرة، و التي أدت بدورها إلى تغير جذري في تكوين منظمات اللاهوت المسيحي. إن وظيفة الراهب الأساس في الأديرة هي العبادة. و لكن على الراهب في الأديرة، العمل ضمن تنظيم الدير، أي العمل في الحقول و إنتاج المصنعات و العمارة، مما جعل الراهب في تماس مباشر مع الإنتاج، أي في علاقة وجودية، تأملية معرفية تتطلب التعرف على خصائص المادة، و إلا يعجز الإنتاج عن تحقيق صفة الإبتمال، و جدواه.

لذا، حينما انتقلت العلوم و الآداب و الفلسفة الإغريقية والرومانية إلى الأديرة، في القرن الحادي عشر، عن طريق العرب، و من ثم تأثرها بكتابات ابن رشد خاصة، و غيره من فلاسفة العرب، و اطلاعها على العلوم العربية عامة، خاصة منها الدراسات في فيزياء الضياء التي حققها ابن الهيثم، كانت المعرفة و الموقف من المعرفة في هذه الأديرة متهيئة لهذه النقلة المعرفية.

مهّد تماس الرهبان مع التصنيع، إلى استيعاب متطلبات المعرفة العلمية و الأدب الكلاسيكي، كما مهّد للتعامل مع المعرفة المستوردة من العالم الإسلامي. و لكن هناك عاملان آخران، ربما لا تقل أهميتهما عن الأولى، في تهيئة قدرات الاستيعاب، واستحداث النقلة المعرفية التي سنشير إليها فيما بعد. أو ربما الأصح أن نقول، بأن عامل تماس الرهبان

2.4.

مع الإنتاج لم يكن بحد ذاته كافياً لهذه التهيئة.

أولا، ظهرت الأيديولوجية المسيحية في القرن الأول، فكان ظهور و تكوين النظام اللاهوتي الذي لم يحصل برؤيا فرد معين، كما هو في الإسلام، بل كان محصلة إلى رؤيا كتاب و مفكرين متعددين، دام أكثر من أربعة قرون. ما أن ظهر الإنجيل، حتى تقدم مفكرون كثيرون، و من بين أهمهم القديس أوغسطين (ق 4 ـ5) الذي حاول التوفيق بين الرؤيا الإنجيلية و الفكر الأفلاطوني. إضافة إلى أن قاعدة ظهور الأيديولوجية المسيحية كانت هي الدعوة عن طريق التبشير، و ليس الحرب و الغزو و الاحتلال، و إجبار الناس على قبول الدين الجديد. هذا مما جعل هذه العقيدة، منذ بدئها، تواجه ضروريات الإقناع و الحوار.

من بين الذين استقطبتهم الدعوة المسيحية، و ارتقوا إلى مراكز قيادية، هم المطارنة. فقد كانوا متعلمين، مطلعين على الفلسفة الإغريقية و مبادئ المنطق (27) ، و لذا أقدموا على المساءلة. أي، منذ البدء، في القرن الثالث و الرابع، بدأ المتعلمون و المثقفون، الذين اعتنقوا الدين المسيحي، في منطقة الشرق الأوسط، و قبل أن تنتشر الدعوة المسيحية و تمتد إلى أوربا، يساءلون الرؤية التوحيدية بصيغتها الثالوثية المسيحية. سعى هؤلاء المؤمنون على المسائلة لأنهم كانوا مطلعين على الفلسفة و المعرفة الإغريقية و الرومانية، و خاصة المنطق الموجود في أدب أفلاطون. يسألون كيف الله الخالق هو في الوقت عينه، إنسان نزل إلى الأرض، و قد اضطهد من قبل البشر. أي لم تقبل الدعوة من قبل هؤلاء، بسبب فراغ معرفي، أو جهل في المنطق الكلاسيكي، و إنما الإيمان، و معه المساءلة.

ثانيا، سخرت الإدارة المسيحية الفنون، الرسم الجداري و الموزايك كأداة تعليمية تبشيرية، و مع تأسيس الدولة المسيحية في أوربا البيزنطية، سخرت المنحوتات إضافة إلى الرسوم و الإيقونات و رسوم المخطوطات. اشترك الرهبان و القسسة في تصنيع هذه الفنون، و التعرف عليها، فكانوا في تماس و في تصنيعها مع هذه الفنون. هذا ما أهّل قدراتهم الحسية للتعرف على الفنون الكلاسيكية، و الحس بما تتضمن من صفات إبتمالية.

كمثال إلى هذا الموقف من ممارسة الفن من قبل رجال اللاهوت، أشير إلى الراهب سوكر ٍSugar (1151 ـ 1081) رئيس دير القديس دنيس St. Denis بالقرب من باريس. كان سوكر مسؤولاً عن مشروع الفن و العمارة لوسط العاصمة الفرنسية. و كان النقيض، من رجال اللاهوت المتزهدين، من أمثال القديس برنار دي كليفرد (1090 ـ 1153) الذي دخل معه في سجال حول دور الفن في خدمة الله. فرأي برنارد أن الفنون تلهي المتعبد عن عبادة الله، بينما يقول سوكر يتعين أن يكون بيت الله حاوياً لكل شيء جميل. ساهم سوكر في بناء كنيسة القديس دنيس، و غالباً ما كان المصمم لها. و قد ادخل القوس المستدق الغوطي، فاحدث نقلة في هذا الطراز. كان يذهب في مراحل البناء مع العمال إلى الغابة لاختيار الشجرة و الخشب المناسب و الذي يليق بالكنيسة الجديدة. أضاف سوكر إلى العبادة ليس فقط مفهوم جمالية الفن، و إنما مفهوم الاستمتاع المرح بمباهج الحياة، فيقول: «و هكذا، ففي بهجتي في جمالية بيت الله ـ جمالية ألوان الأحجار الثمينة المتعددة، تبعدني عن الهموم الخارجية. إنها تستحق التأمل، حيث تحفزني على النظر، و نقل ما هو مادي ليصبح غير مادي،.... بنعمة الله أتمكن من الانتقال من هذا العالم المدنس إلى عالم أعلى بصيغة تناظرية». (28)

4،4،2 ـ رجال اللاهوت و الإنتاج

حينما انتقلت الخلافة الإسلامية من الجزيرة، و أسست الدولة الخلافية، بمفهومها الإداري المتوسع، في سوريا و من ثم العراق،، انتقل معها تنظيم إدارة اللاهوت و الذي كان أساساً تنظيماً عسكرياً، و جزءاً من السلطة المركزية (29) . بمعنى، أن رجل الدين، الفقيه، أشبه بمقام رجال السلطة و قيادته العسكرية، لا يمارس العمل، و لا له تماس معه. فكلاهما يستنكفان من العمل. كما إن قوت معيش رجال الفقه لا يرجع إلى عمل يقوم به، بل رواتب تؤمنها لهم الدولة، أو تبرعات المؤمنين. مما يعني إن قوت معيش هؤلاء يكون بمعزل عن الإنتاج، و عن متطلبات العمل و همومه، و المعرفة المتطلبة له، و التأمل فيه. و لذا، أصبحت القيادة اللاهوتية في العالم الإسلامي بمعزل كلي عن التعرف على خصائص المادة، و التصور المعرفي العلمي. و استمرت هكذا لحد اليوم بكونها منظمة خارج المعرفة العلمية، و مختلف فروعها و صيغها، و غالباً في عداء لها، و عداء لتطورها و اعتمادها. لا ضد العلوم الطبيعية فحسب، بل كذلك الاجتماعية و إدارة المجتمع. لان همها الأول، كما كانت وظيفتها و سبب تأسيسها، هي إخضاع أفراد المجتمع إلى نظام الدعوة، و إلى السلطة المقترنة بها، و النصوص المعتمدة.

