b4b3b2b1
رجال في ضمير الامة سماحة آية الله الراحل السيد محمد رضا الشيرازي (طاب ثراه) | الصحافة وجهة مختلفة!! | طريق أهل البيت (عليهم السلام) | علي بن ابي طالب (عليه السلام) بين التكوين والوجود | المصُلح المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ...قضية ومعطيات | تجديد الخطاب الديني | الصحوة الإسلامية وضرورات إدامة النهوض بواقع الأمة | القرآن.. كتابُ الحياة الأوّل | مبعوث الحسين الأول ... الشهيد مسلم بن عقيل | المعاهدة الامريكية العراقية: محاذير ومخاطر | حرائق الفساد الإداري.. قد تمطر في أي مكان! | السيرة العطرة للمفكر الإسلامي الكبير الشهيد الشيرازي |

الإمام الشافعي وقصيدة تأوه قلبي (للحسين عليه السلام)

 

29 رجب 1430 - 24/07/2009

لقد نظم العديد من الشعراء قصائدهم في حق ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بمختلف مستوياتهم وتباين شخصياتهم وتفاوت شهرتهم الاجتماعية ويعد الشافعي أحد الذين اجادوا نظم الشعر وبلغ به ما يحب ان يفصح عنه في مكامن ضميره فقال في الامام السبط الشهيد كما قال في عموم أئمة أهل البيت عليهم السلام العديد من المقاطع الشعرية ذات المواضيع المختلفة وفي أزمنة متفرقة.

الشافعي القرشي النسب هو محمد بن أدريس بن العباس بن عثمان بن شافع أبن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي.

في الحديث عن الشافعي شاعرا يمكن ملاحظة خصوصيته التي يمتاز بها عن باقي علماء المذاهب الأربعة أو الأئمة الأربعة بالذات بسبب فصاحته وضلوعه في علوم العربية ونظمه الشعر العرابي الممتع في النصائح والحكم.

يقول أحمد بن حنبل: إن مالك بن انس كانت تعجبه قرائته (أي الشافعي) لأنه كان فصيحا.

ويمتاز الشافعي أيضا بصراحته وجرأته ونقده الشديد فهو ناقد إجتماعي تربوي تجاه السلوكيات المنحرفة ثم يسع نقد ليشمل الظواهر الاجتماعية الدينية ويشن عليها هجوما قويا مثل ااستنكاره استعمال كلمة (روافض) أو (رافضي) التي اريد بها الانتقاص من بعض المسلمين والاساءة اليهم والتعريض بهم فهو يحارب هذا الاصطلاح بكل قوة ومن استعمال المفردات والمصطلحات ثم يعلن صراحته الواضحة من حبه لأهل البيت عليهم السلام يقول الشافعي:

قالوا ترفضت قلت كلا ** ما الرفض ديني واعتقادي

لكن توليت دون شك** خير امام وخير وخير هادي

ان كان حب الوصي رفضا ** فأنني أرفضُ العُبّاد

ثم يقول مؤكداً حبه لأهل البيت عليهم السلام في قصيدته التي نظمها حول فاجعة الطف في كربلاء فيقول:

لئن كان ذنبي حب آل محمد**فذلك ذنب لسن عنه أتوب

ويقول في مقطع آخر ناسباً نفسه الى ما يتنصل منه الآخرون من أبناء بيئته ومحيطه الاجتماعي:

إن كان رفضاً حب آل محمد** فليشهد الثقلان إني رافضي

وقد روى السبكي في طبقاته البيت المتقدم بسنده المتصل الى الربيع بن سلمان المرادي وهو صاحب الامام الشافعي، قال : خرجنا مع الشافعي من مكة نريد منى فلم ينزل واديا ويصعد شعبا الى وهو يقول:

يا راكباً قف بالمحصب من منى** وأهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج الى منى** فيضا كملتطم الفرات الفائض

ان كان رفضا حب آل محمد** فليشهد الثقلان اني رافضي

ان الامام الشافعي في هذه المقطوعة فحسب يطالب جميع الحجاج الى ان يهتفوا بذلك ويعلنوه فهو أمر يستحق الافصاح عنه واذاعته خلال افاضتهم الى منى بتلك الافواج الحاشدة الهادرة والمتلاطمة تلاطم امواج الفرات في فيضانه.

ونتيجة لحالة الإنحراف السائدة في المفاهيم والمبادئ جراء السياسيات الظالمة وجهل العوام فقد تعددت أساليب طمس الحقائق الخاصة بأهل البيت عليهم السلام واخفاء فضائلهم حتى ان اقواما كثيرون جدا يغضبون غضبا شديدا بمجرد سماعهم من يذكر فضيلة من فضائل الامامين الحسن والحسين عليهما السلام والامام علي عليه السلام وبضعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.

وقد قيل للشافعي يوما ان احدا اذا ما ذكر فضائلهم يقولون عنه ان رافضي فاستنكر ذلك متبرئا منهم ولعنهم وأنشأ يقول:

إذا في مجلس ذكروا عليا ** وسبطيه وفاطمة الزكية

فاجرى بعضهم ذكرى سواهم** فأيقن أنه لسلقلقية

اذا ذكروا عليا او دينه ** تشاغل بالرايات الدنية

وقال تجاوزوا ياقوم عنه**فهذا من حديث الرافضة

برأت الى المهيمن من أناس**يرون الرفض حب الفاطمية

على آل الرسول صلاة ربي**ولعنته لتلك الجاهلية

ويرى الشافعي في تلك المواقف عودة الجاهلية ذاتها ولكن بصورة جديدة حيث تطمس فضائل أبناء الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، وتقتل ذريته الطاهرة وتشرد في كل بقاع الأرض وما يدمي قلب الامام الشافعي ويدعوه الى التعجب والإرتياب ان ما يجري الى ابناء النبي وأهل بيته (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، ينسب الى رسول الله صلى الله عليه وآله ويقع بأسمه كواحدة من أساليب التغطية على الجرائم.

