b4b3b2b1
رمزية الأخلاق والدور الرائد لبناء المجتمع | خمس لافتات غير مرئية في أفق الانتخابات العراقية | لكن... شيعة البحرين لا بواكي لهم! | شذرات من حياة أم المصائب زينب سلام الله عليها | العدل واللين والرحمة أركان الحكومة المهدويّة | الإرهاب في العراق مقاومة ام تمرد؟ | علي بن ابي طالب (عليه السلام) بين التكوين والوجود | أبدية خلود الحدث الحسيني | المعاهدة الامريكية العراقية: محاذير ومخاطر | فضل صوم شهر رمضان | مقومات الثورة الحسينية | استعراض عام لأمر الإمامة |

المصُلح المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ...قضية ومعطيات

 

13 شعبان المعظم 1430 - 06/08/2009

الناس ــ عادة ــ يؤمنون بالمألوف بلا محاكمة ، لا لأنهم أستوعبوه وانما لمجرد انهم وجدواه واقعا الى جانبهم او لمجرد انهم وجدوا المجتمع يردده من حولهم..

فالجميع يعترفون بالشمس لانهم وجدوها منذ فتحوا اعينهم للنور ولو لم تكن الشمس في مرمى أنظارهم ووصفت لهم بحجمها الضخم وحركتها الدقيقة السريعة ولهيبها القوي العالي دون أن يأكل من جرمها شيئاً مدى مليارات السنين لما اعترفوا بها ولكنهم حيث وجدوها اعترفوا بها وحاولوا ان يفلسفوا غوامضها في كل جيل حسب الافكار الحاكمة عليه ليجعلوها مطواعة لمرتكزاتهم.

ومن هذا النوع اعترافهم بالإرض والنجوم والاجواء وسائر الظواهر الكونية .

وعملية تكوّن الانسان وتسلسله معترف بها من قبل جميع الناس لأنهم تكونوا بها ويجدون الآخرين يتكونون بها اما لو كان الانسان بدواً من الأرض وكان يقال له : ان نوعا من الحيوان يتكون بتلاقح الدورة المنوية من الذكر بالبويضة من الأنثى وكانت توصف له عملية الانجاب حتى الولادة لكان يعتبرها خبطاً من الخيال كما يصعب عليه الإعتراف بأن عيسى عليه السلام خلق من غير أب ..لا لشيء الا لمجرد انه لم يألف الإ طريقة واحدة في خلق الانسان.

ومن هذا النوع اعترافهم بطريقة خلقة المبيضات وطرائق خلقة الزواحف والهوام والبراغش وسائرالحيوانات والنباتات الترابية والمائية.

فاعترافهم بالظواهر الكونية وطرائق الخلقة في مسلسلات المخلوقات ليس ناتجا من استيعابها وتصديقها وانما هو وليد ضغط الامر الواقع على الذهنية العامة للتسليم له.

والناس جميعا قبل القرن العشرين كانوا يعترفون بمعطيات (هيئة بطليموس) من تراكب السماوات السبع والعرش والكرسي وتراكب الارضين السبع كطبقات البصل ــ حسب تعبيراتهم ــ ومن كون الارض مركز الكون ومن حركة جميع السماوات والكواكب والنجوم الى آخر معطيات فلسفة ارسطو وطب جالينوس وسائر العلوم التي كانت سائدة في تلك الاجيال وما كان يتردد أحد في شيء منها الا ويتهم بالخيانة العظمى متمثلة في الكفر والزندقة والإلحاد ثم يعدم قتلاً بالسيف او جلدا بالسوط او حرقاً بالنار.

ومن هذا النوع كان اعترافهم بالروحانيات والعلوم الغريبة.

وهم ــ جميعاً ــ في هذا القرن يعترفون بجميع معطيات العلوم الحديثة من الفسيولجيا والبيولوجيا والتكنولوجيا وإنتهاءاً بالنسبية العامة والديالكتيك ولايتردد أحد في شيء منها الا ويتهم بالخيانة العظمى ــ متمثلة في السخافة والجمود والرجعية ــ ثم يعدم طرداً عن المجالات الحيوية.

ومن هذا النوع إنكارهم للروحانيات والعلوم الغريبة.

لا لأن أولئك أعترفوا بمعطيات علومهم عن أستعاب وتصديق، ولا لأن هؤلاء يعترفون بمعطيات علومهم عن أستيعاب وتصديق ...وأنما لأن كل واحد من أولئك عندما تفتق فيه الوعي وجد المجتمع من حوله يردد أشياء فرددها معه، كما يكرر عاداته وتقاليده معه ، شأن الطفل الذي يدخل مدرسة فيردد مع زملائه أناشيدهم ويرفع صوته أو يخفضه معهم ربما دون ان يفهم حرفا منها.

