b4b3b2b1
هل ستصبح ليبيا عراق اوباما؟ | نعم للإرهاب دين | الشيطان السياسي وغباء المثقف | الشهيد السيد حسن الشيرازي وظلم بني جعدة | الحقيقي والوهمي في التاريخ .. المنتظر...ابن سبا | أحداث الجنوب الدامية: إهمال حكومي أم فراغ فكري؟ | بيتُ الأحزان | قيس بن مسهر الأسدي | علي بن ابي طالب (عليه السلام) بين التكوين والوجود | نَظرةُ واقعية لعراق اليوم | الإمام العسكري.. مدرسة الأخلاق والقيم | الامام العسكري عليه السلام شاهد وشهيد |

الإمام الحسين عليه السلام وامتداد حركة الإصلاح السماوي

 

8 محرم 1430 - 05/01/2009

الباحث المتتبع إلى المجتمعات البشرية بكل توجهاتها يجد ان عملية بناء المجتمع المتكامل لا يمكن ان تتم إلا من خلال مجموعة من العمليات الإصلاحية الرامية إلى تصحيح مسار هذه المجتمعات والحركة التكاملية الموجودة داخل اي مجتمع هي حركة ارادية حرة تختلف بمضمونها عن الحركة الحتمية للكون والتي حدد مسارها الله سبحانه وتعالى، ولذلك كان لابد من ايجاد عملية اصلاح مستمرة للمجتمعات التي بطبيعتها قد اكتسبت سمة التغيير الدوري في مختلف الفترات الزمانية والظرفية التي مرت بها وهنا نجد ان ضرورة وحتمية وجود المصلح او المرشد لهذه الانحرافات، لذلك فان الله تعالى لم يخلِ ارضه من حجة على هذه المجتمعات كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (لا يخلوا الارض من قائم بحجة الله اما ظاهر مشهور واما خائف مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيناته). وهي مقاربة عقلية وفكرية لا يمكن الفرار منها كما نصت عليه بقية الأديان فنجد ان الانبياء منذ آدم (عليه السلام) قد اخذوا على عاتقهم حمل رسالة الاصلاح وحسب التسلسل الزمني والتاريخي لكل مرسل وحسب ظروف كل فترة إلى ظهور الاسلام وتولي القيادة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده أمير المؤمنين (عليه السلام) والامام الحسن الزكي (عليه السلام) إلى الامام الحسين (عليه السلام) الذي شكل انطلاقة جديدة للحركة الاصلاحية من خلال دمائه الطاهرة لذلك نجد ان عملية الترابط الفكري والجوهري لمنظومة الثورة الحسينية على امتداد تاريخ الاصلاح الكوني هي التي أسست لعملية التطور الاصلاحي في ما بعد في زمن الائمة الاطهار بعد الامام الحسين (عليه السلام) فقد شكلت هذه الثورة قاعدة جماهرية عريضة حاولت التواصل مع معطيات ونتائج وابعاد الثورة وان الباحث الذي يحاول أن يستعرض حقيقة عملية الاصلاح الحسينية لا يمكن أن ياخذها بمنأى عن عملية الاصلاح الإلهية الكبرى التي بدأها آدم (عليه السلام) وحدد معالمها الدم الحسيني.

