b4b3b2b1
مرقد عون بن عبد الله رضوان الله تعالى عليه مزاراً ذو طابعاً روحاني ودعاء مستجاب  | مرقد العلامة الحلي.. مدرسة علمية تستقطب المئات من طلبة العلوم الدينية | المقام الشريف للسيدة الطاهرة زينب الكبرى (سلام الله عليها) في مصر | إبراهيم الخليل (عليه السلام)... من المقام المقدس حتى أرض المحرقة | مقام السيدة فضة خادمة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) | الخلّاني.. مسجد ومزار يزين قلب بغداد | مَقامُ الإمامِ المَهُديّ عليه السّلام في الحلّة | السيد شاه علي رضوان الله عليه | العلوية شريفة بنت الامام الحسن (عليه السلام) | مزار الحَمزة الغربيّ | العتبة العسكرية المقدسة | المرقد الطاهر للسيّد محمّد ( سبع الدُّجَيل ) ابن الإمام الهادي عليه السّلام |

السفراء الأربعة ... أبواب للتواصل مع بقية الله

2302

 

23 شوال 1430 - 13/10/2009

إنّ الأئمة (عليهم السلام) اضطهدوا جميعاً وشردوا، حُبس من حُبس منهم، وأُبعد من أُبعد، ولكن اضطهادهم كان يشتد تارة ويخف أخرى، فكان اتصالهم بشيعتهم مستمراً، ومدارسهم قائمة، وأياديهم على الأمة ظاهرة، وكانت تُشد إليهم الرحال من جميع أنحاء العالم الإسلامي لأخذ العلم، فقد تخرج عليهم جُلّ علماء المسلمين، وقد ملأ حديثهم الآفاق، ودُونت من تعاليمهم مئات المؤلفات..

والإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، الذي توارى عن الأنظار في بمشيئة ربانية في الفترة المظلمة التي تولها بها بنو العباس الحكم وعاثوا في الأرض فساداً وفي الناس قتلاً وتشريداً، ولكي لا ينقطع الأتصال بين الإمام المفترض الطاعة ..والقائد الحقيقي للأمة الإسلامية كان لا بد من وجود وسطاء يحملون المشاكل التي تواجه الأمة والقضايا الفقهية الى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجع الشريف للبت بها وترجمة تعاليم السماء ...

يقول المحدث القمي: (من وظائف الزائرين للعتبات المقدسة في العراق أثناء إقامتهم في مدينة الكاظمين الطيبة هو التوجه إلى بغداد لزيارة النواب الأربعة، الذين نابوا عن الحجة المنتظر إمام العصر (صلوات الله عليه)، وزيارة قبورهم لا تتطلب من الزائر بذل كثير من الجهد فهي في مدينة بغداد غير بعيد عن الوافدين من الزوار ولو كانت منتشرة في أقصى البلاد لكان يحق أن تشد إليها الرحال، وتطوى في سبيلها المسافات، ويتحمل متاعب السفر والشدائد لنيل ما في زيارة كل منها من الأجر العظيم والثواب الجزيل).

من هم السفراء الأربعة ؟ يتحدث الشيخ صالح الكرباسي عن ذلك قائلا:

السُّفراء الأربعة: مُصطلحٌ يُرادُ به سفراء الإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله فرَجَه) و نوابه، أو أصحاب الوكالة الخاصة عنه (عليه السَّلام) في فترة الغيبة الصغرى، حيث أن أحداً من الناس لم يتمكن من الاتصال بالإمام المهدي (عجَّل الله فرَجَه) أو الاجتماع إليه في تلك الفترة إلاّ من خلال سفرائه الأربعة، هذا و يُعرف هؤلاء السفراء بالنواب الأربعة أيضاً.

وكان هؤلاء السفراء والنواب من كبار علماء الشيعة وزهّادهم، ومن أصحاب الأئمّة السابقين (عليهم السلام)، وقد تمَّ إختيارهم و تعينهم من قِبَل الإمام المهدي (عجَّل الله فرَجَه).

مهمة السفراء الأربعة:

كان السفراء يشكِّلون حلقة الاتصال بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرَجَه) و بين شيعته في مختلف الأقطار، فكانوا يحملون إليه رسائل شيعته و محبيه و أسئلتهم ، ثم يأتون إليهم بالجواب ، و من مهامهم أيضاً أنهم كانوا يستلمون الحقوق الشرعية و يحملونها إلى الإمام (عجَّل الله فرَجَه)، أو يتصرفون بها حسب ما تقتضيه المصلحة .