ولذلك حارب الناس جميع الانبياء والمصلحين والمجديدن واوائل المكتشفين لا لشيء الإ لأنهم طرحوا افكارا لم يكن يرددها المجتمع فمن استطاع منهم ان ينجوا من الاعدام ويواصل الكفاح حتى يقنع المجمتع بافكاره أصبح عظيما تنحني امامه رؤوس من بادروا الى حربه بلا هوادة ...لا لأن أفكاره كانت مغلوطة في بادئ الامر ثم صححها في أخريات أيامه أنما لأن المجتمع لم يكن يرددها ثم استطاع ان يلقنها للمجتمع.

وبهذه الببغاوية نعاهم القرآن معزياً رسول الله، قائلاً (ذلك مبلغهم من العلم)، وأعذرهم الرسول متجاوبا مع القرآن قائلا (اللهم أهد قومي فانهم لا يعلمون).

الحضارة والتكتلات:

والناس ـ في القرن العشرين ــ تمزقوا بفعل عاملين:

1. عامل الحضارة المادية التي تصاعدت بقوة لتصنيع أكثر مظاهر الحياة حتى بهر وهجها الألباب فافتتن بها قطاع كبير من الناس ظانين أنها القمة النهائية للحياة فجرفتهم الى الإلحاد بكل ما وراء المادة.

2. عامل التكتلات الدينية التي تصاعدت بقوة في تنظيمات رجال الدين وفي تجمعات سياسية حتى كادت تغطي ثلثي المجتمع فتجاوب معها قطاع كبير من البشر قائلين بأن الحضارة المادية لا تعبر الا عن وجه واحد من وجهي الحياة .

هكذت تمزق الناس بفعل هذين العاملين فمن كان قريباً من قواعد الحضارة المادية تمسك بمعطياتها وأعتبر الدين مرحلة تجاوزها الانسان ومن كان قريبا من قواعد التكتلات الدينية تمسك بمعطيات واعتبر المادية وسيلة لتجاوز الحياة اما الاكثرية الساحقة من الناس فأخذوا بمعطيات الحضارة المادية لتنعيم الحياة وتسهيلها متسترين بغطاء رقيق من الايمان بمجمل الاديان من الاعتراف بوجود الله وصحة كتبه وصدق رسله في التبشير بالحياة الآخرة واما التفاصيل والفروع فلا يجدون ما يلزمهم بها وربما لا يجدون من يقنعهم وقد لا يجدون وازعا داخليا يدفعهم الى الاهتمام بها واهمال مباهج الحياة ومشاكلها فيفضلون الاكتفاء من الدين بتزويد ما يردده المجتمع وأكثر المجتمع واكثر المجتمعات لا يردد من الدين الا معطياته المتجاوبة مع المفاهيم المألوفه في الذهنية العامة .

واذا عرفنا اان الذهنية العامة تؤمن بالمالوف بلا محاكمة وترفض غير المألوف بلا مناقشة عرفنا لماذا يكون ايمان الناس غالبا غطاء رقيقا يتسترون به.

من هنا نعرف السبب في تهرب الناس عادة من الخوض في الحوار حول القضايا الفكرية من الاديان وفي اتهامها بانها قضايا ميتافيزيقية او بانها قضايا ايمانية مجردة لا جدوى منها وفي المحاولة انكار مردودها مهما كان مردودها في حياتهم الفردية والاجتماعية.

ومن هذه القضايا :

1. قضية الروح وتطوراته.

2. قضية الروحانيات غير المحسوسة كالملائكة والجن والشيطان .

3. قضية المعجزات وكيفية صدورها.

4. قضية حكومة الانسان في سائر المخلوقات.

5. قضية المصلح المنتظر التي تعتبر معادلة الخير والشر.

وهذه قضايا طرحتها الاديان ولها نتائجها الايجابية الكبيرةز

قضية المصلح المنتظر:

ولسنا في هذه المحاولة الا مام القضية الاخيرة وهي قضية المصلح المنتظر (عج) التي تعبر عن أحدى المعادلات الثابتة لانها تتعلق باحدى الغرائز المتأصلة في البشر.