وهذا ما حاول الامام الحسين (عليه السلام) ان يبيّنه قبل خروجه من مكة المكرمة حيث نجده يقول: (ما أولهني إلى اسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه) وبذلك استطاع الامام من ربط العمق التاريخي لحركته الاصلاحية بأسلافه ليبين ان حركة الاصلاح لم تبدأ في زمن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم ) فقط وانما هي حركة مستمرة ولها افرازتها المعنوية والواقعية الملموسة في كل حين. وهذا الربط الفلسفي قد تبين من خلال مقولته إلى عبد الله بن عمر عند خروجه من المدينة حيث قال: (يا عبد الله إن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا يُهدى لبغي من بغايا بني إسرائيل. ان رأسي يهدى لبغي من بغايا بني أمية) اذا لا بد من التدقيق في مثل هكذا مواقف وبتأنٍ وروية لمعرفة سمات التقارب بين عمليات الاصلاح التي مرت في زمن بعض الانبياء وبين حركة الحسين (عليه السلام) الاصلاحية فمثلا ان الفترة التي واجهها نبي الله نوح (عليه السلام) ابو الانبياء قد اتسمت في بدايتها بالحركة السلمية والدعوة إلى عبادة الله تعالى دون الوصول إلى مفترق طرق أو حالة احتدام مباشر مع قومه تؤدي بالعملية إلى مراحلها الأخيرة التي وصلت اليها بعد 900سنة من حياة نبي الله نوح (عليه السلام) والتي اضطرت المواجهة النهائية إلى ان تتحول إلى صدام شبه مباشر من خلال دعوة نبي الله نوح على قومه.

والآن أن أوجه الشبه ومعالم التسليم لقضية الامام الحسين عليه السلام قد اتضحت منذ حياة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) حيث اتخذ الإمام مبدأ السلم في الدعوة إلى النهج القويم وهو منهج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ولكن الظروف المحيطة بالإمام الحسن (عليه السلام) لم تمهله المدة الكافية للاستمرار بالمشروع الاصلاحي فقد كان لاستشاهده (عليه السلام) نهاية لدوره في هذه العملية ولإكمال المشروع الإلهي تسلم الامام الحسين (عليه السلام) قيادة هذه الحركة واستمر على المنهج السلمي حتى تربع يزيد على عرش الخلافة ومطالبته بالبيعة, أصبح الان العالم الاسلامي على مفترق من الطرق ولذلك جاءت المواجهة الحتمية من خلال الثورة الحسينية المباركة كحل اخير لمواجهة الانحراف الذي حدث في امة جده فقد اصاب الامة الاسلامية بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) حالة متنامية من حركة التزييف والتحريف مما جعل الامة الاسلامية غير قادرة على التمييز بين الحق والباطل، كذلك فقد الامة الاسلامية لكل ارادة من اجل تغيير واقعها بسبب التخوف الحاصل من قوة المد الأموي لذلك اوجب وجود تيار اصلاحي يقود هذه الامة لبر الأمان تمثل بالتيار العلوي الولائي الممتد للثورة الحسينية.

إذا فقد اتضحت صورة التشابه الحاصلة بين حركة نبي الله نوح وبين الحركة الاصلاحية الحسينية اما بالنسبة لحركة نبي الله ابراهيم (عليه السلام) فنجد ان الاتفاق على المبدأ السلمي للحركة هو ما يميز جميع الحركات الاصلاحية التي مرت بالبشرية، ولكن الفرق في هذه الحركة هي في الظروف التي أحاطت بها في زمن نبي الله نوح (عليه السلام) لم نجد هناك دولة بمعنى الحكومة والمؤسسات الحكومية والقوانين التشريعية ولكن هنا نلاحظ تواجد الملك والمؤسسات والجنود والضرائب والتشكيلات التشريعية الأخرى... اذا لو اردنا الآن معرفة الفرق بين آلية الحوار الاصلاحي المتبعة في زمن نوح (عليه السلام) وبين آلية الحوار في حركة الاصلاح في زمن ابراهيم (عليه السلام) فنحن نتبينه من خلال ان نوح (عليه السلام) لم يدخل في مواجهة حقيقية حتمية من خلال معركة ميدانية او عمل ميداني؛ ولكن نلاحظ ان ابراهيم (عليه السلام) استطاع أن يصل بالحركة الاصلاحية إلى مستوى اخر وهو مستوى المواجهة والتصدي وهذا بسبب تطور المجتمع الذي أصبح مجتمعا مدنيا قائما على قوانين تخص به.

