b4b3b2b1
عوامل تمزيق الأمة الواحدة وأجراس الإنذار الداخلية | ديموقراطية الادارة وأعادة تأهيل المؤسسات العراقية | إبراهيم(ع).. وبناء شخصيّة الإنسان | زيارة مراقد أهل البيت ... عقيدة وممارسة | اللاعنف في الفكر الشيعي.. الإنتشار السلمي للإسلام في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) | خمس لافتات غير مرئية في أفق الانتخابات العراقية | لماذا البساتين سائرة؟ | كارثة بيئية يتصاعد تدميرها الصحي في احياء كربلاء | والمكان إذا تنفس | الانتخابات ظاهرة صحية ولكن ما قصة المستقلين؟ | كبار علماء السنة يصرحون بولادة الإمام المهدي | فطيمة بسوك الغزل |

الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه ومنهج الرحمة الشاملة

3103

 

13 شوال 1432 - 12/09/2011

بقلم: سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي (دامت بركاته)

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد والصلاة على رسول الله وآله الطيبين

هل وجدت هنالك (المدينة الفاضلة) على وجه الأرض ؟

وهل خلق الله تعالى الانسان – الملاك ؟

سؤالان كبيران هامان أرّقا مضاجع البشرية منذ ألوف السنين ..

إننا نمتلك الإجابة الواضحة والدقيقة على كلا السؤالين .. وهذا هو محور هذه الدراسة السريعة المقتضبة ..

وقبل البدء وكتمهيد لنستعرض قاعدة فلسفية هامة.

القاعدة تقول : إن الحقائق على أقسام :

1. ما هو خير محض .

2. ما هو شر محض.

3. ما خيره أكثر من شره.

4. ما شره أكثر من خيره .

5. ما خيره وشره متساويان .

والحديث الفلسفي عن هذه الأقسام الخمسة طويل إلا أننا نذكر موطن الشاهد فقط ، وهو ، هل خلق الله تعالى ما هو خير محض ؟

هل يوجد ما هو محض النور بلا ظلام ومحض العطاء وصرف الخير؟

هل يوجد ما هو المتكامل من كل الجهات ؟ وما هو النموذجي من كل الأبعاد ؟ هل يوجد ما تحلم به البشرية ؟

ويجيب الحكماء : .. نعم .. ويستدلون على ذلك بأدلة منها :

1. إن ذلك دليل قدرة الله تعالى.

2. إن ذلك من جمال الخلق وروعة الإيجاد.

3. إن ذلك أمر واقع .. وأدل دليل على إمكان الشيء وقوعه.

ولكن هل وجد هذا المخلوق ؟

الجواب: نحن نعتقد : نعم .. والأمثلة البارزة لذلك : الملائكة .. والأنبياء .. والأوصياء.

وحيث إن محور هذا المؤتمر المبارك هو (الإمام علي عليه السلام واللاعنف، والتعايش السلمي) سنقصر الحديث على جانب واحد من جوانب حياة ومنهج هذا الإنسان العظيم الذي هو خير محض والذي هو نور خالص .. والذي كان ذلك الإنسان المتكامل من كل الجهات ، والنموذجي من جميع الأبعاد كما كان أنبياء الله العظام : إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه وبركاته .

لقد كان الإمام علي عليه السلام مظهر الرحمة الشاملة كما كان رسول الله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله من قبل ، وتجلّى ذلك – فيما تجلّى – عبر معارضته وإدانته لشتى أنواع العنف والظلم .. والحديث عن ذلك يحتاج إلى مجلدات .. وهذه إشارات سريعة ، لبعض قراراته وأحكامه الإدارية وبعض أفعاله وممارساته الميدانية :

أولاً: فعلى مستوى (القلب والنفس) يقول الإمام علي عليه السلام في وصيته لمالك الاشتر الذي بعثه حاكماً على مصر: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم» .. وبهذا يمتاز منهج الإمام علي عليه السلام عن سائر المناهج .. إذ ليس المطلوب : مناهج عادلة فحسب ، بل لا بد أن تلامس الرحمة قلب الحاكم وجوانحه أيضاً وأن يمتلأ بالمحبة لهم .

وليس ذلك أمراً محبّذاً ومستحباً فقط بل إنه أمر واجب (واشعر قلبك الرحمة) إذ:

1. صيغة الأمر تدلّ على الوجوب .

2. السياق دليل آخر على الوجوب ، وليلاحظ مثلاً (ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً).

3. المقام أيضاً دليل آخر على الوجوب .. فإن الإمام يتحدّث عن مقام الحكومة والتولية والقرارات الإدارية.

وفي سيرته عليه السلام الألوف من الشواهد على أنه سلام الله عليه كان القمة في هذه الصفة : (المحبة للرعية واللطف بهم) كأشدّ الآباء حبّاً بأبنائه ولطفاً بهم.