فالبشر بمقتضى تركيبته الخاصة لا يستقيم على طريقة بغض النظر عن هوية الطريقة فلا يبقى على الحق ولا يدوم على الباطل ولا يواصل الخير ولا يستمر على الشر ويكره الديمومة على شيء مهما كانت حقيقة ذلك الشيء وإنما يفضل التأرجح بين الأضداد ، فالشجرة تدأب في منهجها إبتداء من إنطلاقها من النواة حتى نهايتها بلا تمزق بين المناهج والجيل يواصل برنامجه منذ نشوئه حتى انتهاء عمره الطبيعي بلا تبعثر بين البرامج، والنجمة تنفذ خطتها من ميلادها حتى وفاتها بدون أدنى إنزلاق، والنحلة تؤدي كل واجباتها حتى تسقط ضحية في مسيرة الواجب بلا تردد، ولكنه الانسان الذي يستطيع توظيب حياته في خط (فَقالَ لَها وَلِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) .

ولعل غريزة التأرجح بين الاضداد ــ أو غريزة التطور ــ وكّلت بالإنسان لتقليبه في المعادلات المختلفة ، حتى تكشف كل مخابئه وتنمي كل ما في أعماقه من نوايا وركائز، فتحقق بذلك هدفا من اهدافا الحياة ، وهو تجربة الانسان (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً).

فاستجابة لهذه الغريزة نجد الانسان دائم الاندفاع بين اقطاب الاغراء الكثيرة المتنوعة ، فهو يحب الشيء ويتدفق نحوه بلهفة حتى اذا تشبع منه اعرض عنه واتجه نحو ضده بشدة.

مثلا: انه يحب السفر ، فيواصله حتى يجوب الاقطار التي كان يفكر فيها ، ثم يخلد الى مدينته فلا يخرج منها مدى سنوات ، ثم يبدء من جديد رحلات واسعة .

مثلاً: قد ترى انسان محافظا لا تذكر له هفوات ، ثم تجده ينفلت بعشوائية ، وبعد حين يعاود سيرته الاولى.

مثلا: قد يظهر جيلا محارب يتتبع الخلافات البسيطة ، فيتمسك بها لإشعال الفتن والحروب يعقبه جيلا مسالم يتنازل عن أغلى مالديه هروبا من المواجهة المسلحة.

مثلا: قد يُقبل الناس على الادب أو المسرح او الرسم حتى يقدمونه على الخبز والماء ، ثم يعرضون عنه حتى يفلس تجاره.

وهكذا الدين، قد يظهر نبي أو إمام يحرك فطرة الناس في اتجاه الدين فيتهافتون على جوامعه ومجماعه باندفاع مخيف، ثم تتوتر الفطرة فيهم فيتجاهلون كل شيء منه بحيث يتحير دعاته ، ويتساقطون تحت تيار الالحاد ، ولا يأخذ التيار مداه حتى يبدأ بالإنحسار ، ويثوب الناس الى رشدهم في إتجاه الدين من جديد، وكأنه يطرح عليهم أول مرة ، ولم يطرح عليهم لأول مرة وأنما هي دورة البشر الذي لا يطيق السير على خط واحد .

ولهذا كلما ظهر نبي أو إمام وأستطاع ان يعلي كلمة الدين ــ عرف أن ثورته تستهلك بعده، وانه خلفائه يعانون الثورة المعاكسة ــ فيبشرهم بان الردة لن تكون القاضية ، وان المطاف الأخير سيكون لدينه وان الله سيُظهر من يجدده ، ويقود الناس الى الصراط المستقيم.

فما من نبي الإ وبشر بمصلح عالي الصوت ، شديد الوطئ ، يحرك التيار وأمر الناس عبر الخريف ، وانتظار ذلك المصلح والإلتفاف حوله إذا أدركوه .

لقد بشر نوح بابراهيم، وبشر ابراهيم بموسى ، وبشر موسى بعيسى، وبشر عيسى بمحمد، وبشر محمد بظهور المهدي وزول المسيح ، عليهم الصلاة والسلام .

فما ظهر دين الإ وطرح فكرة المصلح المنتظر ، والديانات الحية اليوم كلها تتهيأ لمصلح منتظر وان اختلفت الاسماء فاليهودية تبشر بالمسيح، والمسيحية تبشر بأحمد، والإسلام يبشر بالمهدي .

معطيات الفكرة:

واذا اغمظنا النظر عن الاسماء ، نجد ان فكرة المصلح المنتظر تعني:

1. واقعية الاديان في استيعاب المستقبل ، وفي استيعاب دورة البشر في الاتجاه نحو الدين والانحراف عنه وفي الاخبار عن هذه الدورة.

2. تطميت المبشرين بان لهم المطاف الاخير ، حتى لا ييأسوا مهما ارتفعت درجة معاناتهم ، ومهما استبدت الثورة المعاكسة بالاجواء .

