b4b3b2b1
خماسية الغزو وسلة كروكر بترايوس | المطابخ السياسية... وقبة البرلمان | السلوك اللاعنفي، تكتيك أم استراتيجية؟ | نزعة العنف في الثقافة العراقية المعاصرة | معاوية بن أبي سفيان يقترح المصالحة الوطنية لبناء مرقد العسكريين | الأمة الإسلامية في عصر إمامة الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام) | الإمام علي بن الحسين السجاد رجل السياسة والموقف | الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه ومنهج الرحمة الشاملة | الهروب من الهاويّة | طريق أهل البيت (عليهم السلام) | عوامل تمزيق الأمة الواحدة وأجراس الإنذار الداخلية | كان محمد (صلى الله عليه وآله) |

هل يستوي أجر الصائم تحت السبلت بذي المهفة؟

 

11 رمضان المبارك 1430 - 02/09/2009

(شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)، شهر رمضان الذي يرتقي فيه المؤمن أعلى درجات التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بجناحي الصدق والإخلاص.

شهر رمضان الذي تفتح فيه أبواب الرحمة الواسعة لتنطلق من خلالها الروح الإنسانية المؤمنة في آفاق الأعمال الصالحة دونما عوائق شيطانية وبأجور مضاعفة من الحسنات تسجل في سجل أعمال القائمين بها لـ (يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العالمين).

إن في شهر رمضان دعوة استثنائية نحو المائدة الربانية لكل الراغبين في التزود بالإيمان والتقوى والصبر وجهاد النفس والتواضع، والشعور الإنساني الجميل الذي يلامس اوجاع الفقراء والمعدمين، والذين اختارهم الجوع والحاجة المؤلمة ندماء ورفاق مدى الحياة وقد أنس وتعلق بهم آنس الطفل الرضيع بثدي أمه، يتذوق صراخ آلامهم وأوجاعهم بلانقطاع، ويطرب لتأوهاتهم بلا وخزة ضمير حتى باتوا يتذوقونه في جرعة الماء، ولقمة الخبز، في الشهيق والزفير يجرحهم، يمتزج مع الدمعة الحارة الساقطة من بين الأحداق في لحظات الحزن والفرح، ويسري في أوصالهم ليشعرهم بوجوده الثقيل في لحظات الصمت الكيئبة والصبر المر والتأمل الموجع.

كما أن في شهر رمضان دعوة إلهية أخرى لكل المتربعين على كراسي الجاه والسلطة والثروة لفك الارتباط المضني بينهم وبين ما في أيدهم من قيود حديدية أوجدها ثلاثي الحياة الزائلة (الجاه والمال والسلطة)، والنزول عن عروشهم المتهالكة والتخلي عن حقوقهم لأمهم الأرض التي خلقوا منها، وليسيروا فوقها بهدوء وسكينة، وخضوع وخطى عقلانية صافية حتى لا يطأوا من اضطره الجوع والفاقة إلى معانقة الأرض وافتراش صدرها الحنون منذ الولادة وفيهم الشيخ الكبير، والطفل الصغير والمرأة المسنة والرضيع الذي لم يرى جسده الطري يحمل من رحم أمه ألم شهور الحياة الأولى فيفتح بالتقرب إليهم، وتخفيف بعض آلامهم باباً من أبواب الرحمة الإلهية فيوم تقوم الساعة ففي حلالها عتاب وفي حرامها عقاب فقد تعمل دراهم معدودات هي في نظر صاحب المال والجاه والسلطة تافهة لا تؤثر في الرصيد المودع والجيب المليء، ولا تخل بميزان الجاه والسلطة لا يميناً ولا شمالاً ولا في تعاملات السوق الظاهرة والخفية، ولن تخدش مرآة الجاه أو تؤثر في جمال الصحة الريان أو تهبط بمستوى الرجولة والذكورة أو أن تطفئ من وهج إحمرار الخدين لكنها تعمل عمل السحر في حياة الفقير فيعانق الفرح قلبه عناق العشاق في اللحظات المسروقة، وتقبل شفتيه الابتسامة بلهفة العطشان إلى الماء البارد، وترقص حدقة العين رقصة النشوان بالبهجة والسرور ويخرج من سجنه ولو مؤقتاً إلى دنيا الأمل الجميل، وهو يتمتم بكلمات الدعاء المخلص لمن أحسن إليه ولأطفاله عند الإفطار ولاسحر والقاء الله عز وجل في الصلاة.

ولن يكون سهلا أن يتخلى المتخمون وأصحاب الكروش المترهلة التي تزاحم الفخذين في قيامها وقعودها، في وقوفها وحركتها، في اهتزازها وتقلبها أو المبذرون عن تبذيرهم في التلذذ بالمواد الفخمة المزدحمة بأنواع اللحوم البرمائية والبرية والمائية النهرية والبرية شواءً وقلياً وسلقاً وأنواع المشروبات والفواكه والحلويات في ساعة مفاخرة من أجل ضيف مصاب بقرحة المعدة أو أن يتواضع صاحب الجاه والسلطة فيتنازل ولو نفاقاً عن غروره وتكبّره خلال شهر رمضان المبارك من أجل أن لا يطول وقوفه بين يدي الله سبحانه وتعالى .

ولا ريب أن وقوف مثل هذه النماذج البشرية بين يدي الله سبحانه وتعالى سيكون طويلاً وعسيراً جداً (وقفوهم انهم مسؤولون) حيث لا شفاعة ولا واسطة ولا صفقات سرية يمكن أن تعقد هناك، والعاقل من اغتنم الفرصة على الأرض فعقد الصفقة المربحة مع الله عز وجل وقد قال تعالى (إلا ادلكم على تجارة لن تبور) فإن الفرص تمر عليكم مر السحاب فاغتنموها.

ولاشك أن أجور الصائمين في هذا الشهر المبارك يختلف من صائم لآخر تبعاً للمعاناة التي يلقاها كل صائم فلا يمكن أن يتساوى فيه أجر الصائم الذي يتقلب بين أحضان هواء المروحة السقفية الحارة، ويتصبب عرقاً حد الإصابة باحتراق الجلد، ويعاني شدة العطش المرهقة في أجواء الصيف الحارة التي تلسع الروح والبدن بعد فترة ظهيرة قاتلة تحت أشعة الشمس في أحد الأسواق المكشوفة أو عند أحد الأرصفة يبيع الخضار مثلاً ثم يفطر على بضع تمرات والشوربة والبطاطا المسلوقة وشرائح الباذنجان المقلية والماء ان يتساوى أجره مع من ينام بعد صلاة الفجر في غرفة أو قاعة مكيفة بأكثر من جهاز تكييف، ويلف نفسه متدثراً ببطانية خوفاً من الإصابة بالانفلونزا أو الاسهال بسبب البرد الشديد ثم لا يستيقظ من نومه إلا قبل ربع ساعة من مدفع الإفطار انطلاقاً من أن نوم الصائم عبادة وأنفاسه تسبيح ثم البدء في رحلة طويلة من الشرب والعلس والمضغ المتواصل حتى السحور متنقلاً بين الموائد مختلفة، بدعوات عاجلة تأتي من هنا وهناك.

والحق في القول أن الأجر على قدر المشقة فلا يمكن أن يستوي أجر الصائم النائم تحت برودة وبخيخ السبلت بذي المهفة، وقد (فضل الله القائمين على القاعدين بأن لهم أجراً عظيماً).