b4b3b2b1
الحرم الكاظمي المقدس.. باب الألطاف الرحمانية والرحبة الملكوتية | أبو ايوب الانصاري | السيد شاه علي رضوان الله عليه | اِستراتيجيّة الكوفة في خلافة الإمام عليّ عليه السّلام | المرقد المقدس للسيد صالح | المرقد الطاهر للسيّد محمّد ( سبع الدُّجَيل ) ابن الإمام الهادي عليه السّلام | مقامات ومشاهد أهل البيت عليهم السّلام في سوريا | مرقد الحمزة الغربي.. مشهدٌ يلوح بالإباء ويقارع الزمان بالبقاء | المقام الشريف للسيدة الطاهرة زينب الكبرى (سلام الله عليها) في مصر | مرقد السيد علي بن جعفر سلام الله عليهما (باب الجنّة) | مرقد السيد ادريس ( عليه السلام ) بغداد الكرادة | مرقد الصحابي الجليل سعيد بن جبير (رضوان الله عليه) |

الشهيد الثائر زيد (عليه السلام)... كوكب هاشمي في سماء الشهادة

2663

 

23 رجب 1431 - 07/07/2010

يحفل سجل الأحرار والثائرين على مر التاريخ الإسلامي، بسلسلة طويلة من الأسماء والكواكب المنيرة لطريق الحق والعقيدة والحرية، ويتصدر أهل البيت الأطهار من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، قائمة المصلحين والثائرين الخالدين الذين ترجموا بدمائهم الزكية كل معاني الأصالة والثبات والفداء في سبيل شريعة السماء وقيم العدل.

وزيد الثائر هذا البطل والقائد الهاشمي هو أحد النجوم الزاهرة التي أنارت ثورته الظافرة الطريق أمام كل الأحرار والثوار على امتداد التاريخ الإنساني والإسلامي.

شذرات من شخصية الشهيد

هو زيد بن علي السجاد بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، أمه اسمها حورية أو حوراء وتكنى بـ (أم ولد)، وقد انجبت أيضاً عمر وعلياً وخديجة، ولد في المدينة المنورة، وتعددت الروايات بشأن تحديد تاريخ ولادته، فقيل ولد سنة 57 هـ، كما عن اخطب خوارزم او 78 كما عن رواية أبي داود، وقيل أيضاً ولد سنة 66 او 67 هـ.، زوجته زينب بنت هاشم محمد بن عبد الله بن محمد بن الحنفية، فولدت له يحيى قتيل الجوزجان ثم تزوج باثنين عندما كان في الكوفة، وهما ابنة عبد الله بن أبي الغبس الأسدي، وابنة يعقوب بن عبدالله السلمي، ثم تزوج بأم ولد فانجبت له ثلاثة أولاد (عيسى والحسين ومحمد) وبهذا يكون للإمام زيد أربعة أبناء وبنت واحدة.

أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) فيه:

1. عن حذيفة بن اليمان قال: نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى زيد بن حارثة فقال: (المقتل في الله والمصلوب في أمتي، والمظلوم من أهل بيتي (سميّ) هذا، وأشار بيده إلى زيد بن حارثة، فقال: أدن مني يا زيد، زادك اسمك عندي حباً، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي).

2. عن الإمام الحسين (عليه السلام) قال: وضع رسول الله يده على كتفي، وقال: (يا حسين! يخرج من صلبك رجل يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة غراً محجلين).

3. روى بن قولويه قال: (روى بعض أصحابنا، قال كنت عند الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، فكان إذا صلى الفجر لم يتكلم حتى تطلع الشمس فجاؤوه يوم ولد زيد، فبشروه به بعد صلاة الفجر، قال فالتفت إلى أصحابه وقال: أي شيء ترون أن اسمي هذا المولود؟ فقال كل رجل منهم: سمه كذا، سمه كذا، قال فقال: يا غلام علي بالمصحف، فجاؤوا به، فوضعه على حجره ثم فتحه فنظر فإذا فيه (فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً) قال: ثم طبقه، ثم فتحه فنظر فإذا اول الورقة (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم... هو الفوز العظيم) (سورة التوبة/ الآية 111)

ثم قال: هو والله زيد، هو والله زيد. فسمي زيداً.

