b4b3b2b1
البعد الأخلاقي المحمدي وأثره في الحضارة الإسلامية | الحسين يُذبح من جديد | رمزية الأخلاق والدور الرائد لبناء المجتمع | المعراج.. سفر الرسول الأعظم لرؤية الآيات الكبرى | الزهراء (عليها السلام) كنز الايمان وجامعة المعرفة | محرم الحرام... موسم الدفاع عن الحرمات | مفاوضات بغداد: مثلث متساوي الاضلاع لمختلف الـ... نوايا!! | قضية فدك والتأريخ المزيف | دعاة الوطنية واللحمة النية | الامام الحسين وصدى صرخة الثوار | كلمة المرجع الشيرازي بمناسبة رحيل آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي أعلى الله درجاته | محطات في مسيرة القافلة الحسينية - الحلقة الثالثة - |

رمزية الأخلاق والدور الرائد لبناء المجتمع

3251

 

3 ذو الحجة 1432 - 31/10/2011

الاخلاق تبدو لنا مفردة مجرّدة، تعتمد المعنى قبل الفعل، ولكنها في واقع الحال، تؤثر على الواقع المادي، كما تؤثر فيه العلوم، لهذا فإن اكتساب الاخلاق والسعي إلى درجة الاكتمال في هذا الجانب أصعب بكثير من اكتساب وفهم واتقان أحد العلوم، والسبب يكمن في أن الاخلاق تدخل في بناء النفس، فيما تُسهم العلوم في بناء عقل الإنسان، والفارق بين بناء النفس وبناء العقل كبير من حيث الجهد المبذول في هذا المجال، ومن بداهة القول أن المجتمع اكثر حاجة للإنسان الخلوق المتزن الإنساني في أفكاره وسلوكه، من الإنسان الذي يتقن العلوم لكنه لا يتقن السلوك الإنساني.

السلطة بين العلم والاخلاق

بمعنى أوضح قد يتصدر صاحب العلم أعلى المناصب، وربما يقود مجموعة أو دائرة وقد يصل الأمر إلى قيادته لدولة ما، بسبب قدراته العلمية التي اكتسبها بسعيه وجهده ومواهبه، ولكن ما فائدة كل ذلك إذا لم تكن الاخلاق هي المعيار الذي يستند عليه صاحب السلطة في إدارة سلطته وصلاحياته، ولذلك نلاحظ ان من يتخصص في علم ما، فإنه سيحقق ما يسعى إليه من تفوق وبسرعة تفوق كثيراً ما يسعى اليه الإنسان في مجال بناء النفس.

يقول سماحة المرجع الشيرازي آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في كتابه الثمين الموسوم بـ(العلم النافع) بهذا الخصوص:

(إنّ مَن يتخصّص في علم واحد ويستفرغ كلَّ وسعه وجهده يبلغ أعلى الدرجات فيه ويتفوَّق غالباً على مَن كان ذلك العلم أحد اهتماماته، والأخلاق تحتاج إلى التفرّغ والجدّ والمثابرة من أجل بلوغ المراتب العالية فيها).

جميع العلوم تتطلب سعياً وجهداً حثيثاً لتحصيلها، ولكن الاخلاق تتطلب جهداً مضاعاف، بل يحتاج الإنسان لكي يبني نفسه إلى إرادة حديدية تحيِّد رغائب النفس الكثيرة، وتعطّل الغرائز الدافعة للإنسان نحو الوقوع في الزلل، لهذا غالباً ما يحتاج المجتمع إلى الرمزية الاخلاقية، وإلى النموذج الاخلاقي المؤثر، لأن الإنسان الخلوق سواء كان عالماً أو غيره، يترك تأثيره الاخلاقي بسرعة ووضوح في المحيط الاجتماعي الذي يتحرّك فيه.

الحاجة إلى الرمز الاخلاقي

غالباً ما ترى الامم والشعوب والجماعات مهما تباين حجمها أو عددها، بحاجة إلى الرمز الاخلاقي الذي يتقدّم الصفوف كنموذج مؤثر في الجميع، فكراً وسلوكاً، لهذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي في كتابه المذكور، أن:

(المستوى الذي يبلغه الأخلاقي ـ وطالب العلم الدينيّ خاصة ـ يؤثِّر في أداء دوره في المجتمع. فقوله وفعله وسيرته وتاريخه يشجِّع الناس نحو الفضائل الأخلاقيّة والاجتناب عن رذائلها إذا كان هو من أهل الفضيلة، ولكن إن كان عكس ذلك فسيدفع الآخرين إلى العكس أيضاً).

لهذا لا يصح أن تكون هناك مجافاة بين العلم والاخلاق، بمعنى أن الإنسان العالم والعارف ببواطن الأمور وسواها، ينبغي أن يحصّن نفسه مسبقاً بقاعدة أخلاقية تحميه من الإخفاق، والانحراف والضعف تحت ضغط الحاجات المادية الجسدية وسواها.