ويمكن تلخيص هذه المواجهة من خلال الآية: (وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) سورة الأنبياء:(57-59) وهذه نقلة حضارية لم تكن موجودة في ذلك الزمن ولكن يمكن لمسها بشده في واقعة الطف والعمل الحسيني كما نجد مصطلحا اخر هو مصطلح الهجرة من اجل المحافظة على الدين؛ فابراهيم (عليه السلام) هو اول من هاجر بدينه كما في الاية: (فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الأَسْفَلِينَ * وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) سورة الصافات: (98-99) وهو باب آخر نجد ان الامام الحسين (عليه السلام) استطاع ان يسخره في خدمة قضيته الاصلاحية.

والآن لابد من وقفة قبل الدخول في مقارنة متقاربة مع الحركة الاصلاحية في زمن النبي موسى (عليه السلام) نلاحظ من خلالها ان جميع الحركات الاصلاحية التي جاءت في السابق كانت تستهدف اصلاح المجتمع ثم من خلال المجتمع يمكن اصلاح الدولة، ولكن هذا ما لم يحدث في زمن موسى (عليه السلام) فهنا تمت العملية بالاتجاه العكسي. فنحن نلاحظ ان الحركة الاصلاحية في زمن نوح (عليه السلام) كانت تهدف لوضع اسس مجتمع مدني ديني جديد بما انه لم تكن هناك أية دولة أو حكومة، اما في زمن إبراهيم (عليه السلام) فقد أصبحت هناك دولة وتشريعات وملك ولكن مع هذا كانت العملية الاصلاحية لابراهيم (عليه السلام) تهدف إلى تغيير معالم مجتمع قائم، ومن خلاله ستتم عملية الاصلاح بتغيير الدول او الحكم وهذا ما لا نلاحظه في زمن موسى (عليه السلام) فنجد ان عملية الاصلاح ابتدأت من خلال اصلاح الدولة او الحاكم والذي من خلاله ستتم عملية اصلاح المجتمع فابراهيم ارسل إلى قومه بينما ارسل موسى إلى فرعون وبطريقة مباشرة كما في الآية الكريمة: (إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) سورة النازعات: (16-17) وهذه عملية تغيير للمجتمع من خلال تغيير سياسي بسبب الاختلاف الظرفي الملاحظ؛ فموسى (عليه السلام) قد حاول الاصلاح في مجتمع مدني علماني بالأساس أي ان المجتمع المدني محقق؛ ولكن التغيير هنا يصب في صالح تأسيس مجتمع مدني ديني تسوده الشريعة الإلهية اي ان تكون الدولة دينية سياسية تتبع الحكم الإلهي وليس مجرد مجتمع يسوده التدين دون التقيد بالشرائع الإلهية في الحكم وهذا ما تبين من خلال كتاب موسى التوراة، فقد رسم دستورا واضح المعالم لهذه الدولة كما تشير اليه الاية الكريمة: (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) سورة الأعراف: (145).

وهذا غير ملحوظ في مراحل الاصلاح السابقة حيث شرع الله سبحانه وتعالى التوراة لتلك المرحلة ككتاب قيادي ودستور الهي كما في قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ) سورة المائدة: (45) فليس كافيا الاعتراف بنبوة الانبياء والشهادة ولكن يجب التقيد بالتشريع والحكم الالهي. ومع ذلك نجد أن بني اسرائيل وبعد أن استطاع موسى (عليه السلام) من انقاذهم من قبضة فرعون لم يتمسكوا بالشريعة الالهية؛ فمجتمع بني اسرائيل يعاني الكثير من المشاكل اهمها الخوف السياسي، وكذلك انعدام الثقة العقائدية أي عدم إيمانهم الصحيح والطمع الدنيوي وهذه نفس الاسباب التي واجهت المجتمع الاسلامي في زمن الامام الحسين ((عليه السلام) ومن هنا نجد سمة التقارب الموجودة بين الامام الحسين (عليه السلام) وبين موسى (عليه السلام). فلو أجرينا مقاربة بسيطة نجد ان التردد السياسي والطمع الذي أصاب الأمة الإسلامية واضح من خلال موقف اهل الكوفة مع مسلم بن عقيل (عليه السلام) كذلك موقف عمر بن سعد مع يزيد بن معاوية (لعنة الله عليهم) كما نلاحظ أن آل فرعون كانوا يسيطرون على الحكم وعلى رقاب الناس، وهذا ما تجدد في زمن بني أمية. لذلك جاءت حركة الاصلاح في زمن الحسين (عليه السلام) مشابهة بعض الشيء لحركة موسى (عليه السلام) مع ان الاولى اشمل؛ لأن الامام الحسين عليه السلام نهض بالعملية الاصلاحية على مستويين يمكن ملاحظتهما من خلال خطبه، ففي إحدى خطبه يقول: (ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله).