وقد استمرت سفارة السفراء الأربعة قُرابة 70 عاماً، أي من سنة 260 وحتى سنة 329 هجرية ، وهي الفترة التي تُعرف بفترة الغيبة الصغرى.

السفير الأول... عثمان بن سعيد العمري

هو عثمان بن سعيد العَمْري من أولاد عمّار بن ياسر، كان سمّاناً يتجر بالسمن، وكان الشيعة إذا أرادوا حمل الحقوق إلى الإمام العسكري (عليه السلام) أنفذوها إليه فيجعلها في جراب السمن وزقاقه ويحملها إلى الإمام (عليه السلام)، بسبب ظروف التقية التي كان يعيشها الشيعة آنذاك، وقد ورد في أمانته ووثاقته ما يرتقي به إلى خواص أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، فقد أورد الشيخ الطوسي عن أحمد بن إسحاق بن سعد قال: (دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) في يوم من الأيام فقلت يا سيدي أنا أغيب وأشهد، ولا يتهيأ لي الوصول إليك، إذا شهدت في كل وقت فقول من أقبل، وأمر من نمتثل، فقال لي (عليه السلام): هذا أبو عمرو الثقة الأمين ما قاله لكم فعني يقول، وما أداه إليكم فعني يؤديه، فلما مضى أبو الحسن (عليه السلام) وصلت إلى أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) ذات يوم فقلت له (عليه السلام) مثل قولي لأبيه، فقال لي: هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي، وثقتي في المحيا، وثقتي في الممات، فما قاله لكم فعني يقوله، وما أدى إليكم فعني يؤديه..).

لقد ابتدأت سفارته في اليوم الثامن من ربيع الأول عام 260هـ وتوفي (رضي الله عنه) في حدود سنة 275هـ، ودفن في داره الواقعة مما يلي سوق الميدان خلف دائرة البريد وقد جددت عمارته في هذه السنة شيعة بغداد، على ما ذكره الأصفهاني في (أحسن الوديعة).

مرقده في بغداد بجانب الرصافة قرب نهر دجلة في سوق الميدان قبلة المسجد المعروف قديماً بمسجد الدرب، ويظهر أن أول من جعل عليه صندوقاً الرئيس أبي منصور محمد بن المفرج ويظهر من كتاب الغيبة للشيخ الطوسي أن ذلك كان ما بين عامي 408ـ430هـ.

قال الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ : (قال أبو نصر هبة الله بن محمد: وقبر عثمان بن سعيد في الجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان في أول الموضع المعروف في الدرب بدرب جبلة في مسجد الدرب، والقبر في نفس قبلة المسجد).

وما ذكره الشيخ الطوسي من أن مرقده غرب بغداد فمقصوده هو الغرب في الجهة الشرقية، لأن الجانب الشرقي في بغداد أيضاً جانبين، الجانب الغربي منه وهو حوالي شارع الميدان، ويعبر عنه اليوم بباب المعظم، والجانب الشرقي ويعبر عنه اليوم بباب الشيخ وبباب (الشرجي).

وقد شيدت على قبره قبة لم يتم بناؤها بعد، كما يحيط به مسجد متواضع في بنائه وأثاثه ومساحته، وهو الذي أشار إليه الشيخ الطوسي: (وقبره في قبلة المسجد).

وقد أهمل المرقد إهمالا تاماً من قبل وزارة الأوقاف العراقية في عهد النظام المباد.

نعم هناك لوحة في داخل المسجد مكتوب عليها (زيارة عثمان بن سعيد العَمْري)، كما يظهر في الصورة، وهذه الزيارة قد ذكرها الشيخ الطوسي في (التهذيب) والسيد ابن طاووس ومصباح الزائر مسنداً إلى أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله).

