b4b3b2b1
قيس بن مسهر الأسدي | علي بن أبي طالب (عليه السلام) نافذة السماء على الوجود | سقوط الدكتاتورية بوابة امل ام كابوس مرعب؟ | مجلس النواب العراقي في الميزان | قبسات مضيئة من زيارة الأربعين | حمد العلواني.."جفّاص العشيرة" وقائدها الهمام في آخر غزوات داعش والغبراء الوفيرة | محمد (صلى الله عليه وآله) منقذ الإنسانية | محاربة الشعائر الحسينية شهوة بشرطانية يؤججها الشواذ والمنحرفون | التجربة الحزبية العراقية الحالية بين الواقع والطموح | محطات في مسيرة القافلة الحسينية - الحلقة الثانية - | النص الكامل لبيان مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية بمناسبة تحرير الموصل | الإمام العسكري وإعداد الأمة لتقبل غيبة المهدي عجل الله فرجه |

الإمام علي بن الحسين السجاد رجل السياسة والموقف

3399

 

25 محرم الحرام 1433 - 21/12/2011

إثر هلاك معاوية بن أبي سفيان عام 60 من الهجرة الشريفة حل يزيد بن معاوية محله وأعلن نفسه خليفة وأخذ يأمر الولاة بأخذ البيعة له، إلا أن الإمام الحسين عليه السلام أبى ذلك وبخاصة وان يزيد أمر والي المدينة يومها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان برسالة بعثها إليه: (أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا ومن امتنع فأضرب عنقه وابعث برأسه لي).

فلما بعث الى سيد الشهداء عليه السلام وطلب منه البيعة، قال عليه السلام: (أيها الأمير إنَّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة وبنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرّمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالخلافة والبيعة، ثم خرج عليه السلام مع أصحابه ومواليه)، كلمة الإمام الحسين، السيد حسن الشيرازي، ص239.

وهكذا منذ تلك اللحظات أُعلنت الثورة الحسينية العظيمة ودعا الناس كافة الى نصرته والخروج معه وإلا فالذل والهوان فإن خلافة يزيد ابتلاء وقد قال الحسين عليه السلام: (إنا لله وإنا إليه راجعون وعلى الإسلام السلام إذا ابتليت الأمة براع مثل يزيد ولقد سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان)، المصدر نفسه ص240.

فقوله عليه السلام أبتليت أي امتحنت والنتيجة طبعاً وفق الإمتحان فإما العزة والكرامة أو الذل والهوان.

• تخاذل وصمت:

أعلن الإمام الحسين عليه السلام ضرورة الإصلاح وإن الأمة تخاذلت وانحرفت عن جادة الإسلام المحمدي الصحيح وأعلن أنه خرج لطلب الإصلاح في أمة جده، إلا أن القوم تخاذلوا في نصرته فترك المدينة قاصداً مكة وهناك عقد المؤتمرات و الإجتماعات وأعلن عن نيته في الخروج الى العراق واعلان الحكم الإسلامي الشرعي وقيادة أمور المسلمين وانقاذهم من حكم يزيد ولم يكن الإمام الحسين عليه السلام ترك المدينة دون أن يدعو أهلها الى نصرته والمطالبة بحقوق الله وتطبيق الحكم الشرعي بل طالبهم حتى أقام الحجة بل وصل الأمر الى أنه خرج ذات ليلة قاصداً قبر جده صلى الله عليه وآله شاكياً تخاذل القوم من نصرته قائلاً: (السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك الذي خلفتني في أُمَّتك، فأشهد عليهم يا نبي الله أنهم خذلوني وضيعوني ولم يحفظوني وهذه شكواي إليك حتى ألقاك) كلمة الإمام الحسين السيد، السيد حسن الشيرازي، ط دارالعلوم ص240.