4. أما الإمام الباقر (عليه السلام) فقد نوه عن فضل أخيه زيد (عليه السلام عدة مرات بأحاديث شتى، كلها تدل على علو مقام زيد (عليه السلام) ورفعة شأنه منها عن أبي الجارود قال: إني جالس عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) إذ أقبل زيد فلما نظر إليه وهو مقبل، قال: (هذا سيد أهل بيته والطالب بأوتارهم، لقد أنجبت امّ ولدتك يا زيد).

5. وللإمام الصادق (عليه السلام) مع زيد (عليه السلام) وجلالة قدره أحاديث كثيرة، فقد عاصره وعاصر ثورته واستشهاده، وقد أثرت شهادة زيد (عليه السلام) في الإمام الصادق (عليه السلام) أيما تأثير وقد روى الصدوق بالإسناد عن الصادق (عليه السلام) انه قال: (لا تقولوا خرج زيد فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعا إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ولو ظفر لوفى لما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه).

6. أما الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقد دافع عن مواقف زيد بن علي (عليه السلام) بحضرة المأمون قائلاً: (إن زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق، وأنه كان أتقى لله من ذلك إنه قال أدعوكم إلى الرضا من آل محمد وإنما جاء ما جاء فيمن يدعي أن الله نص عليه ثم يدعو إلى غير دين الله ويضل عن سبيله بغير علم وكان زيد بن علي والله فمن خوطب بهذه الآية (وجاهدوا في الله حق جهاده).

وعاش زيد (عليه السلام) في كنف والده زين العابدين خمسة عشر عاماً أو يزيد وبعد استشهاد والده عام 95 هـ كفله أخوه الإمام الباقر (عليه السلام) فهو ربيب الباقر (عليه السلام)، عاش في رحاب عطفه وحنانه بعد استشهاد أبيه واغترف العلم والتقوى من نبعه الفياض.

وقد سار زيد (عليه السلام) على نهج والده محباً للعبادة.

وقد بلغ زيد (عليه السلام) درجة علمية راقية متى كان (يطوف على بعض رؤساء المذاهب والتيارات الأخرى كواصل بن عطاء، لمناقشتهم في مسائل العلم، بعد ان استوعبها من مصدرها الأصيل، ويبين لهم موقع أئمة أهل البيت عليهم السلام ودورهم في حفظ الإسلام والأمة).

عبادته

عن تفسير فرات بن ابراهيم أنه روى عن سعيد بن جبير أنه قال قلت لمحمد بن خالد كيف قلوب أهل العراق مع زيد بن علي فقال لا أحدثك عن أهل العراق لكن أحدثك عن رجل يسمى النازلي بالمدينة قال صحبت زيدا ما بين مكة والمدينة وكان يصلي الفريضة ثم يصل ما بين الصلاة الى الصلاة ويصلي الليل كله ويكثر التسبيح ويكرر هذه الآية : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد فصلى ليلة معي وقرأ هذه الآية الى قريب نصف الليل فانتبهت من نومي فإذا أنا به ماد يديه نحو السماء وهو يقول : الهي عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة ثم انتحب فقمت اليه وقلت يا ابن رسول الله لقد جزءت في ليلتك هذه جزعا ما كنت أعرفه فقال ويحك يا نازلي أني نمت هذه الليلة وأنا ساجد فرأيت جماعة عليهم لباس لم أر أحسن منه فجلسوا حولي وأنا ساجد فقال رئيسهم هل هو هذا فقالوا نعم فقالوا أبشر يا زيد فإنك مقتول في الله ومصلوب ومحروق بالنار ولا تمسك النار بعدها أبدا فانتبهت وأنا فزع.