حينما اعتمدت الحضارة العباسية العلوم و الفلسفة الإغريقية، لم يكن لها تأثير على الفكر اللاهوتي، و لا على تكوين المعرفة التي يتعامل بموجبها هؤلاء. و ظلّت محصورة ببعض المفكرين، و لم يتمكنوا من تكوين قاعدة لها. و لذا حينما حصل انهيار الدولة أمام الغزو المغولي، لم تتمكن هذه القاعدة المعرفية من استعادة المعرفة الفلسفية و العلمية التي أخذت تنبني بين المتعلمين. و كان الدور الأهم لرجال اللاهوت في كبت المعرفة العلمية، التي تمثل موقفها بتقي الدين بن احمد بن تيمية (1263 ـ 1328). الذي كان من ألد خصوم الفلاسفة و المتصوفة، و أي فكر حر، خارج هيمنة السلطة المركزية. أنكر المنطق في الفلسفة الإغريقية، كما أنكر الفكر الذي جاء به كبار الفلاسفة العرب، أمثال

2.5.

الفارابي و ابن سينا و ابن رشد و غيرهم.

و لم تزل الفلسفة و العلوم بمختلف مجالاتها غائبة تماما عن المعرفة اللاهوتية التي يمارسها قادة اللاهوت في العالم الإسلامي. لأنها تؤمن بالوحدانية، فلم تتمكن من استيعاب الفلسفة و العلوم، التي تفترض القوانين الطبيعية، وتسعى إليها (30) .

5،0 ـ النقلة إلى الحداثة

لقد حققت أوربا بكيانها المسيحي اللاتيني النقلة المعرفية الأولى في القرن الثالث عشر. فمهدت بها الطريق إلى ابتكار نقلات فكرية و حضارية ثلاث متعاقبة، و التي سعى إلى تحقيقها فكر أوربي علماني، و من خلالها ابتكر مفهوم التشخص (31) و مبادئ التنوير و الحركة الإنسانية، و تبعا المجتمع المدني، و العلوم و الفنون و العمارة المعاصرة.

بما أن المقارنة التي نحن بدور عرضها تنحصر بين الحضارة العربية الإسلامية، بصيغتها في الشرق الأوسط، و في المقابل الحضارة المسيحية الأوربية اللاتينية، لذا سينحصر زمن هذه المقارنة بين القرن الثامن لغاية القرن الثالث عشر. بعد هذه الحقبة الزمنية، تتوقف المقارنة، لان أوربا ابتكرت و انتقلت إلى بردمية جديدة، تتضمن أيديولوجيات و كلجريات جديدة. أي، انتقلت من كونها عالماً مع قاعدة مسيحية، إلى عالم تمتزج به مفاهيم فلسفية و إنسانية و معرفة علمية و عقلانية للظواهر، فأحدثت بهذا نقلة جذرية في حضارة الإنسان. وهنا سبب انتفاء المقارنة.

سنسعى لتسطير ما نعتقد هي المقومات الأهم التي سببت ابتكار هذه النقلة الأولى، و التي كوّنت قاعدة النقلات اللاحقة. هناك كثير من المنظرين، يسعون لمقارنة هاتين الحضارتين، كما هما عليه في الوقت الحاضر. فيجريان مقارنة ما هناك و ما هنا، كما لو كانت الحضارة العربية ـ الإسلامية، و ما تصنع من عمارة و فنون أخرى، هي في ميزان واحد مع تلك التي تحصل في أوربا. إنه ميزان وهمي، ينبني على مفارقة تاريخية، زمنية، حضارية. لقد عجزت الحضارة العربية ـ الإسلامية، عن تفهم النقلة التي أحدثتها أوربا في القرن الثالث عشر، و لم تزل عاجزة عن ذلك. عاجزة عن تفهم بأن قاعدة المعرفة المعاصرة، منذ القرن الثالث عشر، مع روجر باكون (1220 – 1292) Roger Bacon، أخذت في دور انتقالها إلى اكتشاف القوانين الطبيعية ـ و ليس إرادة إلهية. و مع توماس هوبس (1588 – 1679) Thomas Hobbes و جون لوك القرن السابع عشر (1632 – 1704) John Locke، أصبحت قاعدة إدارة المجتمع، و حرية إرادة الفرد، تنظم إدارتها بموجب قوانين مدنية ـ و ليس نصوصاً لاهوتية و شرعاً. و أصبح الأدب، مع بوكاتشيو Boccaccio (1313-75) القرن الرابع عشر، نقد المجتمع و الاستمتاع بالأدب، و ليس التعبد و التوسل بإرادة إلهية.

و مع النحات دوناتالو Donatello، في القرن الخامس عشر، عرض جمالية بدن الإنسان في ساحة عامة، و ليس عرض إله لغرض التعبد. و العمارة مع برونلسكي Brunelleschi، في القرن الخامس عشر، ليس عملاً حرفياً، و إنما ابتكار فرد متشخص متفرد، معمار، يتمتع بإرادة حرة. لا دور في كل هذه النقلات الحضارية للحضارة العربية ـ الإسلامية، و هي لم تزل خارجها ـ سوى ما تستورد منها.

مما تقدم، تصبح المقارنة مجدية بقدر ما هناك تشابه في التكوين البردمي للحضارات التي نسعى لمقارنة القدرات الابتكارية التي حققتها في العمارة، أو الصفات البردمية التي نجدها في أشكال العمارة التي حققتها. و بهذه المقارنة الزمنية و البردمية سنتمكن من توقيع عمارة الحضارة المعينة في مسيرة تطور عمارة البشر. و تتعطل هذه المقارنة بقدر ما تتجاوز إحداها البردمية التي كانت مقومات حضارتها ضمنها، و تنتقل إلى بردمية جديدة.

إن تجاوز حضارة ما لبردمية ما لا يجعل الصفات الإبتمالية التي تحققها أميز من التي قبلها، و إنما تنقلها إلى مقولة أخرى من حيث التكوين و المسيرة الحضارية. اذ كل حضارة، تتمتع بتكوين بنيوي للدورة الإنتاجية ضمن بردمية حضارية عامة تشمل عدة حضارات، فلكل منها هناك قدرات لصفات الإبتمال التي يمكن أن تحققها.

لذا يصبح تحقيق مقارنة مجدية ينحصر ضمن البرديمة المعينة، لا خارجها. تلك البردمية الأخرى، اللاحقة، تكون اكتسبت معرفة و تقنيات و علاقات و متطلبات اجتماعية غير التي في قبلها، فتتعطل المقارنة. بمعنى، المقارنة هي بين قدرات تحقيق صفات الإبتمال، و صفات الإبتمال تتحقق ضمن الدورة الإنتاجية، و هذه تتحقق و تتحدد بالمعرفة القائمة و متطلبات المجتمع الفعالة، التي تحرك الدورة الإنتاجية.

حينما نحاول مقارنة عمارة الحضارة العربية ـ الإسلامية مع تلك التي حققتها الحضارة المسيحية، علينا إن نحدد زمن البردمية و مقوماتها الحضارية. و هذا ما سعينا إليه في هذه الدراسة. لذا البردمية التي نتكلم عنها، و نحددها، تلك التي تتضمن تشابهاً بين الحضارتين في الأيديولوجية المعتمدة من قبل المجتمع، و تشابه المعرفة التي تسخّر في الدورة الإنتاجية، عند ذاك سنتمكن من مقارنة ما حققت كل منها من صفات الإبتمال في العمارة التي تعبر عن حضارتها.