وهي لا تختص بعثمان بن سعيد بل تشمل السفراء الأربعة، وصفتها بعد السلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وخديجة الكبرى وفاطمة ثم الأئمة واحداً بعد واحد، ثم السلام عليه باسمه واسم أبيه، ثم يقول:

(أشهد أنك باب المولى، أديت عنه، وأديت إليه، ما خالفته ولا خالفت عليه، قمت خاصاً، وانصرفت سابقاً، جئتك عارفاً بالحق الذي أنت عليه، وإنك ما خنت في تأدية السفارة، سلام عليك من باب ما أوسعه، ومن سفير ما آمنك، ومن ثقة ما أمليك، أشهد ان الله اختصك بنوره حتى عاينت الشخص، وأديت عنه، وأديت إليه، ثم السلام على رسول الله والأئمة من بعده، جئتك مخلصاً بتوحيد الله، وموالاة أوليائه، والبراءة من أعدائهم، ومن الذين خالفوك يا حجة المولى، وبك إليهم توجهي، وبهم إلى الله توسلي). ثم تدع بما أحببت.

السفير الثاني... محمد بن عثمان بن سعيد ؟

هو أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد المعروف بالخلاني، إما بفتح الخاء نسبة إلى بيع الخل، أو بكسرها فتكون مأخوذة من الخِلّة، أي: الصداقة والموادعة. فقد عرف الخلاني بالسماحة والوداعة والخلق العالي ولم يكن يظهر حقداً على أحد.

كانت سفارته بعد وفاة أبيه عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) وكان نائباً عن الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، وكانت مدة نيابته قريباً من خمسين سنة، وتوفي في أواخر جمادى الأولى من سنة 304 أو 305هـ .

وقد وردت تعزيته في وفاة والده من صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف) حيث جاء فيها: (إنا لله وإنا إليه راجعون، تسليماً لأمره، ورضاءً بقضائه. عاش أبوك سعيداً، ومات حميداً، فرحمه الله، وألحقه بأوليائه ومواليه (عليهم السلام).

فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً في ما يقربه الله عز وجل إليهم، نضّر الله وجهه، وأقاله عثرته... أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، ورزيت ورزينا، وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرّه الله في منقلبه.

كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحم عليه...).

قال في مراقد المعارف ج1/278: (مرقده ببغداد جانب الرصافة في الشارع المؤدي إلى باب الكوفة قديماً والآن يقع في محلة الخلاني نسبة إليه وإلى مرقده الطاهر، وهو أحد المراكز الشيعية في بغداد). وفي الهامش قال: (وقد جدد مرقده وجامعه سنة 1349هـ وإن تاريخ بنائه:

مَعْبَـدٌ شَرَّفَـهُ اللهُ بِقَبْـٍر ***خَدَّ فِيهِ نائِبُ المَهْدِي مُحَمّدْ

شَادَهُ زَيْدانُ فِي جِدٍّ وَمالٍ***وَأخُوهُ القاسِمُ الشَّهْمُ المُمَجّدْ

عَمَّراهُ عَمَّرَ الرَّحْمنُ قَصْراً ***لَهُما فِي جَنَّةِ الخُلْدِ مُخَلَّدْ

مُذْ أَتَمّــاهُ بِناءً أرَّخــاهُ: ***(مَعْبَدٌ أُسِّسَ فِي ذِكْرى مُحَمَّدْ)

وفيه مكتبة عامرة أسست 1394هـ باسم (مكتبة الشيخ الخلاني العامّة) تدار من قبل فضيلة السيد محمد الحيدري.

أما اليوم فان مرقد يطل على شارع الجمهوري العام وله حرم مجلل وإلى جنبه جامع عامر بالمصلين، وفيه صحن واسع، ومكتبة عامرة، تحوي العديد من الكتب القيمة وبأعداد ضخمة وتعرف باسم مكتبة الخلاني ـ كما ذكرناه عن كتاب المراقد ـ. ولم نتمكن من الدخول اليها حيث كانت تحت الإعمار.

وقد لاحظنا على أعلى المرقد كتابة بالكاشي القاشاني: (جددت قبة وحرم الشيخ محمد بن سعيد بن عثمان العمري الخلاني... من قبل المتبرع الحاج إبراهيم بن حسن بن وهيب الحمامي عام 1391ـ1971). وقد كتب تحتها أبيات من الشعر.

كما لاحظنا في الجانب الغربي من المرقد باباً مكتوب عليها أبيات من الشعر ولم نتحقق من المكان وما ترمي إليه الابيات، وقد أثبتنا الصورة هنا.