ومر قول يحيى بن زيد رحم الله أبي كان والله أحد المتعبدين قائم ليله صائم نهاره . وروى الخزاز في كفاية النصوص بسنده عن المتوكل بن هرون عن يحيى بن زيد أنه قال له في حديث يا أبا عبد الله إني أخبرك عن أبي عليه السلام وزهده وعبادته أنه كان يصلي في نهاره ما شاء الله فاذا جن الليل عليه نام نومة خفيفة ثم يقوم فيصلي في جوف الليل ما شاء الله ثم يقوم قائما على قدميه يدعو الله تبارك وتعالى ويتضرع له ويبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر سجد سجدة ثم يصلي الفجر ثم يجلس للتعقيب حتى يرتفع النهار ثم يذهب لقضاء حوائجه فاذا كان قريب الزوال أتى وجلس في مصلاه واشتغل بالتسبيح والتمجيد للرب المجيد فإذا صار الزوال صلى الظهر وجلس ثم يصلي العصر ثم يشتغل بالتعقيب ساعة ثم يسجد سجدة فاذا غربت الشمس صلى المغرب والعشاء فقلت هل كان يصوم دائما قال لا ولكنه يصوم في كل سنة ثلاثة أشهر وفي كل شهر ثلاثة أيام ثم أخرج إلي صحيفة كاملة فيها أدعية علي بن الحسين عليه السلام ومر قول عاصم رأيته يذكر الله عنده فيغشى عليه حتى يقول القائل ما يرجع الى الدنيا وأنه أثر السجود بوجهه.

حبه لاصلاح الامة

في المقاتل بسنده عن البابكي واسمه عبدالله بن مسلم بن بابك خرجنا مع زيد بن علي الى مكة فلما كان نصف الليل واستوت الثريا قال يا بابكي أما ترى هذه الثريا أترى أحدا ينالها قلت لا قال والله لوددت أن يدي ملصقة بها أقع الى الأرض أو حيث اقع فاتقطع قطعة قطعة وإن الله أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا حرص زيد على الاصلاح بين أمة جده التي خذلته وأسلمته الى بني أمية أعداء الله وأعداء جده رسول الله (ص) الذين لم يكتفوا يقتله حتى صلبوه أربع سنين على أشنع صورة ثم أحرقوه عداوة لدين الاسلام الذي دخلوا فيه كارهين مرغمين ولم يوجد في هذه الأمة من يغير بيد ولا لسان نعم وجد فيها حتى اليوم من يدافع عنهم ويلتمس لهم الأعذار.

براءته من دعوى الامامة

مر عن المفيد أنه اعتقد كثير من الشيعة فيه الامامة لخروجه يدعو الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فظنوه يريد بذلك نفسه ولم يكن يريدها به لمعرفته باستحقاق أخيه الباقر عليه السلام للامامة من قبله ووصية أخيه الباقر عند وفاته الى ولده الصادق عليه السلام (وعن رياض الجنة) ما تعريبه أن زيد بن علي كان دائما في فكر الانتقام والأخذ بثأر جده الحسين عليه السلام ومن هذه الجهة توهم بعضهم أنه ادعى الإمامة وهذا الظن خطأ لأنه كان عادفا برتبة أخيه وكان حاضرا في وقت وصية أبيه ووضع أخيه في مكانه وكان متيقنا أن الامامة لأخيه وبعده للصادق عليه السلام وعن السيد الجليل بهاء الدين علي بن عبد الحميد النيلي النجفي رضوان الله عليه في كتابه الأنوار المضيئة أنه قال زعم طوائف ممن لا رشد لهم أن زيد ابن علي بن الحسين عليهم السلام خرج يدعو لنفسه وقد افتروا عليه الكذب وبهتوه بما لم يدعه لأنه كان عين إخوته بعد أبي جعفر عليه السلام وأفضلهم ورعا وفقها وسخاء وشجاعة وعلما وزهدا وكان يدعى حليف القرآن وحيث أنه خرج بالسيف ودعا الى الرضا من آل محمد زعم كثير من الناس لا سيما جهال أهل الكوفة هذا الزعم وتوهموا أنه دعا الىنفسه ولم يكن يريدها له لمعرفته باستحقاق أخيه الامامة من قبله وابن أخيه لوصية أخيه اليه بها من بعده الى أن قال وقد انتشرت الزيدية فكثروا وهم الان بها من بعده الى أن قال وقد انتشرت الزيدية فكثروا وهم الان طوائف كثيرة في كل صقع أكثرهم باليمن ومكة وكيلان.