إن الحضارة العربية ـ الإسلامية التي نتكلم عنها محددة بين القرن الثامن لغاية القرن الثاني عشر، كما نحدد حدودها الجغرافية السياسية في الشرق الأوسط. في مقابل هذا نحدد الحضارة المسيحية بتلك القائمة في أوربا البيزنطية و إيطاليا، من القرن السادس لغاية القرن الثاني عشر.

إن سبب هذا الاختيار هو إن كليهما اعتمد إيديولوجية الوحدانية التي اشرنا إليها في فقرة سابقة، و كلاهما يسخر معرفة حرفية متقاربة من حيث تقنيات الإنتاج.

تصبح أوربا بعد القرن الثالث عشر، خارج بردمية المقارنة لأنها انتقلت إلى معرفة و تنظيم اجتماعي جديد.

مما تقدم، تصبح المقارنة مجدية بين الحضارتين: العربية ـ الإسلامية في مقابل المسيحية اللاتينية الأوربية، بالنسبة إلى ما حققته من الصفات الابتمالية، و في أزمان متقاربة. و تدلنا على هذه المقارنة الأمثلة التالية:

ـ 1 ـ كاتدرائية القديسة صوفيا في اسطنبول، 532 ع. مقابل قبة الصخرة في القدس، 688 ع. و الجامع الأموي في دمشق، 15/ 706 ع. و قصر الاخيضر في العراق، 780 ع. و جامع سامراء الكبير 848 ع.

ـ 2 ـ كاتدرائية القديس مارك، البندقية، 85 ـ 1003، و كنيسة القديس مينياتوا آل مونتي، فلورنسا، 62 ـ 1018 ع، و كاتدرائية بيزا، 118 ـ 1063 و 72 ـ 1261 ع، في المقابل المدرسة المستنصرية، بغداد، 1233 ع.

5،1 مقومات و ظروف النقلة الأولى

اعتبارا من منتصف القرن الثالث عشر، انتقلت الحضارة المسيحية اللاتينية إلى بردمية جديدة (32) .

لذا، سنسطر البعض من المقومات التي نعتقد كان لها الدور الفعال الأول في تحريك الفكر و ابتكار هذه المقومات التي أدت لظهور البردمية الجديدة. و سنشير، موازيا مع هذا، إلى تلك المقومات المتباينة القائمة و الفعالة في تكوين الحضارة العربية ـ الإسلامية، التي احبطت حصول نقلة مشابه. بهذه المقارنة سيتوضح أكثر مسببات و ظرف قدرات المسيحية اللاتينية على ابتكار البردمية الجديدة، و في المقابل عجز الحضارة العربية ـ الإسلامية من ابتكارها.

ـ 1 ـ الأداة الميكانيكية ـ ابتكرت أوربا في القرن الثالث عشر الساعة الميكانيكية، و قد انتشر نصبها في الكثير من المدن الأوربية الرئيسية، و ذلك من قبل إدارة الكاتدرائيات بهدف ضبط مواعيد الصلاة و غيرها من تنظيم العبادة. كما نصبت ساعات مشابهة من قبل البعض من البلديات في المدن نفسها أو غيرها. أدى هذا إلى ظهور مفهوم الوقت، من حيث الدقة في المواعيد أولا، و في الوقت عينه، و من حيث اقتران الوقت مع الجهد في الإنتاج ـ و أحدث هذا تغيراً جذرياً في إدارة الإنتاج و العلاقات الاجتماعية.

من بين أول المدن التي نصبت فيها ساعة، هي: وستمنستر Westminster 1288،، كانتربري Canterbury 1292،، ميلان Milan 1335،، صولصبري Salisbury 1354، و التي لم تزل تشتغل.

ـ 2 ـ الموقف من الإنتاج و الفنون

إن كلتا الحضارتين: المسيحية و الإسلامية، كانتا تسخران إنتاجاً حرفياً يدوياً، لا ميكانيكياً، و اعتمدت الرؤيا الوحدانية، حيث اعتبرت المعرفة خارج القدرات الابتكارية للمجتمع، و اعتبرتا مفهوم «الخلق الإلهي» أساساً في رؤيا الوجود، و تبعا و للسبب ذاته، اعتبرت كذلك قاعدة البحث في خصائص الأشياء، الحية و الجامدة، خارج قدرات المجتمع. بمعنى، إن القاعدة الأيديولوجية لكلتيهما لا تتضمن مفهوماً أو اهتماماً بالإنتاج، أي الحرفة، لان أيديولوجية الوحدانية تفترض مصدر المعرفة خارج المجتمع، و خارج الإنتاج.

فبالرغم من التقدم الهائل الذي حققته الحضارة العباسية في العمارة و الحرفيات و المعرفة، و بالرغم من العصور المظلمة التي هيمنت على أوربا المسيحية، من القرن الرابع لغاية نهاية القرن التاسع، فقد كانت هاتان الحضارتان تعملان ضمن إطار بردمي فكري و إنتاجي متشابه.

و لكن مع انتقال المسيحية إلى أوربا، تربعت على قاعدة أيديولوجية رومانية تتضمن مفهوماً للحرفة، و تنظيماتها بموجب منظمات معترف بها من قبل الدولة.

ـ3ـ التعامل مع الفنون

منذ البدء اعتمدت الكنيسة المسيحية الفنون التصويرية كالموزايك الزجاجي و الحجري و الإيقونات و الرسم، كما المنحوتات (33) ، و ذلك كأداة تعليمية و تبشيرية. و في مرحلة لاحقة سخرت الموسيقى في الكنائس، لنفس الوظيفة. مما جعل رجال اللاهوت و القيادة المسيحية، في تماس مباشر مع هذه الفنون. فباتوا في تجربة مستمرة مع خصائص المادة.

جاء موقف رجال اللاهوت الإسلامي في تباين تماماً مع هذا الموقف من ممارسة الفنون. منذ أن ظهر الإسلام، و ظهر دور لهؤلاء في قيادة أيديولوجية المجتمع، أصبحوا بمعزل عن ممارسة الفنون. بل شملت وظيفتهم اللاهوتية في قيادة المجتمع، كبت غالب الفنون و حرية الاستمتاع بها. فأصبحت ممارسة غالب الفنون، تؤلف ممارسة ازدواجية لسيكولوجية أفراد المجتمع. فحينما اخذ الميسورون من فئة القيادة في السلطة، يستمتعون بالفنون، بالخفية، و يتظاهرون خلاف هذا، بينما عامة الناس ابعدوا عنها، لأنها محرمة في مراكز العبادة.

بمعنى، أصبح الاستمتاع باستطيقية الفنون يؤلف قيمتين متناقضتين، و تبعا سلوكيات ازدواجية. مما جعل المعيش الرسمي للقيادة الإدارية، قصر الخلافة و الحاشية، منغمساً في ممارسات و ملذات تتناقض مع الرؤيا اللاهوتية، فاتسمت بسيكولوجية ازدواجية، لا أخلاقية، بقدر ما كانت تعبر عن هذه الازدواجية. مما جعل تطور و تثقيف المجتمع بحس الاستمتاع باستطيقية الرقص و الغناء و الموسيقى، و ما تحقق من صفات إبتمالية، مكبتة لذا كانت في الغالب مبتذلة. كما إن إبعاد الفنون عن مراكز و طقوس العبادة، أبعد أكثر رجال اللاهوت من التعرف على متطلبات الإنتاج، و قدرة ممارستها.

إن ممارسة الفنون من قبل رجال اللاهوت المسيحية هيأت الفرصة المناسبة لهؤلاء، أن يتقبلوا مختلف الفنون، و يمارسوا التعامل معها، و يطوروا قدراتهم الحسية و يهذبوها في تفهم الاستمتاع بالفنون عامة. مما هيأهم إلى تقبل و تفهم الفنون الإغريقية و الرومانية حينما تقبلتها الحضارة المسيحية، من القرن الحادي عشر، و اعتمدت معالمها في طقوس التعبد.

