b4b3b2b1
الشيخ عبد الزهرة الكعبي صوت يتكرر عبر اثير الفاجعة الحسينية | أمنة بنت الشريد | كربلاء :الحجامة النسائية تحيا من جديد | من نشاطات مؤسسة (الإمام الحسين) الإسلامية في اوغندا | متخصصون بكربلاء: أغلب الندوات سطحية ولا تؤدي أهدافها المرجوة | المجلات النسوية... طرح لا يرتقي لواقع المرأة العربية | مؤسسة السجاد سعي دؤوب لخدمة ورعاية الأيتام وتزويج الشباب | أحلامٌ للبيع... قاصرات يؤدنَ في كربلاء بسبب الزواج المبكّر | لماذا يرفض المجتمع زواج المطلقة والأرملة؟ | حداثة المنشد الحسيني بين القبول والرفض | أمّ سلمة | المواقع الإلكترونية.. نافذة للتواصل مع المرجع الشيرازي |

النظام الزراعي وتطوّره في المنظور الإسلامي

 

15 ربيع الأول 1433 - 08/02/2012

لم يبقِ الإسلام فرعاً من فروع الحياة، إلاّ ووضع له قوانينه في النموّ والتطوّر والازدهار، من خلال التعاليم التي وردت في النصوص القرآنية الكريمة، وأحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، حيث تعدّ هذه القوانين فوق البشرية، حلولاً لا تقبل الفشل في حالة تطبيقها بدقّة، كما طبّقها قائد الدولة الإسلامية الأول والأعظم الرسول محمّد صلى الله عليه وآله.

لهذا فقد اهتمّ الإسلام بزراعة الأرض الصالحة للزراعة، وشرّع جميع القوانين والخطوات التي تزيد من خضرة الأرض، وتفرش البساط الأخضر على وجه الطبيعة، كي تتلاءم مع طبيعة الإنسان وميوله النفسية التي تفضّل اللون الأخضر على سواه، وقد أكد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في إحدى محاضراته القيّمة، على ضرورة توجّه المجتمع والدولة، إلى الزراعة وإلى تجميل الأرض باللون المفضّل للناس جميعاً.

أفضلية اللون الأخضر على سواه

وقال سماحة المرجع الشيرازي في محاضرته بهذا الخصوص: (كان في إنجلترا جسر يسمّى بجسر الانتحار، يقصده الشباب الذين سُلبوا العقل والعاطفة ليلقوا بأنفسهم من على مرتفع منه صوب الجهة التي يتدفّق الماء فيه بسرعة وقوّة ليتلقّفهم ويضرب بهم يميناً وشمالاً بالصخور ثم يموتون! عندما لاحظ المفكّرون هناك أنّ معدّلات الانتحار في حالة ارتفاع مستمرّ، فكّروا في إيجاد طريق لتقليله - وهذا هو الفرق بين الإسلام وغيره، فإنّ الإسلام يستأصل المشكلات والأمراض من الجذور، أمّا الأنظمة الأخرى فتفكّر في تقليله، وهي لا تنجح حتى في ذلك. فإنّ الإسلام يطرد الفقر والقلق من حياة الإنسان. أمّا الحضارات الأخرى وبتعبير آخر التفكير البشري، فيحاول تقليلهما ولا ينجح ـ وبعد أن اجتمع الخبراء والمفكّرون والعلماء وقاموا بتجارب كثيرة اهتدوا إلى شيء خلقه الله عزّ وجلّ منذ آلاف السنين، حيث اكتشفوا أنّ اللون الأخضر أكثر الألوان تأثيراً في مخّ الإنسان، فالخضرة أقوى وأجمل لون يناسب المخّ. فقاموا بصبغ الجسر باللون الأخضر. وكانت النتيجة تدنّي معدلات الانتحار في السنوات القادمة بنسبة ثمانين في المئة. والآن تعال إلى الطبيعة وانظر بأيّ لون كساها الله تعالى، لكي تطرد القلق والسأم عن الإنسان؟ إلاّ اللون الأخضر للأشجار؟).

إن تعامل الإسلام مع موضوع حيوي كالزراعة، كان في غاية الدقّة والوضوح، وقد دلّت نتائج هذا المنهج العملي بخصوص الزراعة، على صحّة ما جاء به الإسلام في هذا الميدان، ونجاح السبل التي تعامل معها بخصوص تطوير الزراعة في الدولة الإسلامية، والدليل أن الزراعة سابقاً كانت أكثر تطوّراً لدى المسلمين، يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا الصدد: (يمرّ اليوم أكثر من أربعة عشر قرناً على صدر الإسلام، وبسبب التطوّر العلمي الحاصل خلال هذه الفترة تطوّرت الزراعة وأساليبها. ولكن مقارنة بين أوضاع الزراعة في العصور الإسلامية وعصرنا الحاضر يكشف لنا بوضوح أنّ الإصلاح الزراعي موجود في الإسلام وليس في التشريعات الأخرى، لأنّ مشرّع الإسلام هو الله سبحانه، وما عداه فهو فكر بشري قاصر لم يحقّق سوى إفساد الزراعة والنظام الزراعي!).