ثورة زيد

لعل الواقع الذي عاشه زيد (عليه السلام) كان أهم عامل أجج فكرة الثورة والكفاح ضد الحكومة القائمة آنذاك المتمثلة بأميرها هشام بن عبد الملك الذي تولى السلطة سنة (150هـ)، حيث استشرى الظلم واستفحل الاستبداد فالرعية تعيش فقراً مدقعاً، والأسر الأموية والمروانية تعيش حياة الرفاهية والدعة، (وفي تلك الفترة الزمنية تفشى الظلم والفساد والمذابح وسياسة القمع والتجويع حتى استطاع الحاكم الأموي السيطرة على الناس وبالتالي فصل الأمة عن القيادة الشرعية وهم أهل البيت (عليهم السلام) من خلال فرض الرقابة وملاحقة الأنصار، وتعطيل الحدود، واسقاط السنن الإلهية).

في حين ذكر زيد (عليه السلام) بنفسه جانباً من الأسباب التي دعته للثورة فيقول لجابر بن عبد الله الأنصاري: (إني شهدت هشاماً ورسول الله يسب عنده ولم يُنكر ذلك، ولم يغيره، فو الله لو لم يكن إلا أنا وآخر لخرجت عليه).

وفي نص آخر يقول: (إنما خرجت على الذين قاتلوا جدي الحسين) وفي آخر يقول: (إنما خرجت على الذين أغاروا على المدينة يوم الحرة، ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار).

عموماً يمكن القول أن الأسباب التي دعت زيداً للثورة يمكن تلخيصها في نقاط:

1. الواقع الفاسد الذي كانت تعيشه الأمة آنذاك.

2. الثأر لشهداء كربلاء وعلى رأسهم أبي الضيم الحسين (عليه السلام).

3. مواقف هشام اتجاه زيد (عليه السلام) وما أبداه من انتقاص وتجاهل لشخصيته حينما دخل مجلسه.

ولكن التساؤل الذي يبقى في الأذهان هو كيف اعتمد زيد (عليه السلام) على وعود الكوفيين وقد بيّنت له تجربة جده الإمام الحسين (عليه السلام) أنهم ينكلون ويغدرون؟!

وهنا نجمل ذكر الواقعة، فبعد أن قدم زيد (عليه السلام) من الشام إلى الكوفة وبقي فيها فترة ثم أراد الانصارف نحو المدينة، فأقبل إليه الأشراف من أهل الكوفة وقالوا: (أين تخرج رحمك الله ومعك مئة ألف سيف من أهل الكوفة، وخراسان، ويضربون بني أمية بها دونك... وليس قبلنا من أهل الشام إلا عدة)، فلما رأى منهم زيد (عليه السلام) ذلك: (أقام في الكوفة ثائراً وبايعه أصحابه بيعته التي يبايع عليها الناس: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، ورد المظالم، وإقفال المجمر، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا، وجهل حقنا، أتبايعون على ذلك فإذا قالوا نعم وضع يده على يده، ثم يقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله لتفين ببيعتي ولتقاتلن عدوي، ولتتصحن لي في السر والعلانية فإذا قالوا نعم مسح يده على يده، ثم قال: الله اشهد). فانهالوا عليه من كل حدب وصوب بالألوف يقرون له بالطاعة ويبينون له أنهم باقون معه يفدونه بالأرواح ويمنونه بالنصرة حتى اجتمع عنده ديوان به أسماء أربعين ألف مقاتل!!