إن احتكاك الحضارة العربية ـ الإسلامية مع الحضارة الإغريقية في العلوم و الفلسفة، لم ينتقل إلى الفنون و يحرك القدرات الحسية، و لا سيّما في مجال المسرح.

ـ 4ـ كلجرية التزهد، و ظهور الأديرة

تضمنت أيديولوجية العبادة المسيحية كلجريات التزهد. فقد تحركت كلجرية التزهد مع تنشئة الكلجريات و الطقوس المسيحية، بسبب عوامل متعددة، ربما أهمها: كردود فعل ضد معيش البذخ الروماني، و امتدادا إلى منظمات المعابد المتضمنة كلجريات التزهد و القائمة في المنطقة، التي كانت فعالة ضمن المجتمع الإغريقي و الروماني. فظهرت الأديرة المسيحية، و كان لها تأثير جذري على تطور الأيديولوجية المسيحية و الكلجريات و الطقوس التي تولدت عنها. كان على الراهب، في الأديرة و إن كانت وظيفته الأساسية هي العبادة، العمل ضمن تنظيم الدير، أي العمل في الحقول و إنتاج المصنعات و العمارة. مما جعل الراهب في تماس مباشر مع خصائص المادة.

في مقابل هذا، كان رجال الفقه في الإسلام، تستنكف عن العمل. حيث إن قوت معيشها لا يقترن بعمل إنتاجي تقوم به، أو جهد تستنفده.

ـ 5 ـ مشكلة القوانين الطبيعية

منذ بداية القرن الحادي عشر، بدأ تطور تقنيات الإنتاج، ضمن الأديرة و خارجها. مع تقدم هذا التطور اخذ يتطور تناقض بين رؤيا قدرات الإرادة الإلهية و ضروريات التعرف على القوانين الطبيعية، والبحث فيها، و الاعتراف بواقعها كقوانين. فأصبح لا بد من مواجهة الإشكالية المعرفية و الفلسفية. فكانت الأديرة متهيئة لتدخل في مخاضات معرفية و فلسفية عسيرة لمجابهة هذه الإشكالية، خاصة بعد أن اطلعوا على الفلسفة و العلوم الكلاسيكية و العربية، و ما تتضمن من منطق و قوانين طبيعية ـ خاصة قانون الثقل النوعي الذي جاء به ارخميدس، و قانون استقامة حزمة أشعة الضياء الذي جاء به ابن الهيثم، و علوم أرسطو عامة. دامت هذه المخاضات لمدة قرنين من الزمن، و في منتصف القرن الثالث عشر، ظهر القديس توما الاكويني و نشر أطروحته. جاء الاكويني، برؤيا جديدة حيث يتعين عزل الإيمان عن البحث المعرفي، الفلسفي و البحث العلمي. و جاء من بعده وليم أوف أوكام William of Ockham، في منتصف القرن الرابع عشر، و بلور هذا المفهوم، و بين بأن لا يجوز الشك في الإيمان، و لذا ينبغي عزل الإيمان عن الفلسفة و العلم، باعتبار أن مفاهيم الإيمان «منزلة» قائمة غير قابلة للتغير، و لذا غير قابلة للبحث و الجدل و النقاش. و بهذا العزل تحرر البحث المعرفي من الإيمان. و هكذا حققت النقلة الأولى حرية البحث المعرفي، اعتبارا من القرن الثالث عشر. فاخذ الفكر الأوربي يبحث في قوانين الظواهر و خصائص المادة. مهدت هذه الحرية إلى التطور العلمي، و من ثم

2.6.

إلى عصر النهضة. حقق هذه النقلة الأولى رجال غالبهم كانوا رهباناً، يقيمون في أديرة، و لكنها أديرة كانت تفور في المساءلة و البحث المعرفي.

ـ 6 ـ الموقف من جهد الإنتاج

الأيديولوجية المسيحية و كذلك الإسلامية، لا تتضمنان مفهوماً إلى تقييم الجهد الذي يحرك الدورة الإنتاجية. فرؤيا كل منهما تفترض بأن وجود الأشياء و حركاتها هي محصلة لإرادة الإله، خارج الجهد البشري، بل لا توجد رؤيا لهذا الجهد، و لا للقدرات الابتكارية التي تستنفد الطاقة. و لا تتضمن هذه الأيديولوجيات كلجريات و طقوساً تعبر عن تقدير لهذا الجهد أو احترامه.

بينما واقع التعامل بين الناس و التبادل، ينبني على تقدير حدسي لواقع الجهد المستنفد في الحركة، و هكذا تنظم العلاقات بين الأفراد، بين الجماعات، و علاقات التبادل التجاري. يؤلف تقدير هذا الجهد من بين أهم قواعد التعامل البشري. مما سبب لوجود تناقض لرؤيا الوجود، تأصل في أيديولوجية الوحدانية ـ واقع استنفاد الطاقة، و رؤيا إرجاع الحركة للقدرات الإلهية.

من جهة أخرى، حينما يقوم التبادل التجاري على الثقة و الدقة في العمل، و تقدير و تقييم الجهد في الأشياء المتبادلة، فإن الغزو يقوم على الخدعة و المفاجئة. أي، حينما يسخر الأول حدسه لتقييم الجهد المتبادل عن طريق الأشياء المتبادلة، فإن الثاني لا يعي هذا الجهد، و لا يمنحه قيمة، بل يمنح الحق لنفسه بأن يسرق ما عند الآخر. لان هذا الشيء الذي عند الآخر، البضاعة التي تسرق، لا تعبر في مخيلته عن قيمة لجهد، و إنما شيء ممتلك، مجرد. لا تعبر كلجرية الغزو عن بدائية المجتمع، لان الكثير من المجتمعات البدائية لا تمارس الغزو، بل حتى منها التي تعيش في بيئة قاحلة كالاسكيمو. بل تعبر عن انحراف كلجري. ظهرت هذه الكلجرية عند القبائل العربية، و ابتكرت طقوساً لها، كالشجاعة و التفاخر و المديح و الهجاء و الذم (34) ، بهدف دعم الغزوات. و الشعر العربي الجاهلي مليء بهذه الوظيفة.

فحينما انتقل العقل العربي إلى المدينة، سوريا و وادي الرافدين، عن طريق الغزو، استمر مستنكفا عن العمل، و تقييم الجهد في الإنتاج. مما أدى إلى وجود تناقض وجودي بين قادة المجتمع، السلطة و المنظمات اللاهوتية من جهة، و متطلبات القوى الإنتاجية، الحرفة و السوق و التجارة.

لا تمتلك الأيديولوجية المسيحية مفهوماً للجهد في الإنتاج، و لا كلجريات و طقوساً تدعمه، كما اشرنا لهذا، و هي أشبه بالإسلام. و لكنها لم تبتلِ بكلجرية الغزو. فلما تأسست الأديرة في أوربا، و اخذ الراهب يتعامل مع الإنتاج، حصل تناقض أيديولوجي، و لكن لم يحصل تناقض كلجري بل توافق. انتقل هذا التوافق بين الإنتاج و إدارته، في تداخل بين الأديرة و مجتمع المدينة عامة، مما توافق مع قاعدة مجتمع المدينة الروماني.

هكذا تأسست الأيديولوجية الإسلامية ليس فقط خارج الإنتاج، و إنما كذلك لا تحترم الجهد المستنفد فيه، لأنها انبنت منذ تأسيسها على قاعدة قبلية تمارس الغزو.