خسائر المسلمين في الميدان الزراعي

لذا فإن الابتعاد عن تعاليم الإسلام، ونظرته نحو التعامل مع الميدان الزراعي، أدّى فعلاً إلى تدنّي الزراعة وتراجعها في عموم الدول الإسلامية، والسبب هو عدم أخذهم بهذه التعاليم، وهذا المنهج التنظيمي الواضح جدّاً، وسهل التنفيذ، وقال سماحة المرجع الشيرازي في هذا الصدد: (يقول جرجي زيدان -الكاتب العربي المسيحي المعروف- في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»: إنّ الأراضي المزروعة في مصر اليوم تبلغ ستة ملايين فدّان. ثم ينقل عن الأصطخري أنّ الأراضي المزروعة في مصر في القرن الرابع الهجري -أي قبل ألف سنة- بلغت ثلاثين مليون فدّان. ثم يذكر نموذجاً آخر عن السدود المنشأة على نهر دجلة في العراق من بداية دخوله عبر تركيا إلى العراق في مدينة الموصل في شمال العراق حتى بغداد في وسط العراق فيقول نقلاً عن الأصطخري أيضاً أنّها كانت تبلغ على هذا النهر في هذه المسافة التي تبلغ حوالي -500كم-زهاء أربعين سدّاً، فيما لا نعلم اليوم بوجود أكثر من سدّين هما سد سامراء وسد الثرثار!!).

لقد تقدّمت وسائل الزراعة لاسيما في مجال المكننة، والبذور وطرق السقي الحديثة، عما كانت عليه سابقاً، لهذا كان يجب أن تتطوّر الزراعة في البلاد الإسلامية، بسبب تطوّر أدوات الزراعة، لكننا مع ذلك نلاحظ حدوث العكس كما يقول سماحة المرجع الشيرازي: (إنّ المفروض في كمية الأراضي المزروعة في مصر اليوم ـ ومصر نموذج ومثال وإلاّ فهذا حال كلّ العالم الإسلامي ـ أن تكون أضعاف ما كانت عليه في العصر الإسلامي لو أخذنا بنظر الاعتبار التقدّم الحاصل في الآلات والمكائن الزراعية، بل إنّ أكثر الأعمال الزراعية كانت في العصور الإسلامية الأولى باليد. ومع ذلك فإنّ الزراعة كانت تغطّي معظم أراضي مصر حيث تبلغ مساحتها ستّة وثلاثين مليون فدّان فقط. والشيء نفسه يقال بالنسبة للسدود المقامة على نهر دجلة في العراق). ويضيف سماحته قائلاً: (وأنا أضيف إليهما مثالاً ثالثاً، وهو السدّ العالي في مصر. فقد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها عندما أنشأوا هذا السد، والذين عاصروا تلك الفترة يتذكّرون الضجيج الذي ملأ الآفاق عن السد العالي وأنّه خدمة للبلاد وإنجاز للأمة العربية، وتحدّثتْ الإذاعات وتناقلت الصحف أنباء بنائه، وبالفعل فقد ازدهرت الزراعة في مصر نسبياً فوصلت إلى سبعة ملايين وثمانمئة ألف فدّان، أي لم تبلغ الثمانية ملايين فدّان. أقول مع الأجهزة الحديثة والجرارات والأدوات، ومع السدّ العالي لم تصل نسبة الأراضي المزروعة في مصر إلى ثمانية ملايين فدّان؛ بينما وصلت في العهد الإسلامي رغم بداءة الوسائل إلى ثلاثين مليوناً!).

الزراعة بين الأمس واليوم

لذلك حين نقارن بين زراعة الأمس واليوم، سنكتشف التدنّي الواضح في هذا الميدان الحيوي لديمومة الحياة، لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي في محاضرته: (عندما نقارن هذه النتائج سنكتشف صلاحية النظام الذي أثمر النتائج الأفضل؟ إنّ هذا دليل على صلاحية الإسلام وأنّه عرَف كيف يصلح الزراعة ويسير بها نحو الأفضل. الإسلام ليس مجرّد نظريات بل كلّه فكر قابل للتطبيق، ولقد طُبّقت تشريعاته في العهود الإسلامية وأعطى نتائج باهرة. ينقل المؤرّخون أنّه كانت توجد في مدينة البصرة أنهار تسير فيها الزوارق؛ بلغ عددها - أي الأنهار - اثني عشر ألفاً!).

لقد تضمّنت التعاليم الاسلامية بخصوص الزراعة وتطويرها وتحسينها، خطوات بسيطة وسهلة ودقيقة في آن واحد، أي أنها مع دقّتها وسهولة تنفيذها تضمن النجاح الأكيد في النتائج، إذ يقول سماحة المرجع الشيرازي حول هذا الموضوع: (كلّ شخص يزرع أرضاً فهي له, سواء كان مسلماً أم يهودياً أم نصرانياً أم مشركاً أم عابد وثن. يقول الإسلام: الأرض لله فمن يزرعها فهي له، ولا يسأل عن الزارع بعد ذلك؛ ما دينه؟ وما لونه؟ وما هي جنسيته؟ ومن أيّ منطقة هو؟ وهل هو من أهل البلد أم لا؟ ولا تسأل عن عمره، وعن المادة التي يريد زراعتها. يقول لك الإسلام: ازرع ما شئت ومهما شئت ما لم يكن من الأمور المحرّمة الضارة بالمجتمع فإنّه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام). ثم يضيف سماحته قائلاً: (إبحث في كلّ الحضارات المعاصرة والبائدة هل تجد مثل هذه الحريّة وهذا التمليك؟ أم ستلاحظ وجود مئات القيود والمواد القانونية التي تحرم الكثيرين من زراعة الأرض وإعمارها؟).