في الوقت ذاته كان والي العراق خالد بن عبد الله القسري واقعاً تحت تهديد الخليفة هشام بسبب ما يتناقل إليه من أخبار ووشايات ضد خالد، فقام بعزله وكلف مكانه رجلاً من ألد أعداء خالد القسري وهو يوسف بن عمر الثقفي الذي كان والياً على اليمن، في هذه الفترة كان يوسف بن عمر مشغولاً بمحاسبة خالد وعماله السابقين فلم تصل إليه أخبار مبايعة أهل الكوفة لزيد (عليه السلام)، حتى انتقلت الأخبار إلى هشام لزيد (عليه السلام)، حتى انتقلت الأخبار إلى هشام بن عبدالملك فأرسل ليوسف يوبخه ويعلمه بحركة زيد بن علي (عليه السلام)، فأخذ يوسف بالبحث عن زيد (عليه السلام) والتضييق عليه، وأما زيد (عليه السلام) فقد لاحظ بوادر التفكك في معسكره واختلاف الآراء فقرر الإقدام على الخروج قبل الموعد المعين له وقد وصل هذا التوقيت إلى الوالي يوسف بن عمر عن طريق جواسيسه الذين اخترقوا أصحاب زيد (عليه السلام) وقاموا بنقل الفعاليات أول بأول.

تحرك زيد (عليه السلام) يوم الأربعاء الأول من صفر سنة (122 هـ) وأرسل فرسانه يعلنون الثورة وشعارهم يا منصور يا منصور، فلم يجتمع سوى ثلاثمئة وثمانية عشر رجلاً فقط لا غير من أصل أربعين ألفاً، وفي الوقت ذاته يزحف يوسف بن عمر الثقفي بجيشه وتدور رحى الحرب الغير متكافئة ورغم ذلك يصمد زيد (عليه السلام) ومن معه في القتال أمام ذلك الجيش، فلما كان يوم الخميس الثاني من صفر واصل زيد (عليه السلام) بطولاته، إلا أن الجيش رشقهم بالسهام فوقع سهم منها في جبين زيد فحمله أصحابه تحت جنح الظلام وطلبوا له طبيباً ولكنه ما أن نزع السهم من دماغه حتى مات رحمه الله فدفنه أصحابه في حفرة من الطين ثم أجروا عليها الماء حتى لا يعثر عليه أحد.

وفي قضية دفنه يذكر التاريخ (وكان ابن زيد عليه السلام يحيى حريصاً على أن يدفن أباه بحيث لا يعلم بقبره أحد، فدفنه بموضع من دار الجوارين في ساقية وردمها ووضع عليها النبات وقال بعضهم أن أصحابه انطلقوا به إلى العباسية ولكن أحد الذين علموا بمكان الدفن أنبأ الأمويين، ومثلوا بصاحبها ونصبوه مصلوباً في كناسبة الكوفة مع نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق الأنصاري وزياد النهدي بأمر من هشام، ثم بُعث برأسه إلى هشام بن عبدالملك فأمر به فنصب على باب دمشق ثم اُرسل إلى المدينة حيث نصب عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله): يوماً وليلة، كتب إلى يوسف بن عمر قائلاً: (إذا أتاك كتابي هذا فانظر إلى عجل أهل العراق فأحرقه وأنسفه في اليم نسفاً فأحرقوا الجثة وذروا رمادها في الفرات وقال: والله يا أهل الكوفة لأدعنكم تأكلونه في طعامكم وتشربونه في مائكم).