ومن الشواهد أنه عليه السلام كان طوال فترة حكومته قد التزم بأن لا يستريح لحظة واحدة .. فلا اصطياف ولا نزهة – كما يفعله السياسيون والملوك والرؤساء _ .. ولا جلسات سهر أو مطايبة .. كما يفعله كل الناس بل كان سلام الله عليه يحرم نفسه من النوم ليقف كل لحظات حياته للدفاع عن الشعب وعن حق كل فرد من أفراده. وكان يقول «إن نمت الليل ضيّعت نفسي وإن نمت النهار ضيّعت رعيتي» .. بل كان يستريح فترة الظهيرة تحت ظل شجرة في وسط المدينة حتى في شدّة الحر والناس كلهم في بيوتهم - ليكون في متناول يد أي مظلوم يريد أن يخاطب الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية مباشرة ودون حراس أو حواجز .. وحتى بدون إبطاء وتأخير حتى بقدر أخذ موعد لقاء !! وهل تحلم أرقى ديمقراطيات عالم اليوم بمثل ذلك ؟!

ثانياً: وتتجلّى لنا الرحمة الشاملة للإمام علي سلام الله عليه عندما نلاحظ إدانته للوصولية ورفضه للانتهازية حتى في تلكم القضايا التي قد يعدّها عامّة الناس من (الحكمة والذكاء) أو (من دائرة الأهم والمهم) .. وهكذا نجده يقول:

«والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على دن دعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت».

ولعمر الله .. ما أسماها من كلمة .. وما أعظمها من حكمة.

ولنقارن ذلك بما يقوم به الإرهابيون من اختطاف .. وقتل .. وذبح .. وتفجير .. في العراق .. وفي أنحاء العالم .. تحقيقاً لأهداف دنيّة مبيتة .. وللحصول على بعض الكعكة وبعض الشهرة.. أي إجرام .. وأية انتهازية هذه .

وعودة إلى كلمة الإمام سلام الله عليه (والله لو أعطيت الأقاليم السبعة ...) نقول : لعل معترضاً يعترض : ماالسبب في ذلك ؟ أليس الأهم والمهم أمراً عقلائياً ؟

.. هنا تتجلّى لنا عظمة الإمام أمير المؤمنين علي سلام الله عليه أكثر فأكثر ، فإنه بهذا الموقف الغريب وبهذه الكلمة - الفصل يكشف لنا عظمة العبودية لله تعالى .. وعظمة الحق .. وعظمة ذاته أيضاً.. وهذه إضاءات سريعة :

1. معصية الله .. خط أحمر .. لا يجوز اختراقه .. وإن بدت تافهة أو صغيرة (على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ، ما فعلت) فإن كل معصية لله كبيرة لأنها معصية لله العظيم .. ثم إن (شر الذنوب ما استهان به صاحبه).

2. أن (الحق) مهما بدى تافهاً أو صغيراً فإن له (القيمة المطلقة) .. وبهذا يؤصل الإمام لـ (حكومة) الحق على مبدأ (الأهم والمهم) .. ولهذا بحث طويل يترك للدراسات الفقهية – الأصولية المستوعبة.

3. إن اعتبار كل حق .. وإن كان حق نملة في جلب شعيرة .. منطقة ممنوعة .. هو الذي يغلق الطريق على الإنسان – الشيطان – الذي ينطلق من تجاهل حق صغير وسحقه ويتدرج ليصل إلى سحق أعظم الحقوق وأسمى القيم متذرّعاً بحجج فضفاضة مختلفة بحجة (المصلحة العامة) ! وهذا ما يقوم به شتى الديكتاتوريين في العالم .. وهذا ما بدأت به الدول الغربية تسلكه أيضاً بذريعة القضاء على الإرهاب !! ولكم أن تتصفحوا قوانين مكافحة الإرهاب الأخيرة في أمريكا و أوروبا لتعرفوا كم إنساناً بريئاً انتهك حقه بهذه الحجة التي حمّلوا – عملياً – مسؤولياتها كافة المسلمين رغم أنهم كانوا أول ضحايا الإرهاب .

ثالثاً: وعلى مستوى (الأديان الأخرى) .. نجد الإمام علي سلام الله عليه يتألق .. ويتألق ليقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «من آذى ذمّياً فقد آذاني» .. والإيذاء يشمل حتى الإيذاء بكلمات نابية .. وبنظرة شزراء .. ثم نجد (فقد آذاني) .. أي مسلم يرضى بإيذاء رسول الله والإمام علي صهره وخليفته ؟ فالإمام يصرّح : إن إيذاء أي ذمّي (يهودي أو نصراني) هو إيذاء نفس رسول الله وبعد ذلك .. هل يحق لإرهابي يدّعي الإسلام أن يقوم بتفجيرات في مختلف دول العالم يروح ضحيتها الأبرياء ؟!

ونستمع إلى كلمة أخرى للإمام علي سلام الله عليه حيث يقول : «أما والله لو ثنيت لي الوسادة» أي وصلت إلى الحكومة «فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الإنجيل بإنجيلهم، وأهل الزبور بزبورهم، وأهل القرآن بقرآنهم، حتى ينطق كل كتاب من كتب الله يقول: صدق عليّ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ».