وجامع الخلاني في يومنا يقع في منطقة تجارية مزدحمة، وله جمالية خاصة يلاحظها الرائي من بعيد.

السفير الثالث... الحسين بن روح ؟

هو الحسين بن روح النوبختي، كان (رحمه الله) من أوثق الناس عند العامة والخاصة، وقد عرف عنه القدرة العالية على إدارة أمور الشيعة، وكان مبجلا عندهم.

كانت العامة تعظمه وترى فيه الصدق، والمعروف، ولين الجانب، وعدم المعاندة، وكان يحسن تشخيص مواطن التقية، حتى أُثر عن العامة في ضمن أحاديث لهم أنهم كانوا يحملون على من يرميه بالرفض والعناد، فقد روي أن بواباً كان له على الباب الأول ـ الخارجي ـ قد لعن معاوية وشتمه، فأمر بطرده عن وظيفته التي كان عليها، وبقى البواب مدة يسأل الناس في إرجاعه إلى وظيفته، فلم يرجعه إلى خدمته؛ كل ذلك بسبب التقية التي كان يعيشها (رضي الله عنه).

كانت سفارته غير متوقعة إذ لم يعرفه الشيعة لقلة اتصاله بأبي جعفر محمد بن عثمان، فلم تتوقع أن يكون هو السفير أو النائب، بل كان المتوقع أن يكون السفير هو جعفر بن محمد بن متيل أو أباه، لأنهما كانا من المختصين به، حتى روي أنه كان لا يأكل ـ محمد بن عثمان الخلاني ـ طعاماً إلا ما أُصلح في منزل جعفر بن محمد بن متيل أو أبيه. بل ورد عن جعفر بن محمد أنه قال: (لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه الوفاة كنت جالساً عند رأسه أسأله وأحدثه وأبو القاسم بن روح عند رجليه، فالتفت إلي ثم قال: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، قال: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحولت إلى عند رجليه).

كما روي في وصية الخلاني لوجوه الشيعة أنه قال: (هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر(ع) والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم، وعولوا عليه في مهماتكم، فبذلك أمرت وقد بلغت).

وقد خرجت على يديه عدة تواقيع منها: ما كتب على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل أنفذت من قم يُسأل عنها، هل هي جوابات الفقيه (عليه السلام) أو جوابات محمد بن علي الشلمغاني لأنه حكي أنه قال: هذه المسائل أنا أجبت عنها، فكتب إليهم على ظهر كتابهم:

(بسم الله الرحمن الرحيم قد وقفنا على هذه الرقعة وما تضمنته فجميعه جوابنا، ولا مدخل للمخذول الضال المضل المعروف بالعزاقري لعنه الله في حرف منه).توفي الحسين بن روح النوبختي في شعبان سنة 326هـ فتكون مدة سفارته 21ـ22 سنة.

قال في مراقد المعارف ج1/249: (مرقده ببغداد جانب الرصافة مشهور معروف مشيد عامر، عليه قبة صغيرة، وفوق دكة قبره شباك مجلل، يزدحم عليه الزائرون المتعبدون، إلى جنب قبره جنوباً مسجد صغير تقام فيه الصلاة جماعة من بعض أئمة الشيعة الإمامية).

ويقع اليوم محل قبره في سوق الشورجة، وهي محلة عامرة بالأسواق التجارية يقصدها الناس من جميع مدن العراق. ولم يحظ المرقد بعناية من قبل وزارة الأوقاف في العصر المباد.

وفي كتاب (فلك النجاة): (والحسين بن روح في دار في سوق العطارين في الجانب الشرقي) والذي يظهر أن هذه الدار موجودة إلى الآن وهي واقعة في محل منخفض، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن هذه المحلة كانت سابقاً معروفة بمحلة (النوبختية) وكانت فيها دورهم فبمرور الأيام والأزمنة خربت وصارت على هذه الحالة، ولم يبق سوى الدار المذكورة التي فيها الحسين بن روح.

ومن الجدير بالذكر أن بني نوبخت طائفة جليلة من الإمامية، وأغلبهم كانوا من متكلمي الشيعة وفضلائهم، وكانوا من كبار بيوتات العلم في بغداد.