إلتزام الفضائل والعناية بها

لذا لابد أن يدرّب الإنسان نفسه على انتهاج سبل الفضيلة، وكبح نوازع الرذيلة التي تدفع نحوها النفس طمعاً أو طلباً لتحقيق مآرب لا مشروعة، من هنا ينبغي على من يسعى إلى اكتساب العلم، أن يجعل من الفضيلة شعاراً في القول والفعل يطبقه في حياته العملية وسواها، لهذا يوجّه سماحة المرجع الشيرازي قائلاً في هذا الصدد:

(إذا على طالب العلم أن يولي الالتزام بالفضائل والأخلاق عناية خاصّة لأنّه كلّما ارتفع مستواه فيهما ارتفع مستوى التزام الناس بهما بالتبع. وهذا أحد الفروق التي تميّز الأخلاق عن سائر العلوم والفنون كالفقه والأصول والبلاغة والفلسفة والخطابة وغيرها).

وكما ذكرنا ان هناك فوارق عديدة بين الاخلاق والعلوم، ولكن يمكن أن يشكل الطرفان رديفين بعضهما لبعض، بدلاً من حالات التقاطع التي قد تحدث أحياناً، بين العلم والاخلاق، وهو ما يعزوه البعض إلى حدوث التقاطع سياسياً بين النهج العلماني والديني، ولكن في ظل الإسلام لا تقاطع بين العلم والاخلاق، ولا تقاطع بين السياسة وبين الدين، أما الفارق فهو يكمن في الصعوبة التي تتجلى باكتساب الاخلاق، قياساً باكتساب العلم، يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا المجال:

(الفرق الآخر بين الأخلاق والعلوم الأخرى يكمن في صعوبته قياساً بها، فالرقيّ في الأخلاق أصعب منه في العلوم الأخرى). وفي المسار نفسه يضيف سماحته قائلاً:

(إنّ الأخلاق أصعب من الفقه لأنّ الأخلاق تعني تهذيب النفس وبناءها، وقد قال بعض أهل الخبرة: من الصعب أن يصبح المرء مجتهداً ولكن من الأصعب أن يصير إنساناً).

مقارعة الذات

لذا يتطلب الأمر أن يرتقي الإنسان بنفسه، وأن ينحو صوب تهذيب الذات وتشذيبها من المسأوئ أياً كان نوعها أو مصدرها، وطالما كان الصراع بين الإنسان ونفسه، فإنه صراع ينطوي على صعوبات جمة، إذ يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلاً بهذا الصدد:

(إنّ الارتقاء في الأخلاق والفضائل أصعب من الاجتهاد في الفقه؛ وإنّ ثمرته ونتيجته أبعد منالاً وأعسر حصولاً من الفقه).

إن رمزية الاخلاق، لا تعني أن يتصنّع الإنسان سلوكه مع الاخرين، بل لابد أن تكون الاخلاق متأصلة في ذاته ونابعة منها، أما التصنّع فهو مكشوف ولا يصمد طويلاً، حيث ينكشف الوجه الحقيقي للإنسان، بعيداً عن غطاء التصنّع، ولهذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي:

أن (المرء لا يلمس نتيجة سعيه إلاّ عندما يصبح ذا قلب سليم وتصبح الأخلاق والفضائل ملكات لديه، عندها يشعر بلذّة الأخلاق والوصول إلى مراتبها العالية، وعندها يعرف قيمة ترويض النفس ومخالفة الشهوات).

هل تصبح الاخلاق مَلَكَة؟

وبهذا يمكن للاخلاق أن تصبح ملكة تتأصل في ذات الإنسان، ولكن الأمر يتطلّب سعياً حثيثاً ومتواصلاً، لاكتساب الفضائل كسلوك أصيل يطبع نفسية الإنسان وتوجّهاته في الأفعال والأقوال معاً، إذ يقول سماحة المرجع الشيرازي:

(لا تصبح الأخلاق ملَكة عند الشخص إلاّ بعد أن يحارب نفسه ويخالفها، ويستمرّ في مخالفتها حتى تنمو عنده ملَكة حبّ الخير في كلّ أبعاده. فإذا حصل على الملَكة شعر باللذّة وبدأ يلمس نتيجة أتعابه في مجال الأخلاق والفضائل. وهذا لا يحصل بصورة سريعة بل هو بحاجة إلى وقت يستغرق عمر الفرد؛ لذلك أصبح الارتقاء في مدارج الأخلاق صعباً).

وفي كل الاحوال يحتاج المجتمع إلى الرمزية الاخلاقية، إذ يكون يكون بمقدورها تأصيل السلوك الإنساني السليم وتطويره، وتعميمه على افراد والجماعات، لاسيما النخب المؤثرة كالعلماء والسياسيين والمثقفين وغيرهم، لكي تتكون للمجتمع قاعدة اخلاقية متينة، تصونه من التردي والتراجع والنكوص.