وعندما وصل سلام الله عليه إلى الحكم .. كان فعله مرآة قوله وكانت سيرته لا تقلّ إشراقاً وصفاءً وتألّقاً عن وعوده.. وهذا فارق أساسي يكشف لنا عظمة هذا الإنسان – الملاك وهو فارق استثنائي يميزه عن كبار القادة .. الذين يعدون ولا يفون ، والذين يطلقون أجمل الشعارات .. ثم إذا اعتلوا كرسي الرئاسة .. ألقوا بالمواعيد والمواثيق وراء ظهورهم وكأنهم مخلوق آخر لم يسبق أن أطلق وعداً أو التزم ميثاقاً !! هذا ما قطع النظر عن دلالة هذا الحديث على ذلك البحر الزاخر من العلم الواسع الشامل المحيط ..

رابعاً: وعلى مستوى التعامل مع العدو يقول الإمام سلام الله عليه: «ابذل لعدوك عدلك وإنصافك» كما قال تعالى: «ولا يجر منّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا» ...

إن العدل مع الأصدقاء صعب .. ومع عامة الناس أصعب .. ومع العدو أصعب من الصعب حتى كاد أن يكون مستحيلاً .. لكنه هو منهج الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه !! ويكفينا أن نعقد المقارنة التالية :

فقد ألقت أمريكا قنابل ذرية على هيروشيما في 6/8/1945 وعلى نكازاكي في 9/8/1945 راح ضحيتها – 170,000 – شخص .

وفي العراق اليوم .. فإن كمية الإشعاع النووي الذي نشرته القوات الأمريكية في العراق عام 2003 والذي انطلق من اليورانيوم الذي تحتويه صواريخ كروز والقنابل الغبية والذكية ومدافع الدبابات عيار 120 ملم وغيرها – كمية الإشعاع النووي هذا يعادل – حسب منظمة Dissidentvoice - - 250 ألف قنبلة بحجم قنبلة ناكازاكي !! (راجع موقع www.dissidentvoice.org و موقع www.tense.com ) .

وفي المقابل : تتجلّى لنا عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله والإمام علي سلام الله عليه .. حيث «نهى رسول الله أن يلقى السم في بلاد المشركين» (كتاب وسائل الشيعة باب 16 حديث 1). كما يقول الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه .. رغم إن ذلك لم يكن يسبب قتل أحد .. إذ اقترح بعض الناس تسميم النهر الذي يصب في قلعة المشركين ليستسلموا سريعاً .. فرفض الرسول ذلك كي لا يضغط العطش على النساء والأطفال والشيوخ !! .. رغم إن تسميم النهر لم يكن ليقتل أحداً إذ أن الخبر كان سيوصل إلى المشركين ليمتنعوا من شرب الماء وليعلموا أنه لا مناص إلا من الاستسلام .. .

فأية مثالية هذه ؟!

والإمام علي سلام الله عليه في واقعة صفين .. عندما ملك جيش معاوية الشريعة وفرضوا حصاراً حول النهر ومنعوا جيش الإمام علي سلام الله عليه من شرب الماء أرسل الإمام قسماً من جيشه فكشفوا جيش معاوية عن النهر وملكوه .. وعندما طلبوا من الإمام أن يمنع جيش معاوية من شرب الماء مقابلة بالمثل ولكي يستسلموا سريعاً .. رفض ذلك ...

أقول: الله اكبر .. آية إنسانية هذه ! .. وأية مدينة فاضلة هذه ! .. وأي ملاك طاهر وقديس عظيم هذا الإمام – الرمز الخالد ؟!

وقصص عدل علي سلام الله عليه مع أعدائه كثيرة ، بل إن قصص فضله على أعدائه كثيرة وللمحقق أن يستكشف بعضها في موسوعة بحار الأنوار للعلامة المجلسي (قدس سره) و في كتاب (أمير المؤمنين شمس في أفق البشرية) للإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) و كتاب (السياسة من واقع الإسلام) للمرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دام ظله .

ومن ذلك إنه رفض اعتقال قاتله إبن ملجم رغم إنه كان يعلم بأنه سيقتله .. فأية دولة على وجه الأرض يحدث فيها مثل ذلك ؟

كما أجرى العطاء للخوارج رغم علمه بأنهم سوف يثورون ضده وسيشهرون السلاح ويقودون معركة مسلحة ضد حكومته المنتخبة .. كما عاملهم في شتى الأمور معاملة عامة الناس .. فلا سجن .. ولا احتجاز .. ولا نفي .. ولا مضايقات .. ولا قوانين كقوانين مكافحة الهجرة !!

ورفض احتجاز رؤوس الفتنة (طلحة والزبير مثلاً) أو نفيهم أو أي موقف آخر رغم إنه كان يعلم بأنهم يعدّون العدّة لشن معركة ضد الحكومة المنتخبة

ولنقارن ذلك بقوانين مكافحة الإرهاب والقانون الذي سنّه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ذي الـ 12 مادة ..

لنستكشف من ذلك إن الديمقراطية في العالم الغربي لا ترقى إلى عشر معشار إنسانية الإمام علي سلام الله عليه وديمقراطيته وحكومته العادلة.