تركهم الإمام بعد إقامة الحجة عليهم وبعد ان يأس من نهضتهم معه فتركهم وخرج وكان ما كان من شهادته عليه السلام، وبقي أهل المدينة إثر شهادته يذرفون حسرات على ما فرَّطوا في جنب الله سبحانه وبخاصة بعد ان انكشف لهم ما كان ساتراً عليهم من احوال يزيد رغم اخبار سيد الشهداء عليه السلام ذلك، فانتفضت المدينة وكانت واقعة الحرة واحداثها تشهد على ما تقدم.

• واقعة الحرة ونهب المدينة المنورة:

بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام كثر ظلم يزيد وعماله وانتشر فسقه وفجوره وفشى بين الناس، وذهب وفد من أهل المدينة الى الشام ورأى ادمان يزيد الخمر ولعبه بالكلاب والقرود وانه حليف القمار والطنابير وآلات اللهو واللعب.

رجع وفد المدينة مخبراً، فثارت المدينة مخرجةً والي يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وسائر بني أمية، وبايعوا عبد الله بن حنظلة ـ غسيل الملائكة ـ فأرسل يزيد مسرف ـ مسلم ـ بن عقبة المري (المجرم الفتاك المعروف بالسرف) بجيش جرار الى المدينة وعند الحرة، حيث كثر القتل في أهل المدينة وانتهاك الحرمات حتى جالت الخيول عند الروضة الشريفة وكثر القتل حتى وصلت الدماء قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: (وأول دور انتهبت والحرب قائمة دور بني عبد الأشهب، فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي ولا فراش إلا انقض صوفه حتى الحمام والدجاج كانوا يذبحونها).

• أبو سعيد الخدري ونتائج الإمتحان:

ولزم أبو سعيد الخدري بيته فدخل عليه نفر من أهل الشام، فقالوا: أيها الشيخ من أنت فقال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: ما زلنا نسمع عنك فلحظك أخذت في تركك قتالنا وكفك عنّا ولزوم بيتك ولكن اخرج إلينا ما عندك.

قال والله ما عندي مال، فنتفوا لحيته وضربوه ضربات ثم أخذوا كل ما وجدوه في بيته حتى الصواع وحتى زوج حمام له.

خلاصة الواقعة انه بلغ عدد القتلى يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألفاً وسبعمائة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان.

• الإمام علي زين العابدين واحداث واقعة الحرة:

القائد الحكيم ورجل السياسة الإسلامية الحقة يعرف النتائج، باستقراء الأحداث ومن الواضح أن ثورة المدينة جاءت كرد فعل لما رأوا من أحوال يزيد وبني أمية وليس بتخطيط سليم تحت قيادة المعصوم عليه السلام بعد أن تخاذلوا عنه وتركوه لأسياف بني أمية في كربلاء، فضلاً عن تيقّن أهل المدينة ما أخبرهم به سيد الشهداء عليه السلام من أحوال يزيد بن معاوية.

رغم ذلك والإمام السجاد عليه السلام شاهد لأحداث المدينة ونهبها ينقل ابن شهر آشوب في المناقب أنه سأل ليث الخزاعي سعيد بن المسيب عن انهاب المدينة قال: نعم شدّوا الخيل الى أساطين مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت الخيل حول القبر وانتهبت المدينة ثلاثاً فكنت أنا وعلي بن الحسين عليه السلام نأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله فيتكلم علي بن الحسين بكلام لم أقف عليه، فيحال ما بيننا وبين القوم، ونصلي ونرى القوم وهم لا يروننا.

وقام رجل عليه حلل خضر على فرس محذوف أشهب بيده حربة مع عليّ بن الحسين عليه السلام فكان إذا أومأ الرجل (من جيش الشام) الى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله يشير ذلك الفارس بالحربة نحوه فيموت من غير أن يصيبه، فما أن كفّوا عن النهب دخل عليّ بن الحسين عليه السلام على النساء فلم يترك قرطاً في إذن صبيّ ولا حلياً على امرأة ولا ثوباً الا أخرجه الى الفارس.