إذن هذه عملية اصلاح على مستوى الأمة الإسلامية والمجتمع الإسلامي وتارة نجده يقول: (يزيد رجل فاسق، شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله...) وهذا تصحيح على مستوى الخلافة والحكم حيث اوضح انها وضعت في غير موضعها من خلال اغتصاب يزيد (لعنه الله) للخلافة التي هي من حق اهل البيت عليهم السلام، وهذا ما ولد الفارق الطبقي الجديد في المجتمع الاسلامي والذي سوف يخلف الكثير من العقبات التي سيواجهها المجتمع الاسلامي.

ولذلك حاول الامام الحسين (عليه السلام) تغذية الامة بروح المواجهة كما في قوله: (إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما) أي اراد خلق روح تعبوية لدى الجماهير لمواجهة الانحراف الحاصل وعدم تكرار ما حصل مع موسى (عليه السلام) وقومه، واستمر من بعده من خلال حركة التحريف التي اتبعها احبار اليهود مما استدعى نشوء حركة اصلاحية جديدة وبفترة قصيرة بعد رحيل موسى (عليه السلام) وتمثلت بالحركة الاصلاحية لنبي الله عيسى (عليه السلام) وقد اختلفت هذه الحركة بحيثياتها عن باقي العمليات الاصلاحية كونها اصبحت داخلية حيث انها وجهت تصحيح الانحراف في المجموعة التي تقود العملية التشريعية والمجتمع الديني اي علماء بني اسرائيل دون مواجهة القيادة السياسية والملك ولكن في قضية النهضة الحسينية فان الحسين عليه السلام بالاضافة إلى عمله في اصلاح جسد الامة الاسلامية ومواجهة عملية التحريف المستمرة منذ زمن السقيفة فقد واجه ايضا نظام حكم بالكامل.

إذا المواجهة لم تكن بمعزل عن الموقف السياسي والاجتماعي لذا هي حركة شاملة استطاعت من السير بالمنهج الصحيح الذي رسمه لها رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فهو من اسس لهذه العملية الاصلاحية الكبرى على ارض الجزيرة العربية لتمتد إلى مشارق الارض ومغاربها من خلال مواجهة الانحراف العقائدي والديني الذي كان يسود المجتمع في ذلك وعلى مختلف الصعد الدينية والسياسية والاجتماعية وحتى العسكرية في وقت اقتضى اللجوء اليها ليؤسس مجتمعا دينيا وسياسيا يليق بحمل الرسالة وهذا ما لم يتحقق بعد وفاة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب تنامي حالة التحريف والتزييف التي أشرنا اليها والتي جوبهت من قبل الخط العلوي الملتزم المتمثل بأمير المؤمنين علي بن ابي طالب(عليه السلام) ومن بعده الامام الحسن (عليه السلام) إلى الامام الحسين (عليه السلام) الذي شكل انطلاقة جديدة في حركة الاصلاح السماوي والذي استطاع عن طريقه ان يختزل عصارة التجارب الماضية للأنبياء على مر العصور صانعا ثورة ستظل معالمها ترسم طريق اي حركة اصلاح قادمة.