فإشكالية التناقض في العقل العربي هي: هل يقدّر الجهد المستنفد في الإنتاج و يحترم؟ و هل يعتبر حق يمتلكه الفرد الذي أقدم على تحقيقه، أم لا و ينكر عنه؟ إشكالية لم تزل قائمة، و في تناقض متأصل مع متطلبات مجتمع المدينة، و مع قواعد العلاقات الإنتاجية، سواء التقليدية أم المعاصرة، بما في ذلك مسألة ظهور التشخص، و احترامه، و اعتماد براءة الاختراع.

5،2 ـ وصف النقلة الأولى

تؤلف النقلة التي ابتكرتها المسيحية اللاتينية، سواء في المعرفة عامة أم العمارة، تراكماً جديداً للمعرفة، و موقفاً جديداً منها. هناك موقفان لرؤيا الوجود تتمتع بها قدرات الابتكار و الذاكرة التي يستورثها عقل الإنسان بيولوجيا. و هي القدرات التي يسخرها هذا العقل في تعامله مع البيئة ليتمكن بتسخيرها تأمين البقاء. فهناك رؤيا تبتكر و تنظم بسرعة، لتؤلف المعرفة الانلوغية، معرفة عن طريق التشابه و الفرضيات و التمنيات و الأوهام، و لكنها معرفة فعالة لأنها تؤمّن قدرة على حركة سريعة لمجابهة الطوارئ، و حركة سريعة لتهيئة رؤيا عامة للوجود، و بهذا تتجاوز اللا معلوم، و تطمئن سيكولوجية الفرد. في المقابل هناك في قدرات العقل رؤيا تستند على تأمل و فحص، أي الأبتكار و اعتماد المنطق في التعامل.

فحينما يهيئ العقل الانلوغي رؤيا سريعة لعموميات تفهم الوجود من غير أن يعرض إلى فحص منطقي صارم، و من دون هذه الرؤيا السريعة، لعجز عقل الإنسان من القدرة على إدامة البقاء. إضافة لهذا، و ضمن هذا المعيش، يتطلب تأمين البقاء، التعامل مع المادة الخام، حيث يغير حالتها من خام إلى مصنع. شريطة أن يتصف التعامل بقدر مناسب من الإبتمال. من غير تحقيق قدر مناسب من صفات الإبتمال سيعجز الإنسان عن تأمين البقاء. لكن، الإنتاج يتطلب في مختلف مراحل تطور الإنسانيات و الإنسان العاقل، أن يسخر قدراً معرفياً مناسباً من المنطق في الدورة الإنتاجية، و هذا ضمن العلاقة السبريانية التأملية في آنيات التعامل مع خصائص المادة. غير إن هذه القدرات في عقل المنطق انحصرت، في المجتمعات التقليدية/ الزراعية، لحد كبير في مجال الإنتاج.

أقدمت الفلسفة الإغريقية و وسعت قدرات العقل المنطقي، فأخذت تتأمل في الوجود و تساءل هموم الوجود و عبثيته. نظمت مساءلات في: الأخلاق، و علاقات الناس، و السلطة، صفات الظواهر، وظائف و وجود الآلهة، الزوال، المعرفة و المنطق. و امتدت هذه المساءلة المنطقية و ابتكرت رؤيا و اكتشفت مبادئ القوانين الطبيعية، تمثلت بقانون الثقل النوعي الذي جاء به ارخميدس.

غير إن هذا الدفع المعرفي في تسخير المنطق لم يستمر، و أفل مع ظهور و هيمنة العقل الانلوغي الذي انبنت عليه الأيديولوجية المسيحية و الإسلامية. و هكذا بعد ثلاثة عشر قرن، حصلت النقلة الأولى، و تمثل هذا، أو توضح في أطروحة القديس توماس الاكويني التي مهدت الطريق إلى البحث العلمي. و قد تصادف وجود عبقريتين وضعتا قاعدة العلوم المعاصرة، اقدحوها، باكتشاف قاعدة القوانين الطبيعية التي أصبحت تؤلف احد القواعد الأساس للعلوم المعاصرة.

الأول، كان أبو على حسين ابن الهيثم 965 ـ 1039 ـ هرب من العراق، و قضى عشرة أعوام في سجون مصر. اكتشف بان الضياء يمر بخط مستقيم، و بأن زاوية السقوط تساوي زاوية الانعكاس، بمعنى هناك قانون طبيعي يتحكم في مسار الضياء، و ليس الإرادة الإلهية.

والثاني، الراهب روجر باكون 1220 ـ 1292ـ قضى عشرين عاماً في سجون باريس. اكتشف بعد دراسة قانون ابن الهيثم، بان الضياء الأبيض هو مركب، و اللون المعين الصادر منه، هو بدائي primary، غير قابل للاختزال. مما يعني أن ألوان الضياء التي تظهر في الطبيعة تخضع إلى قانون طبيعي. فاستحدث مصطلح لهذه الظاهرة الطبيعية بكلمة السبكترم / الطيف spectrum.

إذن، بقدر ما فتح فلاسفة اللاهوت المسيحيون، السكولاستيون الطريق إلى البحث المعرفي، فإن هاتين العبقريتين ابتكرتا نهج الحداثة في المعرفة. و نقلتا تاريخ المعرفة إلى بردمية جديدة، تتضمن البحث بموجب منهج منطق صارم، و يتأسس على منطق التجربة، و على منطق العلاقة بين الاستقراء و الاستنتاج.

5،3 ـ عجز الحضارة العربية ـ الإسلامية

حينما انتقلت أوربا إلى تقنيات جديدة و رؤيا جديدة معرفية اعتباراً من القرن الثالث عشر، ظلّت الحضارة العربية الإسلامية في موقعها كما كانت في تلك العصور التي كانت في مجال مقارن مع أوربا من حيث الرؤيا للوجود و من حيث تقنية الإنتاج.

بمعنى، عجزت الحضارة العربية ـ الإسلامية عن تحقيق النقلة الأيديولوجية لحرية البحث. لقد أخفق رجال اللاهوت في الحضارة الإسلامية في قدرتهم على التعرف على متطلبات الإنتاج، و بقوا خارج هموم الإنتاج. لذا لم تظهر عندهم الإشكالية المعرفية للتناقض بين إرادة الله و القوانين الطبيعية. و لم تظهر فلسفة لمواجهة هذه الإشكالية، تعتمد فصل الإيمان عن البحث المعرفي. هذا، إضافة إلى أن رجال اللاهوت في الحضارة الإسلامية هم خارج مجال الفلسفة أساسا، و معادون لها منذ تأسيس وظيفتهم في المجتمع.

ظهرت عوامل طارئة ساعدت على عجز هذه الحضارة في تحريك نقلة معرفية و يشير إليها الكثير من المؤرخين. أحدها، ربما أهمها في نظرهم، هو الغزو المغولي إلى بغداد، و عالم الدولة الإسلامية. و لكن هذا العامل، بالرغم من أهميته التاريخية على المنطقة و الحضارة الإسلامية بصيغتها العباسية، و تأثيرها على انهيار المعرفة عامة، فإنه عامل طارئ.

