b4b3b2b1
المعراج.. سفر الرسول الأعظم لرؤية الآيات الكبرى | العراق في موسم انتخابات مقبل | دليل بحاجة إلى أدلة | الإمام الصادق ..مؤسس المذهب وصاحب أكبر مدرسة علمية في التأريخ | اللاعنف في الفكر الشيعي.. الإنتشار السلمي للإسلام في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) | الحسين.. ثورة من أجل السلم العالمي | اللهم لا تجعلني وزيرا | الإستماتة في واقعة الطف | كلمة حب لفقيد المحبة والسلام | هيئة النزاهة بين ضرورة الإصلاح والمزاج الفردي | نزعة العنف في الثقافة العراقية المعاصرة | السلوك اللاعنفي، تكتيك أم استراتيجية؟ |

دعبل في حضرة الإمام الرضا (عليه السلام)

 

11 ذي القعدة 1429 - 10/11/2008

لقد مرّ على أهل البيت أدوار أحرّ من الجمر وأمرّ من الصبر فقد هدمت دورهم وسفكت دماؤهم .

ولم يكن الأمر موقوفاً على أهل البيت (عليهم السلام) وحدهم بل تعدّاهم إلى مواليهم ومحبّيهم فقد مرّ عهد على الشيعة لا يتصوّر صعوبته وشقاؤه ويكفي ما ينقله التاريخ أن الإنسان إذا قيل عنه زنديق وكافر ومشرك يسلم من الموت ويكون أهون عليه أن يقال عنه بأنّه شيعي وكان البلاء ينصبّ أكثر على العلماء والشعراء الذين ينشدون مذهب أهل البيت وأمجادهم ويخلدون مآثرهم ومناقبهم وكم اختفى عالم ولم يظهر إلاّ بعيداً عن الناس وكذلك اختفى كثير من الشعراء في دهاليز تحت الأرض خوفاً من أن يعرفوا من قبل المخابرات والجواسيس فيقتادوهم إلى المقصلة.

وقد كان هناك فئة غير قليلة لا تهاب الموت في سبيل نشر فضائل أهل البيت (عليهم السلام) فيذكرونهم بخير ولو على رؤوس الأشهاد، وهذا دعبل أحد الأشخاص الذين جاهدوا في محبّة علي وآله ردحاً غير قليل من الزمن غير مكترث ولا عابئ به يذمّ العباسيين واحداً بعد الآخر ويشنّف الآذان بقصائده العصماء في مدح آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله).

لكنك لم تر له أثراً في الحلبة الأدبية الكبيرة التي ينادي فيها شعراء الدولة العباسية حتى أظهروا فيها كامل مواهبهم وحظوا عند الأمير وخاصته وذاع صيتهم في الآفاق.

والظاهر أنّ هذا الشاعر الفحل الذي لم تنجب دنيا الشعراء أكثر منه جرأة وتمسّكاً بمبدأه واستماتة في ولائه لآل علي، عدل عن الأسلوب الذي اتّخذه الشعراء لنيل جوائزهم العاجلة وراح يبتكر أسلوباً جديداً.

فعبّر أولاً عن طول نفسه وملحميته في الشعر العربي وثانياً عن سلاسته وحلاوة كلامه مع رصانة وعذوبة وعبّر ثالثاً عن المآسي الكبيرة التي تعرّض لها أهل البيت (عليهم السلام) بما يتفجّر له الصمّ الجماد ويتكسّر له قلب العدو الألدّ ورابعاً فلم يقتصر في قصيدته على مدح رجل واحد من أهل بيت العصمة. فقد مدحهم وبكاهم وأبكى الناس لسوء حالهم فكان مادحاً وباكياً ومؤرقاً ومقضّاً لمضاجع الظالمين.

ولدى مطلع القصيدة الغراء تندهش بهذا اللفظ القادر على تحريك المشاعر وإثارة العواطف والمعبّر كل التعبير عن بالغ الأسى وعظيم الأسف. تأمّل معي مطلع القصيدة.

تجاوبن بالأرنان والزفرات ***نوائح عجم اللفظ والنطقات

ثم يستمر فيها دعبل بهذا النفس الملحمي الطويل مع الرصانة والعذوبة وكأنّه يغرف من بحر.

وعندما قرأها أمام الإمام الرضا عليه السلام في (مرو) أعجب بها الإمام كثيراً ودعا له وقد تأثّر الإمام في بيتين من القصيدة وبدا عليه بشكل واضح. الأول: عندما قال:

أرى فيئهم في غيرهم متقسماً *** وأيديهم من فيئهم صفرات

بكى الإمام وقال: صدقت يا خزاعي.. وقد أصاب فيه دعبل الوتر الحساس للمحنة التي يعاني منها أهل البيت.

الثاني: لدي وصوله إلى هذا البيت.

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم*** أكفاً عن الأوتار منقبضات

جعل الإمام يقلب كفيه ويقول: أجل منقبضات.

ولما انتهى دعبل أجازه الرضا - كما يقول في الأغاني - بعشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه، وخلع عليه خلعة من ثيابه فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم فلم يبعها فقطعوا عليه الطريق فأخذوها منه.

فقال لهم: إنّها تراد لله عزّ وجل وهي محرّمة عليكم فحلف أن لا يبيعها أو يعطونه بعضها فيكون في كفنه. فأعطوه فرد كم كان في أكفانه.

وكتب قصيدته (مدارس آيات) فيما يقال على ثوب وأحرم فيه وأمر بأن يكون في كفنه ولم يزل دعبل مرهوب اللسان ويخاف من هجائه الخلفاء. قال ابن المدبر: لقيت دعبلاً فقلت له: أنت أجرأ الناس حيث تقول في المأمون:

إنّي مــــن القــــــوم الذين سيوفهم ***قتـــــلت أخـــــاك وشـــرفتك بمقعد

رفعوا محلّـــك بعــــــد طول خموله ***واستنـقذوك من الحضيض الأوحد

فقال: يا أبا إسحاق إنّي أحمل خشبتي منذ أربعين سنة ولا أجد من يصلبني عليها.

ومن طريف ما ينقل: أنّ دعبل انصرف من (مرو) بعد أن أنشد الرضا قصيدته التائية فمرّ في طريقه على مياه فوهان فاعترض القافلة اللصوص وأخذوها بأسرها وكتفوا أهلها وكان دعبل فيمن كتّف وملك اللصوص القافلة وجعلوا يقسمونها بينهم، فقال رجل من القوم متمثلاً بقول دعبل في قصيدته:

أرى فيئهم في غيرهم متقسماً ***وأيديهم من فيئهم صفرات

فسمعه دعبل فقال له: لمن هذا البيت؟

فقال: لرجل من خزاعة يقال له دعبل بن علي.

قال دعبل: فأنا دعبل قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت. فوثب الرجل إلى رئيسهم وكان يصلّي على رأس تل وكان من الشيعة فأخبره فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل.

فقال له: أنت دعبل.

فقال: نعم.

فقال له: أنشد القصيدة، فأنشدها فحلّ كتافه وكتاف جميع القافلة وردّ إليهم جميع ما أخذوا منهم كرامة لدعبل.