فقال له الفارس: يا ابن رسول إني ملك من الملائكة من شيعتك وشيعة أبيك لما ان ظهر القوم بالمدينة استأذنت ربي في نصرتكم آل محمد فأذن لي لأن أدخرها يداً عند الله تبارك وتعالى وعند رسوله صلى الله عليه وآله وعندكم أهل البيت الى يوم القيامة (المناقب ج4 ص143 وعنه في البحار ج46 ص131 ح21).

• بيعة الارهاب وامتناع الإمام:

ارهاب البيعة الأسلوب الامثل الذي يتبعه الطغاة للوصول الى مآربهم وتحقيق أهدافهم، فلما فرغ مسرف من القتل والفتك والنهب وهتك الأعراض وإباحة المدينة لجيشه، دعا الناس لبيعة يزيد وهددهم بقتل من يرفض البيعة، فبايع جميع أهل المدينة تحت الارهاب الأموي خوفاً وكرهاً، إلا الإمام علي بن الحسين زين العابدين وعلي بن عبد الله بن عباس لوجود قرابة له من أمه في جيش مسرف فمنعوه عنه، وكذا فإن الإمام لجأ الى القبر الشريف للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله لا صقاً نفسه بالقبر قائلاً: «اللهم رب السماوات السبع وما أقللن، رب العرش العظيم، رب محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره وأدرء بك في نحره، اسألك أن توتيني خيره وتكفيني شره».

ثم جاء عليه السلام الى مسلم بن عقبة، وكان مسلم قبل دخول الإمام عليه، في غاية الغيظ والغضب على الإمام، وكان يسبّه ويشتم آباءه الكرام عليهم السلام وقع نظر مسلم عليه هابه وأمس بالرعب منه وارتعدت فرائصه خوفاً وجبناً.

فقام لاستقبال الإمام عليه السلام وأجلسه الى جنبه وسأل عن حوائجه وهو في غاية التذلل والخضوع فكان لعنه الله يقبل شفاعة من شفعه الإمام عليه السلام ثم خرج من عنده مكرماً.

وبذلك استطاع الإمام صلوات الله عليه انقاذ الكثير من المؤمنين بتدبيره وايمانه وسياسته.

• ختام واعتبار:

الحوادث والوقائع التاريخية كثيرة إلا أن الأهم هو أخذ العبرة بنظرة دقيقة من تلك الوقائع وباستخلاص النتائج والعوامل المؤدية يمكن للمفكر وضع ستراتيجية الحياة والتنبأ بالنتائج بشكل دقيق، ولنضع واقعة المدينة تحت المجهر قليلاً لنعتبر من ذلك، فمثلاً لو ان أهل المدينة بايعوا سيد الشهداء الحسين عليه السلام وخرجوا معه مكونين جيشاً من عشرات الآلاف لأنظم إليهم وبكل تأكيد أبطال وأبطال من قبائل ومدن أخرى على غرار ما كان آبان معركة الجمل وانتصار أمير المؤمنين عليه السلام حيث كون الجيش في المدينة أولاً وانطلق نحو البصرة داعياً القبائل لنصرته وبخاصة الكوفة فقد اقبلت بجيش يقوده البطل الخالد مالك الأشتر النخعي، فالجهاد عز والتقاعس مذلة فما من أمة تترك الجهاد إلا مثالاً واصابها الذل والهوان وما جرى في المدينة من أحداث الحرة ونهب المدينة وسفك الدماء وانتهاك الأعراض إلا مثال صادقاً على ما تقدم.

كذا وان اعداء المؤمنين مهما كانوا من الحزب الأموي أوغيره لا يتوقع منهم خيراً قال تعالى: (وَالَّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) الأعراف:58.

والامر الآخر المستفاد وجوب طاعة المعصوم عليه السلام مطلقاً فالأمة في قبال المعصوم عليها التنفيذ والتسليم، ولو فعل الجميع ذلك لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت ارجلهم وتحققت العدالة وانتفى الجور والظلم، ولحل الأمن وانتفى الإرهاب ولأقبل الخير وطُرد الشر، فحاكمٌ عادل وشعب مؤمن ورب غفور.

والحمد لله رب العالمين.

alshirazi.net