تاريخ المزار

يذكر السيد مهدي القزويني ما نصه: ولزيد بن علي في موضع صلبه وحرقه من كناسة الكوفة قبر مشهور وعليه قبة وهو من المزارات المقصودة. وقال الشيخ حرز الدين: (... مشهده عامر بالزائرين والوفود في ليالي الجمعات والمواسم الإسلامية، ويقع في الشرق الجنوبي لقرية الكفل، يبعد عن حدود الفرسخين عنه، وهذا المشهد هو موضع دفنه وإقباره)، ثم يضيف حفيد الشيخ حرز الدين في هامش الموضوع: (وله رسم قبر رمزي عليه الستور النفيسة، فوقه شباك حديد، جميل الصنع، أثري المنظر، في وسط هرم طوله وعرضه (6×6) متر، مفروش بالسجاد إلى جانبه رواق للزائرين، وكان حرمه مجهزاً بالمعلقات والثريات وأنواع المصابيح الكهربائية، تظله قبة ضخمة عالية البناء، وأمام مشهده طارمة بخمس اسطوانات، مسقوفة يحوطه صحن طوله وعرضه (10×8) اسطوانات، وفي مدخل صحنه طارمة مسقوفة ببناء مسلح ضخم أشادها بعض المحسنين من أهل الخير، رأيناها محتشدة بالزائرين، وحول مشهده بيوت يقيم فيها بعض سدنته).

يتضمن المرقد صحن كبير تحيط به أروقة تمتد على طول الأضلاع الأربعة، ويمكن الدخول للصحن عن طريق أربعة مداخل رئيسية تقع في منتصف جانب، ولكنها اليوم مغلقة باستثناء البوابة الرئيسية التي يطلق عليها (باب القبلة)، التي يليها ممر مسقف مطل على الصحن الشريف، تتوسط الصحن عمارة المقام التي تتألف بدورها من الطارمة المسقفة، وقد غلُفت جدرانها الداخلية والخارجية بالمرمر كما زخرف سقفها بالمرايا، التي أضفت عليها حُلّة عمرانية جمعت بين الاتقان والجمال، كما تبدو المنارتان اللتان تقعان على جانبي عمارة المقام يبلغ ارتفاع كل واحدة منهما (33) متراً وقد غلفت بالكاشي المزخرف ويمكن الدخول إلى الحرم من ثلاث أبواب موزعة بانتظام على الواجهة القبلية، أما الحرم فلا أبالغ إن وصفته في كونه آية من آيات الفن المعماري حيث الفضاءات المقسمة وفق ذوق هندسي رفيع وسقوف مزينة بأنواع الزخارف الإسلامية وجدران غُلفت بالكاشي الكربلائي الذي زينته الآيات القرآنية ذات الخط المميز كما زُين ببعض القصائد التي أشادت ببطولات زيد (عليه السلام) وتضحيته وشهادته، إضافة لذلك يُلاحظ كتابة سيرة زيد بن علي (عليه السلام) على الجدران الداخلية في المقام الشريف في ثلاث أماكن وذلك لتعريف الزائر الكريم بشخصية صاحب المقام.

تبلغ مساحته حوالي (100) متر مربع يحيط بالشباك الذي يحتل مركز المقام أروقة واسعة ذات أقواس إسلامية خصص الجانب الأيمن منها للرجال، والأيسر للنسان، أما الشباك فهو الآخر يُعد نموذجاً رائعاً من نماذج الفن، حيث حوى جميع مواصفات العمل الناجح من نقش وزخرفة وتشكيل، والشباك عبارة عن صندوق مستطيل كبير بأبعاد (5×3.5) متر يحتوي الضلع الطويل على أربعة شبابيك، والأصغر يحتوي على ثلاثة منها، يعلو الحرم قبة ضخمة بارتفاع (30) متر وقطر (10) متر يتوسطها طوق خُطت عليه الآية الكريمة (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً...) وأسفله طوق آخر خُطت سورة الدهر، أما من الخارج فقد غُلفت القبة بالكاشي الكربلائي المزخرف وفي النية تذهيب القبة بكاملها، إذ تم جمع ما يقارب (300) قطعة من الطابوق المذهب.