3. تيئيس العاملين ضد الدين وضد المبشرين به، من نجاحهم في العمل ضد الدين ، فاذا استطاعوا ان يهرجوا يوما او اياما، فلا يعني ذلك انهم اضحوا سادة الموقف، فالدين هو الخط الصحي العام ، والانفلات فوضى لن تدوم.

4. تهيئة المؤمنين لاستقبال المصلح المنتظر ، حتى يظلوا متأهبين له وتأهبهم له يساوي ابقائهم موفوري القوى، وهذا يخدمهم قبل ان يخدم المصلح المنتظر، لانهم لا يؤخذون على حين غرة من قبل اعدائهم، ولا يجمدهم الخمول ، فهم ــ دائما ــ تحت الانذار ، يراقبون الاجواء بلهفة وحذر.

5. تمهيد الارضية الصالحة للمصلح المنتظر ، حتى اذا انتفض لا يجد نفسه غريبا يبني ابتداء من الحجر الاساس ، وانما يجد نفسه يرفع البناء على اساس من سبقه ، وهكذا كان ، فلن يبعث نبي الا وجد من ينتظره ، ويسعى اليه من اقاصي الدنيا بهيام عميق ، وهذه الظاهرة مما اوفدت اخوة الانبياء ، فكل واحد منهم مبشراً به من قبل السابقين عليه، فيصدق السابقين عليه ويبشر اللاحقين به، ويقوم بدور الحلقة الواحدة في المسلسل البعيد الطرفين وليس الامام المهدي المنتظر الا حلقة في هذا المسلسل من المبشرين بهم والمبشرين بغيرهم.

ظاهرتان اليأس والتشكيك

وهناكل ظاهرتان تكتنفان المؤمنين الذين يعيشون في الفترة بين الأنبياء والأئمة:

الأولى: ظاهرة اليأس كلما طالت الفترة، ولم يظهر المصلح الموعود به، وربما كانت الفترة تَسَعْ عدة قرون وتستهلك بضعة أجيال، فكان الناس يشككون في الأحاديث المبشرة به، وخاصة في الفترات السابقة التي لم يكونوا يمتلكون وسيلة لنقل الحديث سوى ذاكرة الرواة.

الثانية: ظاهرة التشكيك في مقدرة المصلح الموعود به على تغيير الأجواء، لأنهم كانوا يرون التقدم المادي للبشر، وكانوا يظنون أن النبي اللاحق سوف يستخدم الوسائل التي اتبعها النبي السابق، فكانوا يجدون تلك الوسائل غير مجدية، فيعتريهم الشك في قدرته على إنقاذ الناس من براثن السلطات الغاشمة المزودة بالأسلحة الجديدة.

دور إبراهيم الخليل (عليه السلام)

فمثلاً: في عهد إبراهيم الخليل (عليه السلام) لم يكن للملوك جيش نظامي، ففي أيام السلم حتى خدم الملك مزودون بالسلاح ويؤدون دور الحرس، والشرطة، وفي أيام الحرب يدعى الناس إلى النفير، فينفردون بأسلحتهم، ولذلك جند إبراهيم الخليل (عليه السلام) جيشاً من المؤمنين به،وقاتل في الشام، وانتظر.

دور موسى (عليه السلام):

فلما ظهر الفراعنة في مصر تطور الأمر من ناحيتين:

الأولى: أن الفراعنة حاولوا تأسيس امبراطورية واسعة - في ظل دعوى الربوبية - فأسسوا جيشاً نظامياً، ووجهوا فصائله إلى الأقطار المجاورة، من أجل إخضاعها لحكم الفراعنة.

الثانية: ظهر في أيامهم السحر، وتقدم بسرعة مذهلة، فكان الملك الفرعوني يحكم بسلطتين: سلطة جيش نظامي جرار، وسلطة سحرة أشداء، والمؤمنون الذين كانوا ينتظرون ظهور موسى بن عمران، كانوا يظنون أن موسى بن عمرام - حينما يظهر - يستخدم الأساليب والوسائل التي استخدامها إبراهيم الخليل (عليه السلام) فكانوا يشكون في انتصاره على الفراعنة، وما كانوا يعلمون أن موسى بن عمران (عليه السلام) يظهر بتسع آيات بينات يتضاءل أمامها السحر والسحرة، وبقوة عصاه التي تلقف ما يأفكون، وبقوة البحر الذين يبتلع فرعون وجنوده، ما كانوا يعلمون ذلك، فكان من الطبيعي أن يشكّوا في انتصار موسى بن عمران على الفراعنة.

