b4b3b2b1
دور الإمام العسكري بالإعداد لعصر الغيبة | المعراج.. سفر الرسول الأعظم لرؤية الآيات الكبرى | استهداف الشيعة في العراق.. لماذا؟ | السلطة بين الحق والعنف | عصمة الزهراء | نزعة العنف في الثقافة العراقية المعاصرة | كان لابد أن يثور الحسين (عليه السلام) | إحياء النهضة الحسينية الخالدة | إعمار ضريح العسكريين: دعوة لإنجاح المصالحة الوطنية | لماذا البساتين سائرة؟ | قال تجاوزات فردية قال! | النتف السياسي |

البعد الأخلاقي المحمدي وأثره في الحضارة الإسلامية

 

17 ربيع الأول 1433 - 10/02/2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الخاتم محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد: فقد تميز الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله بشخصية فذَّة ليس لها نظير في تاريخ البشرية قاطبة، حيث تحلت شخصيته المقدسة بأبعاد في واقعها معصومة من كل نقص او عيب فليست شخصية عادية تكونت اثر نشأتها في بيئة مميزة بل الأمر بالعكس من ذلك حيث نشأ في بيئة متخلفة حضاريا متسِّمة برذائل الصفات الأخلاقية إلا القليل من الثابتين على الحنيفية الإبراهيمية السمحاء من أجداده صلوات الله عليهم، ومن هنا كانت عظمة الرسول الأكرم فكان الشخصية التي غيرَّت مسير الحضارة العربية والعالمية والى يوم الناس هذا اثر تربيته الربانية وهو القائل: «أدبني ربي فأحسن تأديبي».

خصال الأنبياء تتصاغر أمام عظمة خصاله وأخلاقه وقد وصفه بارئه بما لم يصف رسولا بمثله فقال عز ذكره:(وَإِنَّكَ لَعَلَى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ)[1]، بهذه الخصال الحميدة الشريفة استطاع النجاح في مهمته الإلهية حيث كان كل من يجلس إليه يتعلق به ويعشق محضره ولا يطيق الابتعاد عنه، وكان يعطي جلساءه كلهم نصيبا ولا يحسب أحداً منهم أن أحداً أكرم عليه منه، ومن جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجه لم يرجع إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس منه خلقه وصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانه لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثني فلتاته متعادلين متواصلين فيه بالتقوى متواضعين يوقرون الكبير ويرحمون الصغير ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغيب.

كان صلوات الله عليه دائم البشر سهل الخُلق ليس بفظّ ولا صخّاب ولا فحّاش ولاعياب ولا مداح يتغافل عما يشتهي فلا يؤيس منه ولا يخّيب فيه مؤمليه كان لا يذم أحداً ولا يعيِّره ولا يطلب عورته ولا عثراته.[2]

كان لرسول الله صلى الله عليه وآله من المواساة لأمته ما يحير العقول ويذهل العقلاء بعظمته يأكل كأدنى الناس مالاً وحالاً وكما قال الإمام الضامن علي بن موسى الرضا عليه السلام: «ما شبع النبي صلى الله عليه وآله من خبز بُر ثلاثة أيام حتى مضى لسبيله».[3] وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في حفر الخندق إذ جاءت فاطمة ومعها كُسيرة خبز فدفعتها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي: ما هذه الكسيرة؟ قالت: خبزته قرصاً للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة. فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا فاطمة أما انه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث».

بهذا الصبر والإيثار والأخلاق استطاع التأثير في الجميع ـ إلا من شذ من المنافقين ـ وبناء الحضارة الإسلامية ومجدها التليد وكاد المسلمون أن يكونوا سادة العالم لو اقتفوا اثر الرسول واتخذوه قائدا بحق وقدوة وهو أمر قرآني مؤبد إلى قيام الساعة قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)[4] إلا انهم انقلبوا على أعقابهم وقد اخبر القرآن العظيم بذلك الانحراف الكبير قال تعالى: (وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ).[5]

كان للانقلاب والانحراف الذي اعقب استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله اكبر الاثر في تخلف تحقيق الأهداف الكبرى من الدعوة المحمدية التي احتاجت الى الوقت لتحيق الغايات المرجوة فكان عامل الوقت المطلوب للنهوض بالأمّة وبناء حضارتها سيف ذو حدين استغله أصحاب المطامع من المنافقين لتحقيق مآربهم التي سرعان ما أصبحت وبال على الأمة حيث دُنس منصب الإمامة والخلافة الظاهرية واعتلى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله القردة مغتصبين الخلافة من آل النبوة والعصمة صلوات الله عليهم، فبعد إن كان المتوقع للأمة ان تُحكم من قبل قادة منصبين من قبل الله مطهرين ومعصومين أصبحت تدار من حثالة الأمة وأعداء الرسالة والنبوة ـ وكما يقال الناس على دين ملوكهم ـ فانتشرت المفاسد لاسيما الفكرية منها والعالم اليوم ينظر إلى الإسلام من عين أعدائه الغاصبين لا من عين أهله المحقين المنصَّبين من قبل الله سبحانه، لذا فلا غرو ان لا يؤمنوا ويشنوا غاراتهم وهجوماتهم المتوالية على الإسلام وهم لا يفقهون من الإسلام المحمدي شيئاً.

كان من المقرر للإسلام المحمدي الحنيف أن يبني حضارة عصماء ليس لها نظير عبر التاريخ الإنساني من أول حضاراته إلى آخرها بل لا تبقى حضارة غير الإسلامية المحمدية على وجه البسيطة لكن تخلف الأمة عن نهج الحق وأتباع أئمة الضلالة حال دون ذلك، ولن تتحقق الأهداف المرجوة من الإسلام إلا برجوع الأمة الى أهل بيت العصمة والطهارة عليهم أفضل الصلاة والسلام وهو مشروط بالتبري من الأعداء والمنافقين الغاصبين وأشياعهم والوقوف بوجه أبواقهم الإعلامية الصادحة إلى اليوم بتقديسهم وإتباعهم، إنّا لله وانا اليه راجعون، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى‏ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)[6].

نسأل الباري سبحانه إن يوفقنا لنكون من جنود مولانا الحجة المهدي عجل الله فرجه الذي على يديه تتحقق الآمال والأحلام وتكتمل العقول ويصحح اعوجاج الدين. والحمد لله رب العالمين.

________________

[1] ـ سورة القلم: 4.

[2] ـ بحار الانوار، ج16، ص148، كما عن منتهى الآمال، الشيخ عباس القمي ج1، ص67.

[3] ـ نفس المصدر ص69.

[4] ـ سورة الأحزاب:21

[5] ـ سور آل عمران: 144.

[6] ـ سورة يوسف:11.