فيقول متعجباً:

يُصلى على المبعوث من آل هاشم**ويغزى بنوه إن ذا لعجيب

ويلاحظ ان الاستنكار لدى الشافعي يصل ذروته في الابيات التي قالها حول شهادة الامام الحسين عليه السلام:

تأوه قلبي والفؤاد كئيب ** وأرق نومي فالسهاد عجيب

ومما نفى نومي وشيب لومتي** تصاريف ايام لهن خطوب

فمن مبلغ عني الحسين رسالة **وان كرهتها انفس وقلوب

ذبيح بلا جرم كأن قميصه**صبيغ بماء الارجوان خضيب

فللسيف إعوال وللرمح رنة**وللخيل من بعد النصهيل نحيب

تزلزلت الدنيا على آل محمد **وكادت لهم صمم الجبال تذوب

وغارت نجومواقشعرت كواكب**وهتك استار وشق جيوب

يصلى على المبعوث من آل هاشم** ويغزى بنوه إن ذا لعجيب

لئن كان ذنبي حب آل محمد** فذلك ذنب لست عنه أتوب

هم شفعائي يوم حشري وموقفي** اذا مابدت للناظرين خطوب

يمتاز هذا الشعر عن بقية ما نظمه الشافعي من أشعار بمجموعة بعدة جوانب منها:

أولاً: تجلي حالة الجزع والشجون بصورة واضحة قلما نجد نظيراً لها في باقي منظومات الشافعي حيث يمكن لمس حرارة اللوعة والأسى وهي مشتعلة في قلبه لمصاب الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

ثانياً: ان جل ما نظمه الشافعي من اشعار متفرقة الاغراض كانت لاتتعدى البتين أو الثلاث عدا قصيدته هذه في حق سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام حيث يستغرق كثيرا في ابداء مشاعره واحاسيسه تجاه واقعة الطف في عاشوراء.

ثالثاً: ان الشافعي لم يهتم كثيرا بالاحداث التاريخية على الرغم من تنوع الاحداث التي وقعت طوال قرنين من الزمن فهو ابن القرن الثاني الهجري الذي لم يكن بعيدا عنه باستثناء واقعة الطف في كربلاء.

رابعا: ليس في شعر الشافعي قصيدة بهذا الطول كرس فيها اهتمامه لشخص معين على الرغم من وجود الشخصيات الكثير ذات الشهرة الواسعة شخصيات متباينة الجدارة والكفاءة في الحياة الرسالية باستثناء شخصية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته التي كرر فيها الشاعر أنشودته بشكل متميز فالشخصية الوحيدة التي قال فيها الشافعي قصيدته خاصة ومستقلة هي شخصية الامام الحسين (عليه السلام).

خامساً: عند قراءة أشعار الشافعي لا يظهر في ماقاله او كتبه ما يتعبد به لله تبارك وتعالى اكثر ظهورا مما انشده بحق الامام الحسين (عليه السلام) واهل البيت (عليهم السلام) باستثناء ابيات ذكره الخاص لله عزوجل والتزلف اليه وتوحيده ،فهو حينما ينظم شعرا عن الإمام الحسين (عليه السلام) يمكن تلمس دافعه التعبدي بشكل واضح جدا , وليس بدافع الفن الأدبي ,إنه يقول بإصرار تعبدي في حبه لآل محمد (صلى الله عليه وآله), ويؤكد بشكل عميق أنهم اصحاب الشفاعة يوم لا يستغنى عنها من يتغابى عن تناولها بواسطة اعماله بدار الدنيا.

ويرى الشافعي ايضا وجوب الإعتقاد بآل البيت وحبهم والتعلق بمودتهم اذ يرى فيهم ما يراه في بقية اصول الدين من الأهمية كتوحيد الله سبحانه وتعالى والعدل الإلهي, وهكذا يجب الإعتقاد والتدين لأن حبهم دين وإيمان وعقيدة .

يقول الشافعي :

لو فتشوا قلبي لألفوا به **سطرين قد خطا بلا كاتب

العدل والتوحيد في جانب **وحب أهل البيت في جانب

سادسا:لقد تميزت هذه القصيدة عن باقي ما نظمه الشافعي من المطوعات الشعرية اعلانه عن الشجب الشديد للسياسة الحاكمة التي عملت بكل عنجهية الى التصفية الجسدية وبصورة وقحة لم يسبق لها مثيل ضد آل البيت (عليهم السلام) وهو الأمر الذي جعل القصيدة قليلة التداول محدودة التناقل خصوصا وإنها تتناول سيرة العهدين الظالمين على نحو واضح على الرغم من ميل الشافعي الى حياة التحفظ في مواجهة السلطات الحاكمة نتيجة انصرافه للشؤون العلمية بيد انه لم يستطع الا ان يظهر انكاره بصورة علنية ضد عمليات القتل والتشريد والتضييق على آهل البيت بلا تردداو تحفظ فهو كما يراه رزء وقع على الأرض بلغت آثاره عنان السماء ففارت نجوم واقشعرت كواكب وهو ما لم يحدث لأنسن عادي مرتبط بالأرض وحدها.