فلما جاء موسى بن عمران بتلك الوسائل عرف الناس أن أنبياء الله قد يأتون بمثلها.

وقضى موسى بن عمران على أسطورة السحر الذي لا يقهر، والجيش الذي لا ينهزم، والملك الذي لا تطاله قوة حتى يقول: أنا ربكم الأعلى.

دور عيسى عليه السلام:

ومثلاً: تطور الامر بعد موسى بن عمران فظهر في الناس فراعنة من نوع جديد لا يقهرون اجسام الناس بالسحر والجنود وانما يقهرون عقول الناس بالعلم وليس بأي علم وانما بعلم انساني يحتاج اليه جميع الناس ، ظهروا بعلم الطب وبالاخبار عن الغيبيات وتقدموا فيهما حتى كان احدهم يحي الميت اذا عرض عليه قبل ان يبرد جسمه ويفحص المريض بمجرد القاء نظرة على وجهة ويخبر عما أكله المريض أو فعله.

فظهر عيسى بن مريم عليه السلام بالعلم المتفوق فقال أنا أبرئ الأكمه والأبرص وسائر المصابين بالامراض المستعصية لا بالدواء وانما بمجرد مسحة يد واحيي لا الميت الجديد الذي لم يبرد جسمه بعد فقط وانما أحي كل الاموات حتى الميت الرميم (وأني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بأذن الله)..وهذا ما لا يدعيه طبيب واني اخبركم لا بما أكله المريض او فعله فأصيب فحسب وانما اخبركم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم فهزم فراعنة العلم بسلاحهم.

دور رسول الاسلام صلى الله عليه وآله:

ومثلاً تغير الامر بعد عيسى بن مريم وخاصة في جزيرة العرب حيث البشائر تمتد نحوها قاعدة للنبي الذي يظهر بالسيف فبرزت في الجزيرة ظاهرتان:

الاولى: ظاهرة البلاغة الفائقة التي تجعل من الكلمات اليومية البخسة والعواصف الرخيصة عالما حيا زاخرا بالحكمة والصور والالوان انااناا اليوم لانستطيع ان نستوعب عظمة المعلقات السبع ونحن مبهورون بوهج القران وما انبثق عنه من كلام النبي وآله عليهم السلامى ولكنم تجربة عابرة للمقارنة بين المعلقات السبع وبين اي كلام سبقه تكفي للدلالة على ما كان لها من بريق مخيف.

الثانية: ظاهرة الفوضى المسلحة التي تجعل اي انسان مهما تعالى مهددا بالتصفية الجسدية من قبل اي انسان اخر مهما تداني وفي كل اللحظات وفي جميع الحالات وهذه الظاهرة تجعل كل من يفكر في الحق والعدل والانصاف وسائر المثل والقيم الرفيعة يعتبر هروبه من مثل هذه الجزيرة الساخنة اكبر انتصاراته في الحياة لاخوفا على حياته ان تهدر بلا مبرر فقط وانما خوفا ان يورط في معركة تافهة تجرده من كل معنوياتهوقيمة بلا بدل فكيف بنبي يكون رمز السماء على الارض ويريد ان يقود النصف المتقدم من البشر في مسيرة الفضيلة والكمال الى الانسانية العليا؟

والمؤمنون الذين كانوا يقتاتون انتظاره ويعرفون الوسائل التي استخدمها كل من ابراهيم الخليل وموسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما السلام، كانوا يظنون ان النبي الجديد يظهر بما يشابه تلك الوسائل فكانوا يرون انها متفرقة او مجتمعة لاتجدي شيئا في مجتمع البلاغة والفوضى فيشكون في انتصار النبي الجديد.

فأظهر الله نبيه الكريم وبقرآن يعلو ولا يعلى عليه فلم تنزل سورة (فاتحة الكتاب) حتى عمد اساطين البلاغة الى نزع المعلقات السبع من جدران الكعبة ليلاً حتى لا يعابوا بها وبسيف لم يشارك في الاعتداء وانما قضى على الاعتداء فلم يضرب به احداً الا دخل النار وعابه الناس فأستأصله أوبة الفوضى وأبرء الجزيرة من جنونها ولم يبلغ عدد ضحاياه سبعامئة شخص في جميع حروبه وغزواته وسراياه فاستطاع ذلك السيف ذاته وبتلك الدماء ذاتها ان يكتبوا على لوحة الجزيرة لافتة تشخص ابصار كل من حمل السلاح الى الابد (ان من قتل نفس بغير نفس او فسادِ في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا)، (ومن يقتل مؤمن متعمد فجزاءه جهنهم خالد فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاب عظيما).