إن القوى الحقيقية التي سببت التخلف هي قوى فكرية، حيث عجزت الأيديولوجية الفعالة عن مواجهة متطلبات التغير. إن صيغة توحيد القدرة الإلهية في الأيديولوجية الإسلامية، واضحة جداً، و محكمة من حيث تأكيدها على إلغاء أية قدرة إرادية أو مادية أخرى، كونية أو إنسانية، ما عدا قدرات الإله الأوحد. و قد تمكنت منظمات اللاهوت أن تبتكر كلجريات متعددة، وظيفتها تعزيز هذه الرؤيا. فأصبحت هذه رؤيا متداخلة مع مختلف حركات الناس أفرادا و جماعات، في الإنتاج و العلاقات الاجتماعية و معيش الناس اليومي. و أصبح الفرد يلقن هذه الرؤيا منذ اليوم الأول الذي ينطق فيه و يسمع الكلمة الأولى. فأصبحت غالب، إن لم نقلْ، جميع الكلجريات و الطقوس المدعمة لها تؤكد على هذه الرؤيا، سواء أكانت الأعياد أم الأفراح أم الوفاة. و لذا أصبحت رؤيا الوجود خارج الظواهر الطبيعية، و تهمل واقع هموم العلاقات الاجتماعية. فتمكن رجال اللاهوت من تعزيز نكران التناقض المتأصل بين أيديولوجية التوحيد، رؤيا القدرة الإلهية المحركة للظواهر و الإنتاج، مقابل رؤيا البحث في القوانين الطبيعية، و غيرها من هموم الوجود.

إن رجال اللاهوت ضمن المنظمات الإسلامية، يتفردون، و هم من بين القلائل من منظمات لاهوت الأديان الكبرى، التي تمتد من الصين إلى أمريكا، حيث يعيشون بمعزل تام عن المعرفة القائمة في زمنهم، سواء أكانت ضمن مجتمعهم أو خارجه.

فحينما اعتمدت الحضارة العباسية العلوم و الفلسفة الإغريقية، لم يكن لها تأثير على الفكر اللاهوتي، و لا على تكوين المعرفة التي يتعامل بموجبها هؤلاء. و ظلت محصورة ببعض المفكرين، و لم يتمكنوا من تكوين قاعدة لها. و لذا حينما حصل انهيار الدولة أمام الغزو المغولي، لم تتمكن هذه القاعدة المعرفية من استعادة المعرفة الفلسفية و العلمية التي أخذت تنبني بين المتعلمين. و لم تزل الفلسفة و العلوم بمختلف مجالاتها غائبة تماما عن المعرفة اللاهوتية التي مارسها قادة اللاهوت في العالم الإسلامي. لان إيمانها بعمومية إرادة الله مطلقة، كما جاءت في نصوص القرآن، فلم تتمكن من استيعاب الفلسفة و العلوم المعاصرة، التي تفترض القوانين الطبيعية، و مساءلة هموم الوجود.

5،4 ـ تعطيل المقارنة

بعد هذه النقلة البردمية، في القرن الثالث عشر، توقفت المقارنة بين الحضارتين العربية ـ الإسلامية و في المقابل المسيحية اللاتينية. فقد انتقلت أوربا إلى بردمية القوانين الطبيعية، في تفهمها للمعرفة، و في ابتكار تقنيات جديدة.

و حينما كانت المقارنة صحيحة، ما قبل القرن الثالث عشر، لأنها كانت تنبني على معرفة تخضع إلى رؤيا للوجود متشابهة. أصبحت بعد هذا غير متوازنة. لان الحضارة العباسية لم تتمكن من تجاوز بردمية الانلوغيات و الانتقال إلى البحث عن القوانين الطبيعية. بينما تمكنت القدرات الابتكارية في أوربا المسيحية اللاتينية، عقل القرن الثالث عشر، من تجاوزها و ابتكار رؤيا جديدة للوجود. فأصبح الاختلاف بين الحضارتين، اختلافاً جذرياً. و حينما انفتحت الأبواب إلى العقل الأوربي إلى مسيرة معرفية لا نهاية لها، أصبح العقل العربي محبوساً في عقل تقليدي انلوغي. و بقدر ما اخذ يمر الزمن، و بتقدم العقل المنطقي، اخذ العقل الانلوغي يتخلف، لا نسبياً فحسب، بل كذلك مطلقاً، بقدر ما أخذت الحضارات العالمية تترابط في متطلبات معيشها. فأصبحت المقارنة بين العمارة الإسلامية و المسيحية كلاماً فارغاً. لقد أقدمت أوربا بعد النقلة الأولى، و ابتكرت المعرفة المناسبة لإحداث ثلاث نقلات متعاقبة. بينما استمر العالم الإسلامي خارجاً عنها، و خارج قدرات ابتكار المعرفة المناسبة للمساهمة في التطور المعرفي، و لا يسعى إليها.

6،0 ـ النقلة في العمارة

6،1 ـ النقلات المتعددة

لقد أحدثت أوربا ضمن النقلة المعرفية الأولى، نقلة جذرية في العمارة. ذلك بابتكارها العمارة الغوطية. ففي الحقبة الزمنية، بين القرن الثاني عشر لغاية القرن السادس عشر، أنشأت أوربا الكاتدرائيات الغوطية، فتركت تراثا معمارياً فريدا للمسيحية، و تمكنت من الحفاظ عليه، إلا ما ندر، بالرغم من الحروب المستمرة منذ تلك الفترة لغاية منتصف القرن العشرين.

تطلبت هذه العمارة مهارة تقنية، و معرفة إنشائية تتميز بدقة التصنيع، مثلما تطلبت غيرها، و من قبلها. و لكنها فاقت غيرها في إنها نظمت العناصر ضمن منظومة فكرية إنشائية تتوافق من حيث التسلسل المنطقي مع منظومات البحث المعرفي السوما summa و التي ابتكرها السكولاستيون (35) . كما أنها انتقلت من عمارة الكتل، و هي العمارة التي ابتكرتها حضارة البشر منذ أول بناء لغاية القرن الثاني عشر، و ابتكرت عمارة الهيكل. و بهذا غيرت سيرورة تاريخ العمارة عامة.

و من هذه النقلة الأولى، انفتح الطريق إلى النقلة الثانية التي تمخضت بعمارة عصر النهضة، و إلى النقلة الثالثة لعمارة الإنتاج الصناعي، و بعدها عمارة النقلة الرابعة التي نشاهدها اليوم مع ظهور عمارة العولمة. لقد تمكنت أوربا من ابتكار القدرات المعرفية و أحدثت النقلات الأربع في العمارة، و كل منها يعبّر عن نقلة في المعرفة و في رؤيا الوجود، و في تقنية الإنتاج.

فيما يلي جدول يبين النقلات المتعاقبة في العمارة:

ـ النقلة الأولى: القرن الثالث عشر ـ من عصر الظلمات إلى القرون الوسطى ـ من العمارة الرومانسكية إلى الغوطية.

ـ النقلة الثانية: القرن الخامس عشر ـ من القرون الوسطى إلى عصر النهضة ـ من العمارة الغوطية إلى عمارة عصر النهضة و الباوركية.

ـ النقلة الثالثة: القرن السابع عشر ـ من عصر النهضة إلى عصر الإنتاج الصناعي ـ من عمارة عصر النهضة إلى عمارة الإنتاج الصناعي، الحديد الصب فالحديد المطاوع و الزجاج، و اخيرا الكونكريت، و عمارة الطوابق المتعددة.

ـ النقلة الرابعة: القرن العشرون ـ من الإنتاج الصناعي إلى العولمة، و إنتاج عموميات التقنية في مختلف أرجاء العالم.

6،2 ـ النقلات اللاحقة و المعرفة المحركة لها

فيما يلي وصف يسطر البعض من معالم المعرفة التي كانت المحرك المؤثر لابتكار النقلات في العمارة بعد الغوطية.