السفير الرابع ... علي بن محمد السمري؟

هو علي بن محمد السمري، ابتدأت سفارته في شعبان سنة 326هـ وانتهت في النصف من شعبان سنة 329هـ فتكون مدتها ثلاث سنوات وبانتهاء سفارته بدأت الغيبة الكبرى.

ولقد قام بأعباء السفارة أحسن قيام وقد ظهرت منه بعض الكرامات من قبيل إخباره بوفاة الشيخ الصدوق الأول حيث خاطب الشيعة بقوله:

(آجركم الله فيه فقد قبض في هذه الساعة، قالوا: فأثبتنا الساعة واليوم والشهر من سنة 329هـ فما مضى سبعة عشر يوماً حتى ورد الخبر من مدينة قم المقدسة في إيران بوفاة الشيخ القمي ـ الصدوق الأول ـ وأنه قبض في ذلك التاريخ الذي ذكره الشيخ أبو الحسن السمري في بغداد).

وخرج إليه التوقيع الشريف من صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في بيان ابتداء الغيبة الكبرى هذا نصّه:

(بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك. فإنك ميت، ما بينك وبين ستة أيام، فأجمع أمرك، ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيبة التامّة فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفترٍ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

قال من حضر ساعة قراءة هذا التوقيع: حضرنا عنده في اليوم السادس وهو يجود بنفسه فقيل له: من وصيك بعدك؟ فقال: (لله أمر هو بالغه).

وتوفي (رضي الله عنه وأرضاه) في اليوم الذي عيّنه صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وهو اليوم السادس من صدور بيان ابتداء الغيبة الكبرى.

وبهذا تكون مدة الغيبة الصغرى التي بدأت في الثامن من شهر ربيع الأول سنة 260هـ وانتهت في النصف من شهر شعبان سنة 329هـ تسعاً وستين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام.

يقع في بغداد وفي (مراقد المعارف): (مرقده ببغداد جانب الرصافة في سوق الهرج القديم قرب المستنصرية في الضفة اليسرى من نهر دجلة، يقع قبره في حجرة بين السوق وبين المسجد المعروف بمسجد القبلانية وهو اليوم عامر عليه قبة يزوره المسلمون خصوصاً وفود الشيعة الإمامية، فهو يعتبر من المراكز الشيعية في بغداد.

وقبره صغير، ولم يفتح للزائرين منذ مدة طويلة، وعلى جدرانه آثار التبرك من الزائرين، ولم نحصل على تاريخ العمارة الأولى على قبره.

لا شك أن الظهور لا يتوقف على امتلاء الأرض ظلماً وجوراً كما يظن بعض الناس انطلاقاً من النصوص التي تفيد بأن الإمام (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجورا)، وبالتالي فإنهم يعتقدون بأن تطور الظلم والجور في حياتنا السياسية والاقتصادية والعسكرية والإدارية والقضائية.. شرط وعامل مؤثر في الظهور وتعجيل الفرج، حتى إذا امتلأت الأرض ظلماً وجوراً ظهر الإمام (عليه السلام) وأعلن ثورته ضد الظالمين وفرج عن المقهورين والمعذبين والمظلومين.

ومن الواضح أن هذا الاعتقاد إن لم يؤدِ إلى المساهمة في توسيع رقعة الفساد والظلم والجور في الأرض، فهو يؤدي في الحد الأدنى إلى عدم مكافحة الظلم والجور والخضوع للأمر الواقع الفاسد، لأن العمل خلاف ذلك يؤدي إلى إطالة زمن الغيبة وتأخير الفرج.

ولا شك في أن ذلك مخالف لمفاهيم القرآن الذي يدعو إلى رفض الظلم وعدم الركون إلى الظالمين، (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار). كما إن ذلك يعني تعطيل أهم فرائض الإسلام وأحكامه وتشريعاته كفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، وهي تكاليف عامة لا تختص بزمان دون زمان أو مكان دون آخر.

على أنه ليس معنى كلمة (أن تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً) الواردة في بعض النصوص، هو أن تنعدم قيم الحق والتوحيد والعدل على وجه الأرض، ولا يبقى موضع يُعبد الله فيه، فهذا الأمر مستحيل على خلاف سنن الله.. وإنما المقصود بهذه الكلمة طغيان سلطان الباطل على الحق في الصراع الدائر بين الحق والباطل.