قبل نهاية القرن الخامس عشر، بدأت علامات النقلة الثانية. في منتصف ذلك القرن بدأت الطباعة، و في الحقبة بين 1445 لغاية 1501 ظهر أكثر من ألف محل طباعة، طبعت حوالي 35،000 كتاب مع أكثر من عشرة ملاين نسخة. في بداية القرن السادس عشر 1512، ظهرت بحوث كوبرنيكوس، التي تبين بأن الأرض و سائر الكواكب تدور حول الشمس. بهذا، اسقط كوبرنيكوس أحد أعمدة الرؤيا التقليدية ـ الرؤيا بأن الإنسان، و الأرض التي خصصت له يؤلف مركزية الكون. بعد منتصف القرن، بدأت أوربا تؤسس المؤسسات العلمية، خارج منظمات اللاهوت، و كان من بين أولها في المدينة الايطالية نابولي في 1560. و في 1581 يكتشف غاليليو خصائص ثابت الدورة الزمنية للبندول، و يكتشف خصائص المحرار في 1596. في بداية القرن السابع عشر ثبت تيكو براهي موقع أكثر من سبعمائة نجمة، و ابتكر غاليليو التلسكوب، و اكتشف كبلر القانون الثالث لحركة الكواكب السيارة، و ابتكر توريشيلي مقياس الضغط الجوي/ الباروميتر. و اخذ اسحق نيوتن يبحث خصائص الضياء، و في قانون الجاذبية. و اكتشف هوك المكروسكوب/ المجهر. أدت هذه الاكتشافات و الابتكارات إلى تغير جذري لفهم الظواهر، أي انتقلت المعرفة من صيغتها الوصفية إلى القياسية.

و هكذا مع النقلة الأولى خسرت الحضارة الإسلامية موقعها في آليات المنافسة. و كان أساس هذه النقلة، كما اشرنا، فصل الإيمان عن البحث المعرفي، و ابتكار الأدوات الميكانيكية، و الشروع باكتشاف القوانين الطبيعية.

6،3 ـ النقلة الثالثة

سجل عام 1792 نقلة بدأت بها الحداثة في العمارة، حيث أكمل تشييد جسر من مادة الحديد الصب، في كولنك بروكديل Colingbrookdale، في منطقة شروبشير Shrobshire في انكلترا. ألف هذا الجسر أول صناعة ضخمة في إنتاج الحديد الصب، كما انه يتألف من جزيئات متكررة، صنعت في المعمل، و نصبت في موقع الجسر. كان أول إنتاج في العمارة حيث ابتكر الإنتاج بالجملة. ابتكر في شكل هذا الجسر مفهومٌ جديد لاستطيقية الحداثة. و إذا كانت هذه الاستطيقية الجديدة ليست واضحة، فقد برزها، و أوضحها جوزيف باكستنPaxton في تصميم البيت الزجاجي في جاتسورث Chatsworth، في انكلترا في عالم 1836، و لحقه في هذا بيت النخلة الزجاجي Palm House، في حدائق كيو Kew Gardens، في 1845، و قد تتوجت هذه التجارب بالقصر البلوري في لندن، Crystal Palace في عام 1851.

من هنا بدأت استطيقية العمارة الحديثة، و قد استحدثت طرز متعددة، كما ظهرت ردود فعل كذلك بطرز متعددة، و في مختلف إرجاء العالم الغربي، الأوربي و الأمريكي. و ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية، حتى تأسست مدرسة الباو هاوس Bauhaus، و أقدم أساتذة و طلبة هذه المدرسة على تجارب في مختلف مجالات المصنعات: العمارة و التصوير الفوتوغرافي و السيراميك و الرسم و النحت و الأثاث و المصابيح و أدوات المائدة، و غيرها من التجارب في مختلف مجالات التجربة التصميمية و الابتكار. لقد انبنت هذه التجارب و الابتكارات بتداخلها و اعتمادها و بتأثرها بمختلف التجارب التي كانت تفور في أوربا و أمريكا منذ نهاية القرن التاسع عشر متمثلة بأعمال مؤسسة الفرك باند Werkbund في المانيا، و أعمال المعمار سوليفان و فرنك لويد رايت في أمريكا، و كاودي في اسبانيا، و ماكنتوش في انكلترا، و المكتبة العامة في باريس تصميم لابروس، و غيرها من الابتكارات في المجالات الأخرى. و ربما من بين أهمها كانت الانطباعية في الرسم، و ما بعد الانطباعية، و التكعيبية، والمتمثلة في أعمال سيزان و بيكاسو و براك. ظهرت مدرسة الباو هاوس حينما كانت الموسيقى في حالة ثورة هائلة، و الإيقاع كما نجده في أعمال سترافنسكي Stravinsky، و اتونالتي في شوينبرغ Schoenberg، و التجارب التي حققها بيلا بارتوك Bela Bartok. إن كل من هؤلاء، و غيرهم كثيرين، متمثلين بالاتجاه الكونستراكتيفزم Constructivism الروسي و المستقبلية Futurism في إيطاليا، حيث ألفوا دعامة جبارة في تكوين الفن و العمارة في القرن العشرين.

ففي هذا التطور، والنقلات المتعددة التي أخذت تحصل في أوربا المسيحية اللاتينية، منذ القرن الثالث عشر، لم يكن له أي صدى في العالم العربي/ الإسلامي. و لذا كانت النقلة التي حققها اللاهوت المسيحي اللاتيني، نقلة جذرية في تاريخ تطور الحضارات، حيث فتحت الباب إلى البحث العلمي. و بعد نقلتين ثانيتين في المعرفة، توصلت أوربا إلى العلم بمفهومه المعاصر.

حصل لكل من هذه النقلات، تطور بقدر ما كانت جذرية في رؤيا الوجود و المعرفة، فحققت كذلك مفهوما جديدا في صفة الإبتمال، أي، رؤيا جمالية جديدة.

سيتضح أكثر مدى تجذرية هذه النقلات في الاستطيقية، إذا نكتفي بمقارنة عملين تم تحقيقتهما في القرن العشرين، كل منها له أهمية حضارية بالنسبة للحضارة التي اعتمدته، بكونها حققت عملا يتوافق مع القدرات الابتكارية التي تمكنت منها تلك الحضارة، ضمن تطور حضارة البشر. أو عكس هذا، عجز حضارة ما، في الزمن نفسه، عن تحقيق ما يتناسب مع الزمن، بل عمل يتصف بعجز إبتمالي و عجز عن ابتكار رؤيا جمالية جديدة، و نهج استنساخ مزيف.

كلاهما مشروعان يمثلان ما تعتز به الحضارة التي ابتكرتهما، و تعرضهما كنماذج لقدرات ابتكارها الحضاري. كلاهما يؤديان وظيفة ملجأ للعبادة، الأول كنيسة و الثاني جامع.

الأول، كنيسة روتردام 1951، Notre-Dame du Haut في قرية رونشامب Ronchamp، تصميم كوربوزيه. و المشروع الثاني هو جامع الملك الحسن الثاني في الرياض. يعبر الأول عن أعلى ما تمكنت منه القدرات الابتكارية في القرن العشرين، و الذي سيبقى من بين أهم المنجزات التي تعبر عن هذا القرن، و ما حقق التطور المعماري لحضارة الإنسان منذ العمارة الكلاسيكية. أما الثاني فإنه يعبر عن عجز في القدرات الابتكارية بكونه لا أكثر من مستنسخ زائف لعمارة الحضارة العربية ـ الإسلامية للقرن العاشر، عمارة جامع قرطبة ـ عجز امتد في الزمن لعدة قرون.

6،4 ـ الإنتاج الصناعي، و الإنتاج في العالم العربي

مع ظهور الإنتاج الصناعي في أوربا في أواخر القرن الثامن عشر، اخذ العالم الإسلامي تدريجيا يستورد المصنعات، و ما إن وصل إلى منتصف القرن العشرين، حتى أصبح هذا العالم عاطلاً أمام الصناعة الغربية. يتعامل مع مصنعات، في مختلف مجالات المعيش اليومي، ابتكرت صفات ابتمالياتها ضمن إنتاج و مفاهيم و قيم جمالية لا يمتلك العالم العربي

2.7.

المعرفة العلمية التقنية و الحسية للتجاوب معها، و لا دور له في صناعتها. أي، أصبحت قدراته الحسية التي يسخرها في التعامل مع مصنعات المعيش اليومي عاجزة عن حس قيم صفات الإبتمالية القائمة في هذه المصنعات التي يستوردها، سواء أكانت هذه في استعمال السيارة أم القطار أم مكائن قص الخشب و الحجر، و حتى أدوات الطبخ من قدور و قارورات الماء، و أثاث المنزل، سواء في إشكالها أم أدوات تصنيعها. إنه عالم أصبح يعيش بوعي للوجود لا يصنعه، و إنما تصنعه له كلجريات و صناعة خارجة عنه. فهو عالم مزيف في مختلف حركات وجوده و تماسه مع المادة. هذا لا ينطبق على الفرد البسيط فقط، بل كذلك على معاهد التعليم، التي أصبحت في أفضل حالاتها، معاهد تستورد المعرفة، لا مراكز بحث. و لا دور لها في ابتكار عمارة حضارة العولمة.

و لكن أود أن أشير إلى العمارة العربية التي اخذ يحققها الفكر المتقدم العربي، التي ظهرت منذ الأربعينات من القرن العشرين. إنها عمارة تضمنت أعمالاً لعدة معماريين تستحق التقدير، و حققوا تجارب استطيقية تستحق الدراسة. و لكن هذه تجارب حسية و تقنية لا قاعدة لها في كلجريات العالم العربي، لا فكرية و لا حسية و لا معرفية. إنها حالات طارئة على كلجريات و ثقافة المجتمع العربي، في أحسن حالاتها تجارب متفردة، و في عمومياتها فإنها استطيقية و تقنية مستوردة من العالم الغربي، لا دور للحضارة العربية ـ الإسلامية في ابتكارها.

رفعة الجادرجي كنكستن، آب 2005

www.chadirjifoundation.org

الهوامش:

1. بحثت ظاهرة الابتمال في كتاب «حوار في بنيوية الفن و العمارة» 1995، ص 95-199

2. بحثت مفهوم بنيوية العمارة في المصدر السابق ص 259 -288

3. بحثت الدورة الانتاجية في المصدر السابق ص 225-229

4. سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، طور التكوين ، محمود إسماعيل، الانتشار العربي ص 70 - 175

5. J. Huizinga, Men and Ideas, 1960 ، و E.B. Tylor, Primitive Culture

6. ماكبث، شكسبير، ترجمة د. صلاح نيازي.

7. ملحمة جلجامش، طه باقر، ص 137 - 138

- Tools, Language and Cognition in Human Evolution. Edited Ingold8.

9. بحثت ظاهرة الحاجة في كتاب «حوار في بنيوية الفن و العمارة» 1995، ص 95-115

10. الوظيفة function في تأمين البقاء، هناك ثلاثة أنواع/مقولات من الوظائف: النفعية و الرمزية و الاستطيقية، لكل حاجة هناك وظيفة يسخر المصنع ليكون أداة لإرضائها.

11. بحثت الحاجة الرمزية في كتاب «حوار في بنيوية الفن و العمارة» 1995، ص 345-384

12. التراتيبية الاجتماعية social stratification or social hierarchy ، هي الكلمة الأدق من الهرمية الاجتماعية.

13. بحثت ظاهرة الإمكان في كتاب «حوار في بنيوية الفن و العمارة» 1995، ص 305-326

- Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolution, 1970.14.

15. الكارولونجية: السلالة الحاكمة في فرنسا في القرنين الثامن و التاسع.

16. ق. ع. = قبل عهدنا، أي عهد التقويم المعتمد.

17. مجلس الآلهة فوق الجبال عند الإغريق و في السماء في أديان وادي الرافدين، السومرية و البابلية، كما في مختلف الأديان الوحدانية

18. و حيث سيتغلب نور السماوي و الخير، و الذي ينزل إلى القمر و الشمس. و قد اعتبر أصل الإنسان من الشيطان، و قوى الظلمات، و سيحصل الخلاص من النور الذي يكمن في الإنسان، و سيصعد بواسطته إلى الله، و تحبس الظلمات في جهنم. سيحصل هذا عن طريق التزهد في المعيش.

19. تعني الطبيعة عند أرسطو خصائص مادة الأشياء.

قانون العطالة Inertia20.

21. يقصد بأوربا اللاتينية المسيحية القائمة في أوربا التي تتكلم اللاتينية، و ليس مسيحية الشرق الأوسط.

22. أول من أشار إلى قوانين الطبيعة هو أرسطو و الرواقين عامة في المجتمع الإغريقي. و أول من اكتشف ظاهرة طبيعية و عرفها هو أرخميدس (287 -212 ق. ع.)

23. وصف هذا البذخ الكاتب الروماني بيترانيوس Petronius في كتابه Satyricon

24. اللوجات Lodges، هي المقرات الشبه ثابتة إلى فرقة بنائين الكاتدرائيات، و التي أصبح يقودها معمار متعلم، و في مقام اجتماعي مرموق، ظهرت في القرن الثاني عشر مع موجة بناء الكاثدرائيات المتعددة في أوروبا.

25. الكلدات Guilds هي منظمات ظهرت في القرن الثاني عشر، تضم التجار و الحرفيين بالنسبة لحرفة معينة، مثل الصياغة و الدباغة و الحياكة و غيرها. وظيفتها تنظيم العلاقة بين المجتمع و التصنيع، و مراقبة كفاءة المصنَّعات، و تمنحها شهادة باسمها ـ و هنا بداية شهادة براءة الاختراع. و تقوم الكلدات برعاية المنتمين إليها من حيث الرعاية الصحية و الدفن و رعاية العائلة بعد وفاة الحرفي.

- 26. لم أشر إلى الحضارة الإسلامية التي تحققت في الأندلس لأنها لم تتأسس على قاعدة ساسانية، بل تربعت على قاعدة رومانية، و إنتاج حرفي متقدم، فتأسست عليها هذه الحضارة، مما جعل البحث الفلسفي و البحث في الظواهر اقرب إلى واقعية الوجود.

27. تعدد الأديان و أنظمة الحكم ـ جورج قرم

28. Emberto Eco, Art and Beauty.

29. نحو عقد اجتاعي عربي جديد، غسان سلامة.

30. ربما تؤلف علاقة المنظمات الدينية في العالم الإسلامي حالة فريدة في تطور العلاقة بين هموم المجتمع و إدارته، و وظيفة هذه المنظمات في التعليم و التطور المعرفي. فرجال هذه المنظمات، في مختلف مراكزهم و في تراتيبياتها: الفقيه و الكليدار و الأئمة و آية لله و الشيوخ و غيرهم، يجهلون مختلف العلوم: الفلسفية و الرياضية و الميكانيكية و السيكولوجية و البيئية و الطبيعية، كما يجهلون تاريخ تطور الإنسان و الحضارات، و رؤية لتطور الحركة الإنسانية، بينما تسنموا مواقع قيادية و تعليمية في إدارة المجتمع. و يرجع سبب هذا في إن وظيفتهم الأساس استحدثت لا لتكون تعليمية، بل لدعم النصوص القرآنية و الحديث.

31. التشخص Individuation

32. Frederick Copleston, A History of Philosophy, Volume 2, Part1and Part 2.

تاريخ الفلسفة، الجزء الثالث، العصر الوسيط و النهضة، أميل برهييه.

Umberto Eco, Art and Beauty33.

34. كتاب: الثابت و المتحول (بحث في الإبداع و الأتباع عند العرب) الجزء الأول، ادونيس – دار الساقي.

35. Erwin Panofsky, Gothic - Architecture and Scholasticism.

***************

بقلم: رفعة الجادرجي